الاهوار العراقية في المطبوعات الغربية .. رؤية غربية، مراجعة عراقية 

صادق الطائي

استضافت  مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 12 يوليو 2017 الباحث العراقي نديم العبدالله في امسية ثقافية تحدث فيها عن الاهوار العراقية في المطبوعات الغربية بمناسبة مرور عام على ادراج الاهوار على قائمة اليونسيكو للتراث العالمي .

الاستاذ نديم العبدالله من مواليد بغداد ,حاصل على بكالوريوس لغه انكليزية من جامعه الموصل عام 1987،وحاصل على شهادتي الدبلوم العالي والماجستير في   التربية والتعليم  من جامعة بلايموث في بريطانيا. له العديد من الدراسات والبحوث والكتب الصادرة باللغة  الانكليزية، مثل كتاب  "دراسات في السياسة  التعليمية " وكتاب "  ببلوغرافيا  الكتب  الانكليزية  الصادره حول العراق وبلاد الرافدين  1800-2000 ". ويشتغل حاليا على مشروع كبير هو  اصدار  ( موسوعه المؤلفين والكتب الصادرة باللغة الانكليزية حول العراق )،وهو مدير مركز الدراسات الانجلو- عراقية بلندن. ،عمل لسنوات طويلة في مجال التعليم واللغات اضافة لنشاطه في مجالات المجتمع المدني  والاعلام والسياسة  حيث ترشح للبرلمان العراقي  في دورته الاخيره لعام 2014.

الاهوار العراقية

تناولت الاستاذ نديم العبدالله الاهوار العراقية موضحا ماذا تعني واين تقع وتفاصيلها البيئية قائلا؛هي مجموعة المسطحات المائية التي تغطي الاراضي المنخفضة الواقعة في جنوبي السهل الرسوبي العراقي، وتكون على شكل مثلث تقع مدن العمارة والناصرية والبصرة على رؤوسه. وتتسع مساحة الاراضي المغطاة بالمياه وقت الفيضان في اواخر الشتاء وخلال الربيع وتتقلص ايام الصيهود. وتتراوح مساحتها 35-40 الف كيلو متر مربع. وتقع منطقة الاهوار بين دائرتي عرض 50 30ْ و50 32ْ شمالاً، وبين الحدود الإيرانية من الشرق، وحافة الهضبة من الغرب.

التقسيم الجغرافي

تقسم جغرافيا إلى مجموعتين:

  • مجموعة الاهوار الواقعة شرقي نهر دجلة واهمها الحويزة وتبلغ مساحتها داخل العراق نحو 2863 كيلومتراً مربعاً.

  • الاهوار الواقعة غربي دجلة واهمها هور الحمار الذي تبلغ مساحته نحو 2441 كيلومتراً مربعاً.

  • اهوار الفرات التي تمتد من الخضر إلى الكفل بين فرعي الفرات (الحلة والهندية). وتتألف من عدد من الاهوار الصغيرة.

 وتبلغ مساحة اجمالي الاهوار، فقد تراوحت تقديراتها بين 9000 و20000 كيلومتراً مربعاً، وتبلغ مساحتها بحسب تقديرات أخرى على اساس وحداتها الادارية الصغرى والبالغة 20 ناحية ضمن المحافظات الثلاث التي تقع فيها منطقة الاهوار وهي محافظات (ميسان – ذي قار- البصرة) التي تعتبر مراكز التوازن المكاني والسكاني فيها.

ويعيش سكان الأهوار في جزر صغيرة طبيعية أو مصنعة في الأهوار، ويستخدمون نوعا من الزوارق يسمى بالمشحوف في تنقلهم وترحالهم.للأهوار تأثير إيجابي على البيئة فهي تعتبر مصدر جيد لتوفير الكثير من المواد الغذائية من الأسماك والطيور والمواد الزراعية التي تعتمد على وفرة وديمومة المياه مثل الرز وقصب السكر.ويعتقد البعض أن المنطقة هي الموقع الذي يُطلق عليه العهد القديم "جنات عدن". وتشير الدراسات والبحوث التاريخية والأثرية إلى أن هذه المنطقة هي المكان الذي ظهرت فيه ملامح السومريين وحضاراتهم وتوضح ذلك الآثار والنقوش السومرية المكتشفة.

أهوار العراق وإدراجها في لائحة التراث العالمي

يعني إدراج أي موقع في اللائحة أنه أصبح ضمن المواقع الفريدة التي يجب الحفاظ عليها وإبعاد خطر اندثارها. ويتوقع من الجهات المسؤولة عن المناطق المدرجة توفير الظروف الملائمة للسياحة العالمية، فالإضافة الى التراث العالمي تشكل حافزا مهما في تشجيع السياح على التوجه إلى تلك المواقع من مختلف أنحاء العالم.وتتولى منظمة اليونسكو مراقبة هذه المواقع وتنظيم زيارات لتقييم أوضاعها، وتصدر تحذيرات للجهات المسؤولة لإبعاد أي مخاطر تهددها. وفي حال عدم حصول تقدم في تصحيح الموقف يُقنع الخبراء، فمن الممكن أن يوضع الموقع في قائمة المواقع المهددة.

وصفت منظمة اليونسكو منطقة الأهوار في العراق، لدى الإعلان عن إدراجها في قائمة التراث العالمي، بأنها "ملاذ تنوع بايولوجي وموقع تاريخي لمدن حضارة ما بين النهرين"، ولا شك أن أي منطقة تتضمن هذين العنصرين: عراقة التاريخ وغنى الطبيعة لا بد أن تكون استثنائية في أهميتها لتوضع ضمن كنوز العالم التي يصبح الحفاظ عليها وإدامتها من الأولويات.ووفق قرار المنظمة، الذي أعلن في مدينة اسطنبول التركية، دخلت إلى لائحة التراث العالمي أربعة أهوار في جنوب العراق هي: الأهوار الوسطى وهور الحمّار الغربي، وهور الحمّار الشرقي وهور الحويزة التي تتوزع بين محافظات ذي قار وميسان والبصرة.وأضيفت للائحة أيضا ثلاثة مواقع لمدن سومرية هي: أور وأريدو قرب مدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار وأوروك (الوركاء حاليا) في محافظة المثنى.

الاهوار في الكتابات الغربية

جذبت الأهوار بطبيعتها الساحرة الرحالة والباحثيين الغربيين، فألفوا كتبا عنها، منها كتاب "قصبة في مهب الريح" لغـافـن ماكسويل، و"العودة إلى الأهوار" لغافن يونج، و"عرب الأهوار" لويلفرد ثيسيجر، ولكن أكثر العلماء اهتماما بالاهوار وحضارتها القديمة هو عالم الآثار والمستكشف النرويجي ثور هايردال صاحب كتاب "حملة دجلة.. في البحث عن البداية" الذي باشر مشروعه في معرفة طرق وصول أبناء حضارة الرافدين القديمة إلى العالم.

الحاج ركان .. عرب الأهوار - فلانين هتشكوك

من المؤلفات التي كتبت على شرف الاهوار وسكانها والبيئة المحيطة بها، هو كتاب "الحاج ريكان .. عرب الاهوار"، الذي انجز عام 1927، من تأليف "فلانين" والمقصود بفلانين هما: السيدة هتشكوك وزوجها الميجر هتشكوك الضابط البريطاني الذي خدم في مدينة العمارة فترة الاحتلال البريطاني للعراق، وفي اغلب الظن ان "فلانين" هو تثنية المفردة العربية "فلان" الشهيرة والمتداولة بين عرب الاهوار.

 

في مطلع الكتاب لا يخفي المؤلفان بأن الفضل في تأليف ذلك الكتاب يعود للخاتونه "جيرترود لوثيان بيل" حيث اقترحت عليهما تلك الفكرة، وكان مقررا ان تكتب مقدمة الكتاب لكن الاجل حان دون ذلك. عن الكتب الاخرى التي تتحدث عن الاهوار فإن المختلف في ذلك الكتاب انه بالإضافة الى الإلتقاطات التي شاهدها ووثقها المؤلف بنفسه، فإنه ايضا وثّق لكثير من تفاصيل حياة الاهوار وسكانها فترة الاحتلال البريطاني، وقبل ذلك في فترة الاحتلال العثماني للعراق، من خلال القصص التي رويت على لسان من عاشوها في مرحلة زمنية يندر بل يكاد ينعدم فيها التدوين عن بيئة الاهوار، خصوصا في القرن التاسع عشر والنصف الاول للقرن العشرين، ويمثل دور القاص والسارد لتلك الوقائع هو "الحاج ريكان" التاجر المتجوّل في تلك المناطق والذي يعرف جغرافيا وبيئة الاهوار بشكل ممتاز.

المصور الأسترالي فرانك هيرلي وصوره في كتالوجات المكتبة الوطنية لأستراليا

فرانك هيرلي (15 أكتوبر 1885 - 16 يناير 1962) مصور ومغامر أسترالي،شارك في عدد من البعثات إلى القارة القطبية الجنوبية وعمل كمصور رسمي مع القوات الاسترالية خلال الحربين العالميتين.أسلوبه الفني أنتج العديد من الصور لا تنسى. كما استخدم مشاهد مسرحية ومركبات وتصوير فوتوغرافي.

صور فرانك هيرلي الحياة اليومية لعرب الأهوار في العراق، وردودهم الإيجابية المحيرة على الوجود البريطاني في العراق عام 1944، عمل هورلي في وزارة الأعلام البريطانية وذهب في رحلة عبر الأهوار في زورق (مشحوف) في نيسان / أبريل 1944. وكان يسعى الى توثسق التغيرات التي سبق وان صورها ويلفريد ثيسيجر لعرب الأهوار منذ عدة سنوات، وقد قدم هيرلي  سجلا مؤثرا لطريقة حياة عرب الاهوار قبل أن تدمر هذه البيئة الفريدة عالميا. ويمكن الاطلاع على نسخ رقمية من الصور واليوميات على الموقع الالكتروني للمكتبة الوطنية الأسترالية (the National Library of Australia ).

ولـفـريـد ثـيـسـجـر بـيـن وعـرب الأهـوار

ولـد ولـفـريـد ثـيـسـجـر(Wilfred Thesiger  ) في أديـس أبـابـا، اثيوبيا سـنـة 1910 مـن أبـويـن بـريـطـانـيـيـن، ودرس في إنـكـلـتـرة، في أحـسـن مـدارسـهـا وجـامـعـاتـهـا : في Eton و Oxford، قـبـل أن يـعـود إلى إثـيـوبـيـا في سـنّ الـرّابـعـة والـعـشـريـن لـلـمـشـاركـة في مـهـمـة اسـتـطـلاع مـجـرى نـهـر أواش. ثـمّ عـيّـن في الإدارة الـبـريـطـانـيـة لـلـسّـودان. وخـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة شـارك في مـعـارك اسـتـعـادة الـحـبـشـة مـن الإيـطـالـيـيـن. ثـمّ أرسـل إلى سـوريـا. وخـدم بـعـد ذلـك في قـوة الـطـيـران الـبـريـطـانـيـة في لـيـبـيـا ضـدّ الألـمـان.ودرس ثـيـسـجـر الـلـغـة الـعـربـيـة وكـان يـتـفـاهـم مـع الـنّـاس بـعـدّة لـهـجـات.

وقـد سـافـر ثـيـسـجـر في أفـريـقـيـا والـشّـرقـيـن الأدنى والأوسـط لـمـدة سـنـوات طـويـلـة. وقـام بـيـن 1945 و 1950 بـعـدّة رحـلات إلى جـزيـرة الـعـرب وحـام حـول الـرّبـع الـخـالي. وكـان مـن أوائـل الإنـكـلـيـز الّـذيـن اخـتـرقـوه. وقـد اخـتـرقـه مـرتـيـن عـلى ظـهـور الـجـمـال. وكـتـب عـن ذلـك كـتـابـاً شـديـد الـشّـهـرة أعـيـد طـبـعـه مـرارا فوق الرمال العربية ( Arabian Sand). 

وبـيـن أواخـر عـام 1951 وحـزيـران 1958، أقـام ثـيـسـجـر عـدّة مـرّات ولـمـدة أشـهـر طـويـلـة في أهـوار جـنـوب الـعـراق.وصـل ثـيـسـجـر إلى الأهـوار في أواخـر عـام 1951، وسـقـط حـالاً في دائـرة سـحـرهـا حـتّى أنّـه كـتـب عـن هـذه الـزّيـارة الأولى :"أقـمـت في أهـوار جـنـوب الـعـراق مـن أواخـر عـام 1951 إلى حـزيـران 1958، لـفـتـرات دام بـعـضـهـا أحـيـانـاً سـبـعـة أشـهـر. وكـان عـام 1957 الـعـام الـوحـيـد الّـذي لـم أذهـب إلـيـهـا فـيـه. وكـنـت في إقـامـاتي تـلـك أعـيـش مـع أهـل الأهـوار كـواحـد مـنـهـم."  ثـمّ عـاد ثـيـسـجـر إلى الأهـوار مـراراً لـيـقـيـم فـيـهـا فـتـرات طـويـلـة ،وكـانـت الأهـوار في الـفـتـرة الّـتي زارهـا ثـيـسـجـر واسـعـة الأرجـاء. وقـد وصـفـهـا بـالـتّـفـصـيـل : "تـغـطي الأهـوار حـوالي سـتّـة آلاف مـيـل مـربـع (أي حـوالي 9،656 كـلـم مـربـع) مـن الـمـنـطـقـة الّـتي تـحـيـط بـالـقـرنـة الّـتي يـلـتـقي فـيـهـا دجـلـة والـفـرات شـمـال الـبـصـرة لـيـشـكـلا شـطّ الـعـرب. وهي إمّـا مـسـتـنـقـعـات دائـمـة نـبـاتـهـا الـرّئـيـسي الـقـصـب، أو مـسـتـنـقـعـات فـصـلـيـة يـغـطـيـهـا الأسـل (أسَـل الـمـسـتـنـقـعـات) تـجـفّ في الـخـريـف والـشّـتـاء، وإمّـا مـسـتـنـقـعـات مـؤقـتـة تـمـتـلئ في أوقـات الـفـيـضـانـات وتـغـطـيـهـا بـعـد ذلـك نـبـاتـات الـسُّـعـادي (نـوع مـن الـبـردي (sedge. ويـمـكـن تـقـسـيـمـهـا إلى الأهـوار الـشّـرقـيـة في شـرق دجـلـة، والأهـوار الـوسـطـانـيـة في غـرب دجـلـة وشـمـال الـفـرات، والأهـوار الـجـنـوبـيـة في جـنـوب الـفـرات وغـرب شـطّ الـعـرب. وهـنـاك بـعـض الأهـوار الـدّائـمـة بـيـن الـشّـطـرة ونـهـر الـغـرّاف الّـذي يـنـفـصـل عـن دجـلـة في الـكـوت وتـنـحـدر مـيـاهـه في اتـجـاه جـنـوب الـغـرب نـحـو الـنّـاصـريـة. ونـجـد بـعـض الأهـوار الـفـصـلـيـة في شـمـال شـرق الـعـمـارة".  

ويـذكـر ثـيـسـجـر أنّـه كـان يـعـرف خـاصـة الأهـوار الـوسـطى، ربّـمـا لأنّـه بـدأ بـهـا : "وأنـا أعـتـبـرهـا في الـحـقـيـقـة مـثـل بـلـدي. وخـلال سـنـوات زرت كـلّ مـوقـع فـيـهـا تـقـريـبـاً، وقـد عـدت إلى أغـلـبـهـا حـيـنـاً بـعـد حـيـن. وعـنـدمـا اشـتـريـت مـشـحـوفـاً جـاء سـائـقـو مـشـحـوفي مـن هـنـا. وعـنـدمـا ارتـضـوا أن يـعـمـلـوا عـنـدي رضي عـنّي أبـنـاء عـشـائـرهـم وقـبـلـوني بـيـنـهـم. وقـد صـاحـبـوني طـيـلـة هـذه الـسّـنـوات، وأقـمـت في قـراهـم، وكـنـت أعـود إلـيـهـا بـعـد كـلّ واحـدة مـن جـولاتي. وقـد تـجـوّلـت في الأهـوار الـشّـرقـيـة ولـكـنـني لـم أتـعـرف عـلى أهـلـهـا بـنـفـس الـعـمـق. وقـد بـقـيـت بـيـنـهـم غـريـبـاً وإن كـانـوا يـرحـبـون بي لـلـمـسـاعـدات الـطّـبـيـة الّـتي يـمـكـنـني أن أغـدقـهـا عـلـيـهـم. أمّـا مـعـرفـتي بـالأهـوار الـجـنـوبـيـة فـقـد كـانـت قـلـيـلـة".

وقـد قـضى ثـيـسـجـر كـلّ الـفـتـرات الّـتي أقـام فـيـهـا في الأهـوار في الـتّـجـول عـلى طـرادتـه بـيـن قـراهـا والـتّـعـرف عـلى الـنّـاس، بـسـطـائـهـم وأعـيـانـهـم، ومـصـاحـبـتـهـم في أعـمـالـهـم وفي صـيـدهـم، وتـسـجـيـل مـلاحـظـات والـتـقـاط صـور. وقـد سـهـلـت لـه مـهـمـتـه إمـكـانـيـاتـه الـمـاديـة ومـعـارفـه الـطّـبّـيـة ومـمـارسـاتـه الـبـسـيـطـة لـلـتّـضـمـيـد. وكـان يـجـلـب مـعـه في كـلّ مـرّة أدويـة ضـدّ الأمـراض الـمـتـفـشّـيـة في الأهـوار.وفي عام 1964 نـشـر ثـيـسـجـر في لـنـدن عـن دار نـشـر Longmans, green، كـتـابـه الـشّـديـد الـشّـهـرة والّـذي يـسـرد فـيـه أقـامـاتـه في الأهـوار : "The Marsh Arabs ويـضـمّ الـكـتـاب عـدداً كـبـيـراً مـن الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة حيث كـان ثـيـسـجـر يلتقط صور فوتوغرافية توثق رحلاته في الأهـوار وعددها بـالـضّـبـط 110 صور اصبحت فيما بعد مرجعا للباحثين في حياة الاهوار. وقـد أعـيـد طـبـع الـكـتـاب مـراراً ومـا زال يـبـاع.

 

غـافـن مـاكـسـويـل "قصبة في مهب الريح" 

وصـل عـالـم الـطّـبـيـعـيـات الإسـكـتـلـنـدي غـافـن مـاكـسـويـل( Gavin Maxwell إلى الـعـراق في 1956 مـع ولـفـريـد ثـيـسـجـر. وقـد كـتـب ثـيـسـجـر بـعـد ذلـك "جـاء غـافـن مـاكـسـويـل مـعي إلى الـعـراق في 1956، وكـان يـريـد أن يـؤلـف كـتـابـاً عـن الأهـوار، فـتـجـولـت بـه فـيـهـا سـبـعـة أسـابـيـع عـلى طـرادتي" ،والـطّرّادة الّـتي يـذكـرهـا ثـيـسـجـر (وهي مـشـحـوف كـبـيـر) كـانـت قـد صـنـعـت لـفـالـح بـن مـجـيـد، شـيـخ ألـبـو مـحـمّـد. وأهـداهـا فـالـح لـثـيـسـجـر بـعـد وصـولـه إلى الأهـوار بـقـلـيـل.وفي 1957 نـشـر مـاكـسـويـل كـتـاب"  People of the Reeds كـمـا نـشـر في 1959 بـالإشـتـراك مـع ثـيـسـجـر كـتـاب بعنوان  قصبة في مهب الريح .. رحلة في الاهوار غير المستكشفة في العراق (A Reed Shaken by the Wind- a journey through the Unexplored Marshlands of Iraq ).

وقد عاد مـاكـسـويـل إلى إسـكـتـلـنـدة عام 1956مـصـطـحـبـاً مـعـه Smooth-Coated Otter أي قُـنـدس أو كـلـب مـاء وقد اطلق عليه تحببا اسم احد اصدقائه من سكان الاهوار اسـمـه مِـجـبِـلMijbil .وقـد أبـقـاه مـعـه في داره وربّـاه مـع كـلـيـب مـاء آخـر. وقـد اكـتـشـف أنّ هـذا الـنّـوع الّـذي يـعـيـش في الأهـوار كـان مـجـهـولاً في كـتـب عـلـم الـحـيـوان. وبـعـد أن نـشـر دراسـة عـنـه أطـلـق عـلى الـحـيـوان اسـم" Maxwell’s Otter وقـد نـشـر مـاكـسـويـل في 1960 كـتـابـاً عـن مـجـبـل والـعـلاقـات الّـتي تـوثّـقـت بـيـنـهـما بعنوان (  Ring of Bright Water)ولاقى هـذا الـكـتـاب نـجـاحـاً كـبـيـراً وأعـيـد طـبـعـه مـراراً. وبـاع مـنـه أكـثـر مـن مـلـيـون نـسـخـة.وفي 1969 أخـرج الـمـخـرج الـبـريـطـاني Jack Couffer هـذه الـقـصّـة في فـيـلـم سـيـنـمـائي لاقى نـجـاحـاً هـو الآخـر. وعـرف مِـجـبـل في الـفـيـلـم بـاسـم (Mij the Otter).

غـافـن يـونـغ "العودة الى الأهـوار"

بـعـد أن أنـهى غـافـن يـونـغ Gavin Young خـدمـتـه الـعـسـكـريـة في فـلـسـطـيـن والأردن، عـاد إلى قـاعـات الـمـحـاضـرات لـيـدرس الـتّـاريـخ الـحـديـث في جـامـعـة أكـسـفـورد. وعـنـدمـا حـصـل عـلى شـهـادتـه الـتـحـق بـشـركـةRalli Brothers لـلـشّـحـن الـبـحـري الـبـريـطـانـيـة الّـتي عـمـل فـيـهـا عـامـيـن. وقـد بـعـثـتـه الـشّـركـة إلى الـبــصـرة.وفي بـدايـة 1952، إلـتـقى غـافـن يـونـغ في الـبـصـرة بـولـفـريـد ثـيـسـجـر الّـذي تـحـدّث لـه عـن الأهـوار، فـذهـب إلـيـهـا يـونـغ مـعـه. ثـمّ رجـع إلـيـهـا عـدّة مـرّات بـعـد ذلـك وأقـام فـيـهـا فـتـرات طـويـلـة، إلى أن تـرك عـمـلـه وتـرك الـعـراق لـيـقـضي عـامـيـن في جـنـوب غـرب جـزيـرة الـعـرب.

وفي 1956، مـرّ بـالـبـصـرة في طـريـقـه مـن الـجـزيـرة الـعـربـيـة عـائـداً إلى إنـكـلـتـرة، وقـضى فـيـهـا عـدّة أسـابـيـع. وبـعـد أن رجـع يـونـغ إلى إنـكـلـتـرة لـيـقـضي فـيـهـا عـطـلـة، إنـدلـعـت حـرب الـسّـويـس، أي الـعـدوان الـثّـلاثي عـلى مـصـر ومـانـتـج عـنـه في بـلـدان الـمـنـطـقـة. ولـم يـسـتـطـع الـعـودة إلى الأهـوار، فـمـارس الـصّـحـافـة وسـافـر وألّـف كـتـبـاً كـثـيـرة.

وبـعـد سـبـع عـشـرة سـنـة، أي في 1973عـاد غـافـن يـونـغ إلى الأهـوار لـيـجـد بـعـض أصـدقـائـه الّـذيـن كـان قـد عـرفـهـم فـيـهـا في الـخـمـسـيـنـات. ثـمّ عـاد إلـيـهـا عـدّة مـرّات يـتـجـوّل فـيـهـا عـلى طـرّادة ويـحـاول أن يـعـيـش مـع نـاسـهـا كـمـا يـعـيـشـون. وقـد حـلّـق فـوق الأهـوار عـلى طـائـرة هـلـيـوكـوبـتـر يـقـودهـا ضـابـط عـراقي يــومـيـن كـامـلـيـن إلـتـقـط فـيـهـمـا عـدداً كـبـيـراً مـن الـصّـور. ولاحـظ كـيـف غـيّـرت "الـحـضـارة الـحـديـثـة" حـيـاة الأهـوار الّـتي أحـبّـهـا في زمـنـه … وكـتـب عـن زيـاراتـه هـذه لـلأهـوار كـتـابـاً نـشـره عـام 1977(Return to Marshes, Life with the Marsh Arabs of Iraq )وصـاحـبه في هذه الرحلة مصور فوتوغرافي محترف هو من التقط صور الكتاب هو( Nik Wheeler).

وفي 1980 نـشـر يـونـغ كـتـاب : « Iraq: Land of Tow Rivers » الّـذي سـرد فـيـه أسـفـاره في الـعـراق، وصـاحـبـه بـصـور فـوتـوغـرافـيـة الـتـقـطـهـا( Nik Wheeler أيـضـاً ،وعـاد غـافـن يـونـغ إلى الأهـوار آخـر مـرّة في 1984، خـلال الـحـرب الـعـراقـيـة الإيـرانـيـة ولـمـس تـغـيـيـرات أخـرى أثـارت حـنـيـنـه إلى الـزّمـن الّـذي كـانـت فـيـه الأهـوار بـيـئـة طـبـيـعـيـة يـتـآلـف فـيـهـا الـنّـاس والـمـاء والـنـبـاتـات والـحـيـوانـات في تـنـاسـق وتـنـاغـم دامـا آلاف الـسّـنـيـن قـبـل أن تـخـربـهـا "الـحـضـارة الـحـديـثـة" بـجـشـعـهـا وحـروبـهـا.ونـشـر غـافـن يـونـغ آخـر كـتـاب تـكـلّـم فـيـه عـن الـعـراق في 1998 : «Eye on the world ». ونـشـر فـيـه كـثـيـراً مـن الـصّـور الّـتي كـان قـد الـتـقـطـهـا. ويـعـتـبـر هـذا الـكـتـاب قـصـة حـيـاتـه يـرويـهـا بـالـصّـور.

ديفيد هاريسون وموسوعته "اللبائن في المنطقة العربية"

ديفيد لاكين هاريسون (1 أكتوبر 1926 - 19 مارس 2015) عالم حيوان بريطاني أسس مع عائلته، متحف هاريسون للحيوانات، والمعروف لاحقا باسم معهد هاريسون،الف ديفيد هارسون معجمه  الجغرافي الذي احتوى أكثر من 1300 منطقة في الجزيرة العربية والعراق وبلاد الشام. وتستند البيانات الإيكولوجية والبيولوجية على الخبرة المباشرة في الميدان، فضلا عن دعمها بالصور الفوتوغرافية. كما إدرج أكثر من 600 مرجع في قائمة المراجع وهناك مسرد مصور للمصطلحات التقنيةمع أكثر من 159 صورة فوتوغرافية و 290 لوحة من الرسومات والخرائط والمخططات، كتاب (اللبائن في المنطقة العربية ) يعطي فهما مفصلا عن 150 نوعا من الثدييات الموجودة في المنطقة، مع أقسام لكل الأنواع تقوم على اساس تحديدالتباين، والتوزيع الجغرافي والبيئة. يتم تضمين مفاتيح للعائلات والأجناس والأنواع. وقد ضم وصفا ومصورات مهمة عن بيئة الاهوار وحيواناتها جنوب العراق.

 
 

  

 

أيديولوجيا شبكات التواصل الاجتماعي وتشكيل الرأي العام

د.محمد الراجي

 
 


يعالج كتاب "أيديولوجيا شبكات التواصل الاجتماعي وتشكيل الرأي العام"، كما يبدو من خلال المصطلحات المفتاحية الأربعة المسطورة في العنوان؛ باعتبارها دالَّة على محتواه، تأثيرات المنصات الاجتماعية في صناعة الرأي العام الإلكتروني، والآليات والأساليب التي تُستخدم في تكوينه. ولئن كان هذا الموضوع شكَّل مجالًا لأبحاث جامعية ودراسات إعلامية كثيرة منذ نهاية تسعينات القرن الماضي، ثم تناسلت هذه الأبحاث في سياق التحوُّلات التي عرفها المجال العربي منذ العام 2011، فإن المقاربة التي يعتمدها الكتاب تستند لرؤية توليفية؛ تكمن في دراسة الأطر المرجعية التي تُحدِّد دينامية هذه الشبكات بوصفها وسيطًا أيديولوجيًّا؛ يُنْشِئُ السياقات (العوالم الافتراضية) التي تجعل المستخدمين يحتكمون إلى الاهتمامات السائدة فيها، فتصبح هنا الوسيلة أو المنصَّة في ذاتها مُؤَدْلَجَةً، وليس المحتوى وحده، خلافًا لما دَرَجَتْ عليه الدراسات والنظريات الإعلامية التقليدية التي تربط جوهر أو طبيعة الوسيلة بمضمون الرسالة الإعلامية. ويُثير هذا الطابع؛ أي: أيديولوجية الوسيلة، إشكالًا فلسفيًّا بشأن "جوهرانية"* شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقاتها؛ التي تُجسِّد رؤية معينة وتصوُّرًا مخصوصًا للعلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتُكَوِّنُ المظاهر العامة أو نمط الحياة؛ حيث لا يمكن الفصل بين الوسيلة والغاية.

ويبدو هذا البُعد الإشكالي مُفَكَّرًا فيه، باستدعاء نظرية الحتمية التكنولوجية؛ إذ يُؤَطِّرُهُ مؤلِّف الكتاب، الدكتور معتصم بابكر مصطفى، في سياق الدور الكبير الذي بدأت تقوم به تقانة المعلومات في رَسْمِ معالم مجتمع الألفية الثالثة؛ حيث تمتاز بتأثير متزايد على جميع عناصر منظومة المجتمع؛ الأمر الذي جعل من الصعوبة فكَّ الارتباط بين الثقافة والتقانة؛ إذ تقوم تكنولوجيا المعلومات الجديدة بتحطيم العقبات والعراقيل الزمنية، والعلاقات الاجتماعية الهرمية والتصنيفات الطبقية التقليدية؛ لأن ثقافة الوسائط المتعددة والشبكات تُشجِّع المستخدم على الذوبان والانصهار في عالم الرَّقْمَنَة... لذلك فالمجتمع في علاقته مع وسائط الاتصال الجديدة لا يتم تشكيله وبناؤه وفق التأثيرات الوافدة عليه عبر هذه الوسائل فحسب، بل يذوب معها كليًّا. ويجمع بين المجتمع والشبكات ما أطلق عليه البعض: المجتمع ذو البُعد الواحد، أو تعبير فلاسفة ما بعد الحداثة مجتمع "الرُّحَّل الجدد" الذي يُجْهِز على جميع الاختلافات والتمايزات ويُوحِّد أفراده في نظمهم ومعاييرهم وأذواقهم في نمط واحد انطلاقًا من مبدأ الحركة، سواء كانت حركية واقعية أو افتراضية عن طريق السفر والترحال عبر وسائط الاتصال والشبكة العنكبوتية، وهو ما يدفع إلى انصهار والتقاء وتزاوج ثقافات عديدة بين شعوب مختلفة في بقع جغرافية محددة(1).

انطلاقًا من هذا المدخل يميز المؤلف، في سياق تحديده لأبعاد أيديولوجيا الإعلام، بين الإعلام باعتباره عملية نشر معلومات وأنباء وثقافة، وبين الوسائل الإعلامية المحصورة في التقنيات؛ أي: وسائط الاتصال التي تمنح الفكرة قوة مادية، ويشير إلى أن الاختراعات التقنية، وإن كانت تشكِّل منظومة، لا تقتصر على كونها منظومة تقنية، وإنما تقنية ثقافية، ومن ثم فإن الهيمنة الفكرية والأيديولوجية لا تُمارَس فقط بواسطة محتوى الرسائل، وإنما بواسطة التقنية التي تحملها وتبثها وتُرَتِّب أشكال فَرْضِها وتلقيها. لذلك، يكتسب الوسيط الناقلُ التأثيرَ الأهم في بناء الثقافة والمعرفة وفي تصور الكون كله. فالمعنى الذي تحمله الرسالة وانعكاساتها الاجتماعية تختلف باختلاف الوسيط الحامل لها. فقد أصبحت أهم الصور التي نرسمها وأهم الأفكار التي نُشكِّلها عن الناس والأشياء والأنظمة والمجتمعات مأخوذة عن تكنولوجيا الاتصال الحديثة؛ فالوسيط الثقافي وسيطٌ تَأْسِيسِيٌّ أيضًا يُنْتِجُ الأفكار، ويُمركزها، ويُديرها في فلكه ويُنظِّمُها؛ فالأمر لا يتعلق ببنية ثقافية، بل ببنية تقنية ومُؤَسَّسِيَّة في الوقت نفسه، فالتقنية في خدمة المؤسسة(2).

أيديولوجيا شبكات التواصل الاجتماعي


يحاول المؤلف، بأدوات الباحث الأكاديمي ورؤية الممارِس للعمل الإعلامي، رصد أبعاد أيديولوجيا شبكات التواصل الاجتماعي التي لا تنشأ في الأصل من فراغ؛ إذ تخضع إلى اعتبارات أيديولوجية. فمُؤَسِّسو الشبكة سواء كانوا أفرادًا أو جماعات يتبنَّون أفكارًا معينة، وتنشأ بناء على هذه الأفكار الشبكة (نموذج شبكة الفيسبوك). وهذا لا يعني أن هناك حالة سكونية في البناء الشبكي؛ إذ قد تتغيَّر الوُجهات الفكرية لمؤسسي الشبكة تبعًا لتغيُّر الأيديولوجيا المسيطرة على تفكيرهم، خاصة أن الأيديولوجيات ليست حتمية(3)وهنا، يتوقف الكتاب عند مُحدِّدات مختلفة تُبرز الطابع الأيديولوجي للشبكات الاجتماعية، ويأتي في مقدمتها:

• الأيديولوجيا السياسية وما يدور حولها من أحداث؛ إذ احتضنت هذه الشبكات أشكالًا من المداولة والنقاش حول الشأن العام، وسمحت للنخب السياسية بتجاوز آليات تغييبها من المجال العمومي التقليدي الذي تسيطر عليه الدولة.

• الشبكات الاجتماعية لا تعمل بمعزل عن سياقها، أي: المجتمع الافتراضي. وإذا كانت الفرضية الأساسية للمجتمع الافتراضي منذ نشأته ترتكز على مشاركة الاهتمامات، فإن الأفراد أو الجماعات عند النفاذ إلى الشبكات الاجتماعية يحتكمون إلى الاهتمامات، التي تُعدُّ بدورها مُحدِّدًا أيديولوجيًّا ينطوي على عنصر اختيار يَستمدُّ مرجعيته من الأطر الفكرية الحاكمة للمستخدمين.

• الدخول إلى الشبكة والخروج منها تبعًا للتغيرات التي تطرأ على معتقدات وأفكار المستخدمين؛ فالتفاعلات التي تتم في إطار الشبكات الاجتماعية تتحرَّر فيها الأيديولوجيا من حواجز الزمان والمكان، ولكنها لم تستطع أن تنفكَّ عن أصولها الفكرية التي تمنح الفرصة للنفاذ أو الخروج أو عدم الاشتراك.

• أفرزت الشبكات الاجتماعية أشكالًا جديدة من الفعل الجماعي، وخلقت فضاءات بديلة احتضنت جماعات افتراضية تكوَّنت حولها مشاغل مشتركة سياسية واجتماعية وفنية ورياضية ومهنية تنطلق من أيديولوجيات متعددة.

• بروز قادة رأي عام جدد لهم منابرهم الإعلامية وتقنياتهم الخاصة لحشد الجماهير وتعبئة الأفراد.
قد تكون هذه أهم مُحدِّدات أيديولوجيا الشبكات الاجتماعية من وجهة نظر المؤلِّف، لكن ثمة مُحدِّدات أخرى بعضها يجد مُسَوِّغاتِه في سياق تحولات الواقع العربي الراهن؛ حيث برز فاعلون جدد من غير الدول لا يألون جهدًا في التسلُّل للمجتمع الشبكي، الذي أصبح ناظمًا للعلاقات السياسية والاجتماعية والإنسانية والاتصالية ومُتحكِّمًا فيها أيضًا؛ إذ يحاول هؤلاء استغلال أية وسيلة أو مِنَصَّة لتكون وَسْمًا لهويتهم، وبعضها الآخر (مُحدِّدات) مرتبط بخصوصية مجتمع المعلومات، ويمكن حصرها في:   

1. المجتمع الشبكي دفع بعض الجماعات المسلَّحة والتنظيمات الجهادية لأن تجعل من شبكات التواصل الاجتماعي عنوان هُويَّتها الإلكترونية، بل سعت إلى إنشاء شبكات خاصة (نموذج "خلافة بوك"، وهو موقع للتواصل الاجتماعي أطلقه أنصار تنظيم الدولة الإسلامية، لكنه أصبح خارج الخدمة بعد يوم واحد من إطلاقه) لتكون عنوانًا دالًّا على كينونتها؛ تنشر عبرها دعايتها ونسقها الفكري والقيمي، فتغدو المنصة أو الوسيلة هنا ليس فقط حاملة للخطاب أو الرسالة الإعلامية الـمُؤَدْلَجَة لهذه الجماعة أو ذاك التنظيم، وإنما تصبح المنصة/"الوسيلة هي الرسالة"(4)في ذاتها بحسب المقولة المشهورة لعالم الاتصال شارل ماكلوهان.

2. الحروب الإلكترونية التي يشنُّها الأفراد، أو الجماعات، أو الدول، مُسْتَهْدِفَةً مواقع شبكات التواصل الاجتماعي تكشف الطابع الأيديولوجي لهذه الحروب، وتؤكد من جانب آخر الصراع حول المعاني والأفكار والتصورات والرؤى (صراع أيديولوجي) التي تحملها المضامين الإعلامية لتلك المواقع. فتكون بذلك الشبكات منصَّات لصراع أيديولوجي فكري أو عقائدي أو مذهبي أو سياسي أو صراع حول النفوذ والمصالح، بل تتحول إلى وسائط حرب أيديولوجية وفكرية بالموازاة مع الحرب التقليدية.

3. التدفُّق المعلوماتي بمصادره المختلفة، الذي يُشكِّل سَيْلًا مُنْهَمِرًا باتجاه مستخدمي الشبكات الاجتماعية، يَرْسُمُ طريقة التفكير أو ما يجب أن يُفَكِّر فيه المستخدم ويعرف عنه ويشعر به، وهو جوهر مضمون الإعلام الـمُؤَدْلَج. 
وبجانب تلك المحددات التي رصدها المؤلف في دراسته لأيديولوجيا شبكات التواصل الاجتماعي، تبرز أهمية أيديولوجيا المضامين الإعلامية نفسها، أو أيديولوجيا الإعلام باعتبار الإعلام رسالة، والرسالة لابد أن تكون مُؤَطَّرَةً برؤية، وهي فكرة أو مجموعة أفكار تسبق السلوك الاتصالي؛ مما يجعل الممارسة الإعلامية نتاج رؤية أيديولوجية؛ وهي المحددات التي تُؤثِّر في عمل القائم بالاتصال(5)بل إن البعض يربط أيديولوجيا الإعلام بتحكم بعض النماذج العقلية للممارسة الصحفية في صناعة الأخبار من خلال المهمات (التكليفات) أو جمع الأخبار وكتابتها والتحرير والمقابلات(6)، وهو ما يعني أن القائم بالاتصال يبذل جهدًا في تنظيم محتوى الرسالة الإعلامية الذي يرتبط بالقدرة على الإقناع؛ مما يفرض عليه اتخاذ قرارات، مثل: تحديد الأدلة التي سوف يستخدمها، وتلك التي سوف يستبعدها، والحجج التي يُسْهِب في وصفها، وتلك التي يجب أن يختصرها، ونوعية الاستعمالات التي يستخدمها ومدى قوتها، فكل رسالة إقناعية هي نتاج للعديد من القرارات بالنسبة لشكلها ومحتواها، وأغلب تلك القرارات لا يمليها الهدف الإقناعي للرسالة فقط، ولكن تمليها أيضًا خصائص المتلقي، ومهارات القائم بالاتصال(7)، وهو جوهر الرؤية الأيديولوجية للمنتج الإعلامي.

وتأسيسًا على ما سبق يُحدِّد الكتاب أيديولوجيا الإعلام في خمسة أنواع: الأيديولوجيا التقنية (الوسيلة)، أيديولوجيا اللغة، أيديولوجيا النص، أيديولوجيا الصورة، أيديولوجيا الإعلان(8)؛ وهي تثير إشكالًا منهجيًّا يمكن توضيحه بعد استعراض المقصود منها:

1. أيديولوجيا الوسيلة:ترتكز الأيديولوجية التقنية على منح تقنيات الاتصال سلطة معيارية تجعلها العامل الأول في تنظيم المجتمع وإعطائه معناه، والتسليم بخضوع التقدُّم في التواصل الإنساني والاجتماعي لتقدم التقنيات، ومن ثم الاعتراف لتلك التقنيات بالقدرة على تغيير المجتمع تغييرًا بنيويًّا؛ ذلك أن البُعد الأيديولوجي للتقانة قد لا يتراءى في جانب الاستعمال، لكن يظهر جليًّا في جانب التوظيف؛ أي توظيف المستجد التكنولوجي لأغراض لا يغدو عنصر الاستعمال في خضمها إلا تجليًّا من تجليات تلك الأغراض.

2. أيديولوجيا اللغة:تكمن في المعنى الذي يحاول القائم بالاتصال إبلاغه للمستقبل عن طريق الرسالة الإعلامية التي تصل إلى الجمهور عبر اللغة الإعلامية التي تبني بدورها مفاهيم عن الأشخاص والأحداث والوقائع والقضايا التي يعيشونها أو يسمعون عنها، والتي تنقلها وسائل الإعلام. ولا شك أن اللغة الإعلامية التي تحمل هذه الأيديولوجيا إنما هي فعل القائم بالاتصال الذي يحاول إيصال المعنى (الأيديولوجيا) إلى الجمهور.

3. أيديولوجيا النص:قد تكون مباشِرة أو غير مباشرة، ولكنها تُمثِّل على المدى البعيد والتراكمي توجُّهًا أيديولوجيًّا يعكس القيم والأفكار والمعتقدات للقائم بالاتصال، أو المؤسسة الإعلامية، أو المجتمع الذي تُوجَّه إليه الرسالة الإعلامية. ويمكن الوقوف على أيديولوجيا النص في وسائل الإعلام من خلال الوقوف على طرق المعالجة للقضايا والأحداث السياسية والاجتماعية وغيرها، أو شخصيات الكتاب وضيوف الحوارات ومسارات الطرح التي يقدمها القائم بالاتصال في هذه الحوارات، أو معايير ما يُنشر وما لا يُنشر؛ لذلك "يتم إنتاج القصص الإخبارية، بشكل أساسي، عن طريق تقديم ما قد يكون وقائع مفتتة وغير محددة وكأنها أحداث متمايزة ومنفصلة، والاحتفاظ ببعض الوقائع واستبعاد أخرى، وترتيب علاقات معينة بين الأحداث التي تشيِّدها. إن صناعة الأنباء سيرورة تفسيرية تشييدية إلى حدٍّ بعيد، وليست مجرد نقل للوقائع.. وفي بعض الحالات يمكن البرهنة على أن المسلَّمات، وضروب الخطاب التي ترتبط بها، أيديولوجية، والمعاني المسلَّم بها ذات أهمية أيديولوجية كبيرة"(9).

4. أيديولوجيا الصورة:تعتبر الصورة مضمونًا تواصليًّا فعَّالًا وعنصرًا من عناصر التمثيل الثقافي البصري؛ إذ يمكن بواسطتها الوقوف على أهمية العالم البصري في إنتاج المعاني وتأسيس القيم الجمالية والإبقاء عليها، وكشف الديناميات النفسية الخاصة بعمليات المشاهدة والتلقي. ومن هنا، فإن للصورة قدرة احتلالية عميقة في التحوُّل إلى فكرة (أيديولوجيا)، ومن ثم تتحوَّل إلى هدف، والهدف إلى مشروع، والمشروع إلى رأي جماهيري عام، ومن ثم إلى سلوك بشري عن طريق الفضاء وشبكات التواصل الاجتماعي.

5. أيديولوجيا الإعلان:كما يؤثر الإعلان في ترويج السلع والخدمات، فإنه يُسهم في نشر القيم والاتجاهات الجديدة، ويدفع المتلقي إلى تقبُّل أفكار أو أشخاص أو منشآت مُعلَن عنها، كما يعمل على تغيير العادات والأذواق وسط مستقبليه. وحينما يستقبِل مجتمعٌ ما إعلانات تم إنتاجها من قِبَل ثقافة مغايرة لثقافته، فإن الإعلانات تحمل معها قيم ثقافتها، وقد تكون عاملًا من عوامل التغيُّر الاجتماعي. 
يبدو هذا التفصيل في أيديولوجيا الإعلام (وحتى شبكات التواصل الاجتماعي) مهمًّا من الناحية المنهجية؛ إذ يُقرِّبنا من آليات اشتغال أيديولوجيا الإعلام، لكن يكشف في الوقت نفسه أن مسألة "أيديولوجيا الوسيلة" لا يمكن أن تكون حاسمة في التأثير على الرأي العام معرفيًّا وعاطفيًّا وسلوكيًّا، كما لا ينبغي أن تأخذ حجمًا أو دورًا يتجاوز أهمية العناصر الأخرى. فقد تابعنا خلال مسارات التغيير التي عرفها المجال العربي حجم الدور الذي اضطلعت به شبكات التواصل الاجتماعي؛ فبالقدر الذي كان لها دور في مسارات تلك الأحداث كان هناك أيضًا مستخدمون لهذه الوسائل (المستخدمون الذين ينتجون المحتوى)، ومُسْتَقْبِلون لهذا المحتوى، ثم رجع الصدى، فضلًا عن السياقات الاجتماعية والثقافية والتاريخية للمضامين الإعلامية. ولعل مآلات بعض الحالات الثورية التي مكَّنت الثورة المضادة من الوصول إلى السلطة (نموذج الحالة المصرية) يؤكد محدودية هذه الوسائل وفاعليتها "في التغيير البنوي".

شبكات التواصل الاجتماعي وتشكيل الرأي العام الإلكتروني


ينطلق المؤلِّف في دراسة دور شبكات التواصل الاجتماعي واستراتيجياتها في تشكيل الرأي العام من أبنية نظرية إعلامية متعددة ومداخل مختلفة لتحديد التأثير الذي تُحدثه الشبكات الاجتماعية في المستخدمين، وتشمل هذه المداخل نظرية التسويق الاجتماعي التي تتناول كيفية ترويج الأفكار التي تعتنقها النخبة في المجتمع لتصبح ذات قيمة اجتماعية معترف بها. وتقوم وسائل الإعلام وفق هذه النظرية بإثارة وعي المستخدمين عن طريق الحملات الإعلامية التي تستهدف تكثيف المعرفة لتعديل السلوك بزيادة المعلومات المرسلة للتأثير على القطاعات المستهدفة من الجمهور، وتدعم الرسائل الإعلامية بالاتصالات الشخصية، وكذلك الاستمرار في عرض الرسائل في وسائل الاتصال، عندها يصبح الجمهور مُهْتَمًّا بتكوين صورة ذهنية عن طريق المعلومات والأفكار، وهنا تسعى الجهة القائمة بالاتصال إلى تكوين صورة ذهنية لربط الموضوع بمصالح الجمهور وتطلعاته.

ويرصد المؤلِّف أيضًا أهمية الثورة الاتصالية الكبرى والتكنولوجيا الجديدة لوسائل الإعلام الإلكترونية في ظهور فضاء عام اجتماعي جديد يخضع لمثالية الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، ويعتمد على أن يكون الرأي العام حرًّا في حركة المعلومات وتبادل الأفكار بين المواطنين. وتؤكد نظرية المجال العام على أن وسائل الإعلام الإلكترونية تخلق حالة من الجدل بين الجمهور تمنح تأثيرًا في القضايا العامة وتؤثِّر على الجهة الحاكمة. والمجال العام يمكن رؤيته كمجال حياتنا الاجتماعية الذي من خلاله يمكن تشكيل الرأي العام.. ولمواقع التواصل الاجتماعي دور في تحقيق الديمقراطية، فهي في حال المجال العام يُنظر إليها كمحيط سياسي.

وفي ذات السياق يمكن توظيف نظرية الاستخدامات والإشباعات لبيان دور شبكات التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام؛ وذلك بالنظر إلى الإشباعات التي تُقدِّمها شبكة الإنترنت لمستخدميها بأصنافها المختلفة (إشباعات المحتوى، وإشباعات الاتصال).

وتُعتبر الشبكات الاجتماعية أيضًا وسائلَ اتصال ثريَّة؛ لأنها استنادًا إلى نظرية ثراء وسائل الإعلام تمتلك قدرًا كبيرًا من المعلومات؛ فضلًا عن تنوُّع المضمون المقدَّم من خلالها، ومن ثم تستطيع هذه الوسائط التغلُّب على الغموض والشك الذي ينتاب الكثير من الأفراد عند التعرُّض لها.  كما أنها تتميز بسرعة رد الفعل، وقدرتها على نقل الإشارات المختلفة باستخدام تقنيات تكنولوجية حديثة، والتركيز الشخصي على الوسيلة، واستخدام اللغة الطبيعية.

ويحصل تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في الرأي العام من خلال ثلاثة مستويات مترابطة؛ تتمثل في المستوى العاطفي؛ حيث إن تزايد المجموعات عبر الشبكات يؤدي إلى إعادة صياغة العواطف والتأثير في الأذواق والاختيارات بناء على النموذج الـمُقدَّم في هذه المجموعات، ثم هناك المستوى المعرفي وهو مرتبط بالبُعد السابق، فالمجموعات أصبحت مصدرًا جديدًا من مصادر إنتاج القيم وتلقين المعارف (الأيديولوجيا) وتشكيل الوعي بالقضايا المختلفة. والمستوى الثالث هو البُعد السلوكي الذي يُعدُّ أعمق هذه المستويات ولاحقًا لها.

خاتمة
بالقدر الذي سعى فيه المؤلف إلى إبراز دور شبكات التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام وتأثيرها في رَسْمِ وتوجيه اهتمام المستخدمين نحو الموضوعات والقضايا التي تمثِّل أولوياتهم وفرض أجندة مُحدَّدة على المواطن والمثقف والسياسي؛ محاولًا المساعدة في كيفية التعامل مع هذه الوسائل وما قد يرد فيها من معلومات وأفكار وأيديولوجيات، لا تزال هناك حاجة إلى استقصاء تأثيرات شبكات التواصل الاجتماعي في الرأي العام الإلكتروني أساسًا واختبار أساليبها ودراسة طبيعة هذه التأثيرات ومتغيراتها، وهو ما لم يعالجه الكتاب لقياس فرضياته والتحقق من المنطلقات الـمُؤَسِّسة لأطروحته. وتكمن أهمية هذا الاستقصاء (ودراسة حالات متنوعة) في أن الأبحاث التي تتناول موضوع تأثيرات الشبكات الاجتماعية أصبحت تُسلِّم بشكل مطلق بدورها وقدرتها على إحداث التغيير بإعطائها بُعدًا حتميًّا في التحولات الجارية دون النظر إلى الرسالة والقيم التي تحملها (الأيديولوجيا) وسياقاتها المختلفة الاجتماعية والثقافية والتاريخية، والبحث في وضع المرسِل والمستقبِل والفاعلين في هذا التغيير. كما تتعقَّد دراسة هذا الموضوع أكثر عندما يكون المعنيُّ بالاستقصاء هو الرأي العام الإلكتروني في ظل الفجوة الرقمية التي يعرفها المجال العربي؛ ما يجعل الأمية الرقمية لا تمس الفئات المحرومة من التعليم فقط، وإنما تشمل أيضًا الفئات المتعلمة التي لا يمكنها الوصول أو النفاذ إلى الشبكات وتبادل المعلومات؛ فضلًا عن الطبيعة السائلة لهذا المصطلح (الرأي العام الإلكتروني) وصعوبة تحديده وضبطه.



معلومات عن الكتاب

العنوان:أيديولوجيا شبكات التواصل الاجتماعي وتشكيل الرأي العام

المؤلف:د.معتصم بابكر مصطفى

مراجعةد.محمد الراجي

الناشر:مركز التنوير المعرفي

تاريخ النشر: 2014

عدد الصفحات: 349

 

النقاط الساخنة: الأزمة المتصاعدة في أوروبا

الحواس تقية

 
 

مقدمة

يُعد تَوَجُّه البريطانيين إلى الاستفتاء على استمرارهم في "وضع رِجْلٍ داخل الاتحاد الأوروبي ورِجْل خارجه" مؤشرًا على أن عوامل الشك في جدوى العلاقة اتسعت عند قطاعات واسعة لم يعد السياسيون يستطيعون تجاهلها. ومهما كانت النتيجة فإن الحال لن تعود إلى سابق عهدها؛ لأن هذه القوى التي فقدت الإيمان بالاتحاد الأوروبي ستظل مؤثِّرة، وليس من المستبعد أن تعيد التصويت مجددًا إن فشلت هذه المرة، أو أن يضعها السياسيون مستقبلًا في اعتبارهم، سواء من خلال تقديم ترضيات لهم في برامجهم أو بفتح الأبواب لقيادات سياسية تجتذب قطاعات منهم. 

أمَّا أوروبيًّا، فإن التصويت البريطاني مهما كانت نتيجته سيعمِّق شكوك باقي الأوروبيين في البقاء معًا، ويُقدِّم ذخيرة إضافية لدعاة التخلي عن الاتحاد الأوروبي؛ لأنه في نظرهم لم يَفِ بوعود الأمن والرخاء التي وعد بها. 

هل يُعد تصويت البريطانيين حالة استثنائية لن يتسع إلى باقي الأوروبيين أم أنه مؤشر مُبكِّر عن القادم؟

وهل ستكون صدمة تعمِّق شروخ الاتحاد الأوروبي أم ستكون موقِظًا يشحذ هِمَمَ القيادات الأوروبية فتتعالى على أنانيتها الوطنية والسياسية وتسارع إلى استكمال النواقص التي جعلت البناء الأوروبي يترنَّح ويَهُمُّ بالسقوط؟

نقاط ساخنة

يساعد كتاب جورج فريدمان الأخير، "نقاط ساخنة: الأزمة المتصاعدة في أوروبا"، في مناقشة هذه الأسئلة التي تتعلق بمستقبل الاتحاد الأوروبي، لفهم العوامل والديناميات التي قد تحدد مساراته. والكاتب يُعدُّ من خبراء الجيوبوليتيك والاستشراف في الوقت الراهن، فهو مؤلِّف كتاب "مئة عام القادمة"، وكتاب "العشرية القادمة"، ومُؤَسِّس موقع ستراتفور للاستراتيجية والتوقع، وموقع مستقبلات الجيوبوليتيك. 

يذكر فريدمان أنه توقَّع انهيار المشروع الأوروبي في كتابه "مئة عام القادمة"، وأن كتابه الجديد هو بشكلٍ ما شرح مفصل لذلك التوقع، أمْلته أزمات الاتحاد الأوروبي الراهنة. ويمكن من زاوية أخرى اعتبار توقعات الكاتب بخصوص أوروبا هي تأكيد لتوقعات والده استنتجها من تجربته الخاصة لمّا كان يعيش في موطنه الأصلي، المجر، ويكافح أثناء الحرب العالمية الثانية ليحافظ على بقائه وبقاء عائلته اليهودية. 

يستفيض فريدمان في الربط بين مصيره ومصير عائلته بمصير أوروبا، فيرى أن الاقتتال بين الأوروبيين الذي بلغ أَوْجَهُ في محاولة هتلر توحيد أوروبا تحت نجمة النازية اضطرَّه وعائلته إلى الهجرة إلى أميركا، ثم بعد نهاية هذه الحرب، وتعافي أوروبا، طلب من والده مصاحبته لزيارة أوروبا، فَزَهِد أبوه في الدعوة؛ لأنه فقد الإيمان بها نهائيًّا، ولما ادَّعى جورج أن الأوضاع تغيرت، أجابه والده بأن الأوروبيين لن يتغيروا لكنهم يدَّعون ذلك فقط. 

الكتاب هو تقديم أدلة جيوبوليتيكية وتاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعية على صدق هذا الإحساس. 

توسع خارجي واقتتال داخلي

أوروبا، حسب الكاتب، ظلت تعاني في تاريخها من الاقتتال الداخلي الذي استنزف قوتها، ويرجع مصدره إلى استقلال مكوناتها، التي فشلت كل محاولات توحيدها بالقوة في الماضي، فعوامل الجغرافيا مثلًا أفشلت حملات نابليون بونابرت وهتلر في السيطرة على روسيا، وعوامل اللغة كانت المحرك الرئيسي الذي أنشأ الدول القومية الأوروبية وجعلها تتباهي باستقلالها عن بعضها. 

يركِّز الكاتب على القرنين التاسع عشر والعشرين؛ لأنهما يصوِّران بوضوح مفارقات أوروبا. يُعد القرن التاسع عشر تتويجًا لمحاولات أوروبا السيطرة على العالم، وقد نجحت بشكل غير مسبوق، فلقد تمكَّنت لأول مرة في تاريخ الإمبراطوريات من بسط سيطرتها على كل بقاع العالم، بل تعد مخترع العالم الحديث؛ لأنها ربطت بين زواياه، بينما كان في الماضي مناطق معزولة لا تعي وجود غيرها، وذلك بفضل اكتشافاتها التقنية مثل القطار الذي جعل التنقل أسهل وأسرع. 

مقابل هذا التوسع غير المسبوق، كانت أوروبا تعاني من الاقتتال الداخلي، فلقد اندلعت مع بداية القرن العشرين حرب الثلاثين سنة، من 1914 إلى 1945 إضافة إلى حروب صغيرة مثل الحرب الأهلية الروسية والإسبانية، فقضت على نحو 100 مليون أوروبي من 500 مليون هم إجمالي عدد الأوروبيين، ما جعل بعض المؤرِّخين يقولون: إن التاريخ لم يعرف قبل أوروبا هلاك إمبراطورية بتناحرها الداخلي دون أي تدخل خارجي. 

لم تنته الحرب العالمية الثانية في 1945، إلا وأوروبا التي كانت تحكم العالم صارت تحت حُكم القطبين، الاتحاد السوفيتي يسيطر على شرقها، والولايات المتحدة على غربها، ففقدت أهم صفة تُميِّز أية قوة سياسية ذات شأن في التاريخ، وهي السيادة في اتخاذ قرار الحرب والسلم، فلم تعد أوروبا تقرر أيًّا منهما بل بات القرار بشأنهما يُتخذ في موسكو وواشنطن. 

انتشر في الجزء الغربي خاصة من أوروبا قناعة بأن تلك المأساة لن تتكرر، فبادروا إلى تجنُّب خطأ إقصاء ألمانيا وإهانتها التي ارتكبوها بعد الحرب العالمية الأولى، فأدَّى بهم إلى الحرب العالمية الثانية، فعملوا هذه المرة على دمجها ضمن بناء أوروبي موحَّد يربط رخاءها وأمنها برخاء وأمن باقي أوروبا، وقد ساعد على نجاح هذا المسعى عاملان رئيسيان: 

اعتقاد أميركا أن مساعدة أوروبا الغربية على أن تكون واحدة وتنعم بالرخاء سيسدُّ المنافذ أمام محاولات الاتحاد السوفيتي توسيع سيطرته إلى المناطق الخاضعة للسيطرة الأميركية؛ فخصصت أميركا مشروع مارشال من أجل هذا الغرض، لتضرب عصفورين بحجر واحد، إعادة بناء أوروبا حتى تصمد في وجه الضغوط السوفيتية، وجعلها سوقًا للأموال والبضائع الأميركية تسهم في تنمية الاقتصاد الأميركي. وقد نجح المشروع، حيث حقَّق بشكل عام الأمن فلم يتقاتل الأوروبيون مجددًا، والرخاء فباتت أوروبا الاقتصاد الثاني عالميًّا. 

بلغ هذا النجاح مداه مع سقوط الاتحاد السوفيتي، فزال أكبر خطر على أمن أوروبا بل وبقائها؛ لأنه كان يهدِّد بمحوها من الوجود بالأسلحة النووية، لكنه وضعها في مأزق لا تزال تعاني من تناقضاته: هل تتوسع لتضم دول أوروبا الشرقية التي كانت خاضعة للاتحاد السوفيتي، أم تعطي الأولوية لتعميق العلاقات بين أعضائه السابقين؟

رجح خيار التوسع لعدد من الأسباب: موجة التفاؤل بالمستقبل التي عمَّت أوروبا مع زوال الاتحاد السوفيتي، وشوق قطاعات من أوروبا الشرقية إلى الالتحاق بأشقائهم في الجهة الغربية، ورغبة الولايات المتحدة في انتهاز الفرصة للتمدد إلى جوار روسيا حتى تقضي على أية عودة للإمبراطورية السوفيتية، ورغبة مقابِلة من دول أوروبا الشرقية بالالتحاق سريعًا بالمنظومة الغربية لمنع أية عودة للدب الروسي. وقد كانت اتفاقية ماستريخت على الوحدة النقدية الأوروبية تعبيرًا عن هذه التركيبة من مشاعر التفاؤل وضرورات الجيوبوليتيك، اعتقد مهندسوها أنها ستسرِّع عملية الاتحاد بينهم من خلال القضاء على حرب العملات التي جعلت بعض البلدان الأوروبية المهمة تخفض عملاتها حتى تكون سلعها أكثر تنافسية من جيرانها، فيزايد عليها جيرانها، فيصاب الجميع في نهاية الشوط بالخسارة؛ لأن علاقاتهم كانت صفرية، يعتقد كل منهم أنه لا يستطيع أن يربح إلا إذا خسر جاره، وأنهما لا يمكن أن يربحا معًا. 

زوال الأوهام

بدت وعود الاتحاد الأوروبي بتوفير السعادة ملموسة لأعداد متزايدة من الأوروبيين، إلى أن استفاقوا في 2008 على غزو روسيا لجورجيا وضمِّها الفعلي إن لم يكن القانوي لإقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، فأحسَّ الأوروبيون بأن التاريخ بمآسيه انطلق مجددًا، فلم يتمكنوا من نجدة جورجيا التي سعت إلى أن تحتمي بهم من الدب الروسي، ولم يتحرك الأميركيون إلى حماية بلد كان ينشد الالتحاق بالحلف الأطلسي، فنجحت روسيا في تحقيق هدفين: إقناع المترشحين للالتحاق بالمعسكر الغربي بأن ضماناته ليست موثوقة ولا يُعوَّل عليها، ونشر الخوف بين الأوروبيين بأن اعتمادهم على بعضهم لا يضمن أمنهم وأن الحرب التي ظنوا أنهم ودَّعوها إلى الأبد تدق أبوابهم. مهَّدت الحرب الجورجية للحرب الهجينة التي شنَّتها بعد ذلك روسيا على أوكرنيا حتى تمنعها من الالتحاق بالاتحاد الأوروبي أو الترشح للانضمام للحلف الأطلسي، فضمَّت إقليم القرم ودعمت عسكريًّا بشكل يكاد يكون علنيًّا الميليشيات المسلحة الانفصالية بشرق أوكرانيا. الحربان جعلا الأوروبيين يقتنعون أن المشروع الأوروبي ليس ضمانة كافية لتحقيق الأمن. 

في سنة 2008 أيضًا، انهار بنك ليمان براذرز نتيجة أزمة القروض عالية المخاطر التي انطلقت من أميركا، وانتشرت في النظام البنكي العالمي، فحاولت دول الاتحاد الأوروبي إنقاذ البنوك بشراء ديونها، فلم تتمكن دول مثل اليونان من تحمُّل أعباء الديون الجديدة مع أعبادء الديون القديمة التي أخفتْها عن شركائها، فباتت عاجزة عن الوفاء بديونها، وباتت معرَّضة للعجز عن السداد، فالتمست من شركائها الأوروبيين مساعدتها وإقراضها، فاشترطت دول أوروبا الكبرى، مثل ألمانيا، إجراءت تقشفية تجعل الدول العاجزة عن سداد الديون تقلِّل نفقاتها حتى تدَّخر لدفع ديونها، لكن الإجراءات التقشفية رفضتها قطاعات واسعة من اليونانيين لأنها تدفع بأعداد هائلة منهم إلى البطالة، وتحرمهم من خدمات ضرورية كانت الدولة تضمنها لهم مثل الصحة والتعليم، فانتخبوا أحزابًا ترى في الاتحاد الأوروبي عبئًا أخلف وعود الرفاه، ولم يعد إلا مشروعًا للحرمان والبطالة والفقر. وليست اليونان وحدها في هذا الخصوص، بل تشاركها دول أخرى ولكن بدرجات أقل مثل إسبانيا وإيطاليا. 

مسَّت الأزمة السورية ركيزة أخرى من ركائز الاتحاد الأوروبي، وهي حرية التنقل لمواطنيه بعد الاتفاق على حدود مشتركة في اتفاقية شنغن؛ حيث إن أعداد اللاجئين السوريين الغفيرة التي رحلت إلى أوروبا، أحدثت خصومات بين الدول الأوروبية وداخل الدول الأوروبية نفسها، فدول أوروبا الشرقية التي التحقت مؤخرًا بالاتحاد الأوروبي كانت الأعنف والأكثر تطرفًا في رفض استقبال اللاجئين، من دول أوروبا الغربية، خاصة ألمانيا، التي أسهمت عدَّة عوامل في ترحيب حكوماتها بهم، منها خوف الألمان من من تجدد اتهامهم بكُره الأجانب كما كانوا أثناء الفترة النازية، ورغبتهم الراهنة في الاستعانة بالمهاجرين لتعويض نقص قواهم البشرية التي أُصيب أكثرها بالشيخوخة. إلا أن الضغوط من داخل ألمانيا ومن جيرانها الأوروبيين اضطر المستشارة، أنجيلا ميركل، إلى التراجع عن ترحيبها بالمهاجرين والوعد بإعادتهم إلى بلادهم.

اختلاف الدول الأوروبية في كيفية التعامل مع المهاجرين واستغلال الأحزاب الشعبوية لهم في زيادة شعبيتها، وضع اتفاقية الحدود الأوروبية المشتركة محل تساؤل، وجعل النقاش حول التراجع عنها يحظى باهتمام متزايد في مختلف دوائر صناعة القرار. 

يمكن لذلك اعتبار سنة 2008 مفصلية في تاريخ المشروع الأوروبي؛ لأن هدفيه الرئيسيين: الأمن والرفاه، أصيبا إصابات بليغة، ثم شكَّكت أزمة اللاجئين في فائدة الحدود المشتركة؛ وبذلك أُصيب المشروع الأوروبي في أُسُسِه الرئيسية، ويوشك على الانهيار. 

هل تتمكن ألمانيا، أكبر الدول الأوروبية، من إنقاذ الاتحاد؟

المعضلة الألمانية

يجزم فريدمان بأنها لن تستطيع، فاقتصادها يقوم بالأساس على التصدير إلى أوروبا؛ لذا شجَّعت بلا شك الدول الأوروبية مثل اليونان على الاستدانة لشراء بضائعها، وأقامت في نفس الوقت نظامًا ضريبيًّا تحت غطاء الاتحاد الأوروبي يعاقِب كل استثمار منافِس لها في باقي الدول الأوروبية، فحكمت على الدول الأوروبية الصغيرة بدوام الاستدانة، وبالتالي الوقوع في أزمة العجز عن سداد الديون. ولما تلتمس هذ الدول من ألمانيا المساعدة من أزمة أسهمت في حدوثها تواجهها بالرفض. ومن المستحيل، حسب فريدمان، استمرار هذه العلاقة لأنها مجحفة بحق الدول الأوروبية الأخرى، وستدفعها إلى تفضيل الطلاق. 

بدائل أخرى

هذه عمومًا الأفكار التي بنى عليها جورج فريدمان توقع انهيار الاتحاد الأوروبي، إلا أن الانتقادات لا تُوجَّه بشكل رئيسي للوقائع التي يذكرها وإنما للمدلولات التي يستنبطها من هذا الوقائع والتقديرات التي يبنيها على أساسها. 

لما وقعت أزمة اليونان، توالت التوقعات بخروجها من منطقة اليورو، لكن قيادات الطرفين، اليوناني والأوروبي، تمكنت من تطوير أدواتها وإجراءاتها من أجل الحفاظ على العلاقة بينهما، فلم تخرج اليونان من الاتحاد لما كانت الأزمة في أشدها ومن المستبعد أن تخرج بعد أن طوَّر الاتحاد الأوروبي إجراءاته لمساعدتها. وإذا اعتبرنا اليونان أضعف البلدان الأوروبية، فحظوظ باقي الدول الأخرى بالبقاء أكبر. 

هناك عامل مهم يمنع الأوروبيين من العودة إلى الأنانيات الوطنية التي قضت على الملايين منهم في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وهو وجود الجيل الذي عايش تلك الحروب في صناعة القرار، فيقارن بين الأمن الذي نعمت به أوروبا بفضل مشروعها الوحدوي والحروب التي أهلكتها نتيجة أنانياتها الوطنية، ولن يترددوا في اختيار الوحدة رغم مشاكلها ومساوئها. 

يعاني السيناريو الذي يعتمده فريدمان من ثنائية لا تسمح بوجود تصميمات وسيطة، فهو يقارن بين الوحدة التامة أو الانهيار، بينما هناك من يصمِّم سيناريوهات أخرى، مثل إقامة اتحاد أوروبي بطوابق، تختلف العلاقات بينها لكنها تدفع كلها إلى الوحدة ولو على مراحل، وهناك من يعتقد أن بريطانيا التي تبدو الآن رصاصة الرحمة في البناء الأوروبي ستكون علاقاتها مع أوروبا النموذج الذي يُحتذى لباقي الدول الأوروبية، وهي علاقة تجمع بين مطلبي المحافظة على السيادة لكن مع إنشاء روابط تمنع التنافس القاتل مع باقي الأعضاء. 

وأخيرًا، لا يعطي فريدمان دورًا كبيرًا لأميركا في الحفاظ على البناء الأوروبي، مع أن أميركا معنية بشكل مباشر؛ لأن أوروبا ركيزة أساسية في الحلف الأطلسي، وجدار يمنع الدب الروسي من التمدد غربًا في المستقبل، وحليف مهم في التصدي للصين، وليس من المستبعد أن أميركا ستلعب دورًا فاعلًا مثلما لعبت في الماضي للحفاظ على الاتحاد الأوروبي لأن الحرب داخل أوروبا إن تجددت لن تبقى داخل حدودها فقط بل ستمتد ألسنة لهيبها إلى الضفة الأخرى من الأطلسي كما بيَّنت الحربان العالميتان. 

معلومات عن الكتاب

عنوان الكتاب:النقاط الساخنة: الأزمة المتصاعدة في أوروبا

المؤلف:جورج فريدمان

عرض:الحواس تقية - باحث بمركز الجزيرة للدراسات

دار النشر:راندوم  هاوس

سنة النشر: 2015

الصفحات: 209

القوى الإقليمية في الشرق الأوسط: إعادة التشكيل بعد الثورات العربية

مراجعة عمر الحسن - رئيس مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية- لندن

 
 
 

يُثرَى كتاب " القوى الإقليمية في الشرق الأوسط: إعادة التشكيل بعد الثورات العربية" القارئ بمعلومات حول شبكات القوى المؤثرة في المنطقة، ومدى تأثرها بالتغيرات الأخيرة المتمثلة في ثورات الربيع العربي، وذلك من خلال دراسة القضية من منظور الدول الخمس التي تحتفظ بلقب "قوة إقليمية"، وهي: إيران، ومصر، وتركيا، وإسرائيل، والمملكة العربية السعودية.

وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم القوة -ولاسيما القوة الإقليمية- قد تمت مناقشته مرارًا داخل الدوائر السياسية الدولية: كيف يمكن اكتساب هذه القوة؟ وماذا يعني اكتسابها؟ وكيف يمكن استخدام هذه المسؤولية أو الفرصة -إذا صَحَّ التعبير- الاستخدام الأمثل؟ هذا ما يحاول الكتاب توضيحه من خلال فصوله الخمسة التي تحتوي على أحد عشر مبحثًا، شارك في إعدادها مجموعة من الكُتَّاب والباحثين السياسيين.

ففي فصله الأول تطرق إلى قضية إيران ورسالتها الثورية من خلال النظر في أحوالها منذ عهد الشاه حتى عصرها الحالي، وما إذا كانت قد ربحت من ثورات "الربيع العربي" أو خسرت باندلاعها. ويستعرض الفصل الثاني انعكاسات فشل جماعة "الإخوان المسلمين" على مكانة مصر الإقليمية، والتدقيق في وضعها كمرجعية إقليمية للشرق الأوسط. واهتم الفصل الثالث بتحول وضع تركيا كقوة إقليمية في الشرق الأوسط قبل وبعد الثورات العربية، وإمكانية عودتها لعُمقها الثقافي والتاريخي في تلك المنطقة. وناقش الفصل الرابع وضع إسرائيل كقوة إقليمية جزئية في الشرق الأوسط وآفاقه وتحدياته. وتناول الفصل الخامس دور المملكة العربية السعودية واحتمالات تراجعه في المنطقة، وعلاقتها بالربيع العربي ومدى تأثرها به، وجهودها في الحفاظ على مكانتها كمنافس رئيسي على قيادة المنطقة.

يقول "مارتن بيك"، أستاذ دراسات الشرق الأوسط المعاصرة في جامعة هامبورج بألمانيا، في مقدمة الكتاب: إن منطقة الشرق الأوسط لم تفرز قوى إقليمية حرة، وإنما ظهرت تلك القوى نتيجة تأثيرات متداخلة ومعقدة لعوامل داخلية وخارجية، وإن أقوى اللاعبين السياسيين في الشرق الأوسط ليسوا أولئك الذين يعتبرونه بيتهم، ولكن أولئك الموجودون خلف المحيط الأطلنطي في الولايات المتحدة، وقبل ذلك القوى الاستعمارية كفرنسا وبريطانيا إبَّان الحرب العالمية الثانية.

وتعقيبًا على ذلك، يشار إلى أن مصطلح "الشرق الأوسط" قد صُكَّ حديثًا؛ حيث ظهر بعد الحرب العالمية الثانية وتكرَّس بوضوح بعد "حرب السويس" عام 1956. ويُقصَد به في الأدبيات السياسية والاستراتيجية تلك المنطقة الواقعة بين تخوم إيران في غرب آسيا وصولًا إلى الشمال الإفريقي، مع عمقها في الجزيرة العربية، وامتدادها شمالًا يكاد يحتوي الحدود التركية مع العالم العربي.

وكان ظهور النفط في الجزيرة العربية ومنطقة الخليج قد طرح معادلة جديدة زادت من الأطماع الأجنبية في تلك المنطقة ومحاولة احتوائها سياسيًّا واقتصاديًّا، فالولايات المتحدة الأميركية يسيطر عليها هدفان رئيسيان في الشرق الأوسط، هما: ضمان أمن إسرائيل، وحماية منابع النفط؛ لذا تركَّز الصراع الدولي والإقليمي بالمنطقة دائمًا على مسألتي الثروة العربية وقضية الصراع العربي-الإسرائيلي.

في المبحث الأول من الفصل الأول وعنوانه "إيران ورسالتها الثورية" رأى "هينر فورتيج"، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط بالمعهد الألماني للدراسات الدولية والإقليمية والأستاذ بقسم التاريخ بجامعة هامبورج بألمانيا، أن احتجاجات الربيع العربي أتاحت لإيران فرصة لتوسيع نفوذها في أنحاء المنطقة؛ حيث اعتبرتها امتدادًا لثورتها الإسلامية، وهي المزاعم التي وصفها "فورتيج" بأنها "بعيدة المنال"؛ نظرًا للبعد الزمني بين الحدثين، فضلًا عن الاختلاف الكبير بين التفكير الشيعي لإيران من جهة، وأيديولوجية الوحدة العربية السائدة بمصر والعراق من جهة أخرى، مضيفًا: "إن أكثر ما يأسف قادة إيران بشأنه هو فشلهم في كسب الإسلاميين في صفهم (في إشارة إلى جماعة "الإخوان المسلمين")، فهذا الفشل -إلى جانب معارضة دول الخليج- أفقدها فرصة نسبة الفضل إلى نفسها في اندلاع الاحتجاجات العربية".

وإلى جانب القوى الناعمة لفهم النفوذ الإيراني، حاول البروفيسور "آرشين أديب مجدم"، أستاذ الفكر والفلسفة بكلية لندن للاقتصاد، ورئيس معهد الشرق الأوسط للدراسات الإيرانية فيها؛ حاول في المبحث الثاني من الفصل نفسه إيجاد الصورة المثلى لإيران وسط "مجتمع الأمم"؛ إذ رصد مساعيها لترسيخ صورتها في النظام العالمي كشعب "أريان" الفارسي، ثم الاعتماد على أيديولوجيتها الإسلامية في محاولةٍ منها لتحديد مكانتها في العالم ونِسبة بعض الفضل إليها، وتساعد سياسات الهوية في فهم رؤية كل أمة لنفسها؛ ولكن تصور إيران عن المكانة الدولية الرفيعة طغى على واقع القوى الحقيقية للدولة ونفوذها. غير أن قدرات إيران العسكرية العالية، بالإضافة إلى قدرة من اكتسبتهم من حلفاء، على تشكيل مستقبل دول المنطقة والجوار الدولي، لم تدخل في اعتبار كل من "فورتيج" و"مجدم".

ومن وجهة نظرنا، تبرز إيران من بين الدول التي تُعد قوى إقليمية كواحدة من أكثر الدول إثارة للقلق، فدائمًا ما يدور جدل حول إمكانياتها النووية (زاد ذلك الآن أكثر من أي وقت مضى مع اقتراب مفاوضاتها مع مجموعة دول 5+1 من اتفاق نهائي)، ويدور جدل كذلك حول مدى النفوذ الذي اكتسبته منذ الثورة الإسلامية نتيجة الانتفاضات التي اجتاحت المنطقة خلال العقد الأخير، فامتد نفوذها إلى كل من لبنان، وبغداد، ودمشق، وأخيرًا صنعاء، كما تدَّعي أن تعزيز قوتها جاء لموقفٍ معادٍ من النظام الدولي الحالي.

وقد أكَّد ذلك كثير من المراقبين؛ منهم المفكر والدبلوماسي المصري "د. مصطفى الفقي" في مقال له بصحيفة "الحياة" 11 سبتمبر/أيلول 2012؛ حيث أشار إلى أن الثورة الإيرانية طرحت بُعدًا جديدًا من منظور استراتيجي إقليمي كانت له أبعاد دولية مؤثرة في سياسات الدول الكبرى والصراع العربي-الإسرائيلي، ولعب الملف النووي الإيراني دورًا في المواجهات الإقليمية والدولية في آخر عقدين ترتبت عليه سياسات إقليمية قامت على أساس الاستقطاب وتقسيم الشرق الأوسط.

وفي الفصل الثاني الذي جاء تحت عنوان: "مصر: مجد الماضي والمستقبل"، وبالمبحث الأول منه، رأى كل من "إليزابيث منير"، الباحثة في مركز دراسات العولمة والجهوية بجامعة ورِك، المملكة المتحدة، و"آنيت رانكو" الباحثة في المعهد الألماني للدراسات الدولية والإقليمية، وأستاذة الدراسات الإسلامية بجامعة هامبورج الألمانية، أنه منذ سبعينات القرن الماضي انخفض دور مصر كقوة إقليمية، ليس بسبب تحالفها مع الولايات المتحدة فحسب، بل أيضًا بسبب تحالفها الجديد مع إسرائيل الذي وضع نهاية للصراع، وهو ما لاقى استحسانًا وشعبية في العالم العربي، كما ادَّعت الباحثتان على عكس الحقيقة. وتَعتبر الباحثتان أن الإسلاميين من بين المناهضين لسياسات "مبارك"، التي وُصفت في ظل تحالفه مع إسرائيل بأنها "تحمي مصر والوطن العربي".

أمَّا "مصطفى اللباد"، رئيس مركز الشرق للدراسات الإقليمية والاستراتيجية بالقاهرة، ورئيس تحرير مجلة "شرق نامه" المتخصصة في الشؤون الإيرانية والتركية وآسيا الوسطى، فاعتبر في المبحث الثاني من الفصل نفسه أن فوز "الإخوان المسلمين" في انتخابات البرلمان لفترة وجيزة بعد نجاح ثورة 25 يناير/كانون الثاني، ومع رئاسة "د. محمد مرسي" والتي يرى الباحث أنها كانت سلبية، أدَّى ذلك إلى الإطاحة بـ"الإخوان المسلمين" في 30 يونيو/حزيران 2013.

ويرى الكاتب أن عدم تقبل جماعة "الإخوان المسلمين" في الحكم لم يكن بسبب رؤيتها السياسية فحسب، ولكن بسبب عدم قدرتها على إدخال المناخ الجديد لما بعد "الربيع العربي" إلى تلك الرؤية، وعدم تحقيق تقدم حقيقي في الحفاظ على مصالح مصر.

وتتبع "اللباد" علاقات مصر مع الدول الأربع الأخرى (إيران وتركيا وإسرائيل والسعودية)، وقام بتحديد سياستها وأنها تسير بالطبيعة نفسها على مدى الـ 30 عامًا الماضية، وهو ما قد أدَّى بدوره إلى تعزيز تحالفها مع الولايات المتحدة الأميركية. وفي تعليقه على ذلك، أشار "د. يزيد الصايغ" (مدير معهد كارنيجي في بيروت) في مقال نُشر على موقع المعهد في مارس/آذار 2015، إلى أن مصر تستعد للعب دور بارز خارج حدودها، لكنه رأى أن آمال البعض في أن تستأنف ذلك النوع من الزعامة الإقليمية الذي مارسته سابقًا في عهد الرئيس "جمال عبد الناصر" أو حتى "أنور السادات" ظنٌّ في غير محله، فصحيح أن التحدي الذي يواجه الأمن القومي المصري حقيقي، لكن نشاط السياسة الخارجية الحالي ينحو إلى أن يكون مظهرًا بلا مضمون، وأنه مسخَّر، جزئيًّا على الأقل، لتشتيت انتباه المتابعين في الخارج والداخل عن تزايد المتاعب الاجتماعية والاقتصادية والأمنية في الداخل المصري.

وأوضح "آندريه بنك"، الباحث في المعهد الألماني للدراسات الدولية والإقليمية في مدينة هامبورج الألمانية، و"روي كاراداغ"، الباحث في معهد الدراسات الثقافية الدولية بجامعة "بريمن" بألمانيا، في المبحث الأول من الفصل الثالث والذي جاء تحت عنوان: "تركيا والماضي العثماني"، أن علاقات تركيا داخل المنطقة معقدة بسبب تاريخها وأنها كانت مقرًّا للحكم العثماني، ويسارع الكثيرون إلى اتهام حكومة "العثمانيين الجدد" في تركيا بممارسة تأثير كبير في المنطقة، ولكن يبقى لها في المقابل أنها قد وفَّرت نموذجًا للديمقراطية تمثَّل في نجاح حزب "العدالة والتنمية" الذي قدَّم نموذجًا للحكومات والجماعات الإسلامية في المنطقة، فضلًا عن الوجود الإيجابي لتركيا في المنطقة، كما أكَّد الباحثان أن أنقرة كانت المرشح المحتمل لتولي القيادة الإقليمية بمنطقة الشرق الأوسط مع بداية الثورات العربية.

واستطرد الباحثان قائلين: إن تركيا في اعتمادها على مبدأ "القوة الناعمة" قوبلت بمعارضة شديدة، وثبت أنه من الصعب أن يكون لها تأثير حقيقي على الأحداث، لافتين النظر إلى تعاملها مع أزمة سوريا كمثال واضح على ذلك، ورؤيتها وردود أفعالها على احتجاجات المتظاهرين بميدان "تقسيم" في "إسطنبول" والصراع على السلطة مع حركة "كولن"، ولكن لا يزال لها دور وثِقل يوضع في الحسبان.

وعن احتمالات عودة تركيا إلى الشرق الأوسط، رأت "مليحة بينليا التونيشيك"، بروفيسورة في قسم العلاقات الدولية بجامعة الشرق الأوسط التقنية "ميدل إيست تكنيكال" بتركيا، في المبحث الثاني، أن تحول تركيا الاقتصادي والسياسي وكذلك المفاهيم والسياسات الرامية إلى بناء قوة إقليمية واضحة المعالم، جعلها تتوقع معاملتها كقوة إقليمية في أعقاب الانتفاضات العربية. ومع ذلك، فشلت في الاستفادة الكاملة من الفرص التي أُتيحت أمامها، ورغم أن ازدياد الصراعات في المنطقة شكَّل عاملًا مقيِّدًا لحركتها، إلا أنها أبقت اعتمادها على "القوة الناعمة" في الوصول إلى هدفها ولم تلجأ إلى الاعتماد على القوة الصارمة. وفي تقييمه لتلك النقطة، رأى الباحث "سالم حميد" في مقال له نُشر بصحيفة "الاتحاد" (1 مارس/آذار 2015)، أن تركيا تحاول استعادة الامبراطورية العثمانية، وأن هذا الحلم الذي خرج من مكامنه مع نظام "أردوغان" بات يهدد العالم العربي الذي لا يزال الأتراك يعتبرونه إرثًا عثمانيًّا، وأن الفارق الوحيد بين العثمانيين القدامى والعثمانيين الجدد هو أن الأوائل غزوا البلاد العربية بجنود "الانكشارية"، أمَّا العثمانيون الجدد فيريدون غزوها بجنود الإرهاب العالمي، حسب قول الباحث.

ولكون إسرائيل قد أُنشئت لتكون دولة يهودية، فقد أشار "روبرت كابل" باحث بالمعهد الألماني للدراسات الدولية والإقليمية بهامبورج في ألمانيا، في المبحث الأول من الفصل الرابع الذي جاء تحت عنوان: "إسرائيل: الفرص المخبوءة"، إلى أن وضع إسرائيل بالمنطقة غير مشابه للدول الأخرى، بل مميز ومتفرد عنها، والصراع الدائر مع الفلسطينيين يستمر في إعاقتها عن إقامة علاقات جيدة مع جيرانها في المنطقة، وأن قدرتها العسكرية الضخمة بجانب علاقاتها القوية مع النظام الدولي، وإن لم تعطها القدرة على صياغة الواقع كما ترجو، فهي تعطيها "قوة المنع" من صياغته وفق ما لا تريد.

علاوة على ذلك، فإن قوتها في المنطقة منقوصة بشكل كبير؛ فمكانتها كدولة ديمقراطية تمكِّنها من أداةٍ للقوة الناعمة في المنطقة، ومع ذلك فقد فشلت في أداء هذا الدور؛ نظرًا لعجز الأنظمة الديمقراطية الأخرى في المنطقة عن أداء دور مماثل كما يرى الباحث. فضلًا عن أن معظم الدول العربية ترى في إسرائيل تهديدًا لها، وهو ما يُضعف قدرتها على التأثير في الأحداث الجارية، وستحتاج إسرائيل إلى التقليل من التمسك بيهودية الدولة وتفعيل عملية السلام مع الفلسطينيين، لكسر الحواجز وممارسة دور أكبر في المنطقة.

وفي المبحث الثاني الذي تناول إسرائيل كقوة إقليمية منقوصة التأثير، ذهب "مارك آي. هيلر"، باحث أول بمعهد الدراسات الأمنية القومية بإسرائيل، إلى أبعد من ذلك؛ حيث يقول: إن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني تسبَّب في الحد من قدرتها على إظهار القوة والسلطة، وسمح للآخرين بمعارضتها، وربما تكون قادرة على بناء علاقات ثنائية مع دول أخرى، ولكن القضية ليست بتلك الصورة، فلن تكون قائدة حقيقية في المنطقة؛ نظرًا للاختلافات التاريخية والثقافية الكبيرة.

وفضلًا عن رأي الباحث، فقد أرجع كثير من الساسة العرب سبب أزمة هذه المنطقة وتوترها إلى وجود إسرائيل وأنها تهديد لأمن المنطقة وسلمها، ورغم أن هذا الصراع يحدث في منطقة جغرافية صغيرة نسبيًّا، إلا أنه يحظى باهتمام سياسي وإعلامي دولي كبير؛ لأنه يرتبط بقضايا إشكالية تتركز حول أحقية الحركة الصهيونية في الاستيلاء على أرض فلسطين وإقامة دولة قومية يهودية على أرضها بعد طرد سكانها الأصليين منها، أي إن طبيعة النزاع تتركز حول "القضية الفلسطينية".

ويوضح "توماس ريتشنر"، باحث بمعهد دراسات الشرق الأوسط بالمعهد الألماني للدراسات الدولية والإقليمية، في المبحث الأول من الفصل الخامس تحت عنوان: "المملكة العربية السعودية: ما هو أكثر من الدولارات النفطية" أن النشاط الجديد للقيادة السعودية بعد الربيع العربي كان لافتًا للنظر، مشيرًا إلى تصور صانعي السياسات السعودية للعديد من التهديدات الأمنية المختلفة، ورغم ذلك، فشلت المملكة في تقديم رؤية شاملة جديدة لمواجهة التهديدات بالشرق الأوسط.

وفي المبحث الثاني من الفصل نفسه، تحدَّث "سعود المساعد التمامي"، أستاذ مساعد بقسم العلوم السياسية بجامعة الملك" سعود" بالرياض، عن نهج السعودية تجاه انتفاضات الدول العربية، لافتًا إلى أن ردَّ فعلها تجاه الربيع العربي كان شديد التعقيد، وتَحدَّد بحاجتها إلى الحفاظ على الوضع الراهن في بعض القضايا، أو تغيير الوضع في قضايا أخرى.

أما "هينر فورتيج" محرر الكتاب، فقد أكَّد في المبحث الثالث أن السعودية كانت دائمًا منافسًا رئيسيًّا كزعيم وقائد بالمنطقة؛ نظرًا لسلطتها الدينية وتحكُّمها بالنفط، غير أنها فشلت في القيام بهذا الدور، ولم تتأثر بالانتفاضات التي وقعت في الدول العربية إلى حدٍّ كبير، بينما سعت ومعها دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى إلى ضم الأردن والمغرب إلى المنظومة الخليجية، في محاولة لتقوية ممالك المنطقة لمواجهة الانتفاضات.

وتعليقًا على ذلك، يقول "آندرو تيريل"، باحث في معهد الدراسات الاستراتيجية بكلية الحرب الأميركية، ديسمبر/كانون الأول 2011: نحن لا ننكر -ولا أحد يستطيع- أن الشرق الأوسط يمر الآن بحقبة تغيير ثورية تتحدى عمليًّا السياسات الخارجية للولايات المتحدة وكل الدول الإقليمية. وفي هذه البيئة الجديدة، نجد أن التحديات قد فرضت على عدد من الدول الإقليمية وغيرها حماية مصالحها الوطنية، ومحاولة تهميش محاولات منافسيها في الاتجاه ذاته.

إن أهم المنافسات التي تحدد المشهد الاستراتيجي للشرق الأوسط هي الحاصلة الآن بين إيران والسعودية؛ فصحيح أن التنافس بين هاتين الدولتين قديم، لكنه اكتسب أهمية كبيرة في الوقت الراهن، لاسيما مع المحاولات التي تقوم بها إيران لفرض نفسها كقوة إقليمية مؤثرة في المنطقة على حساب السعودية.

وعلى أية حال، ترجع سيناريوهات صعود أو هبوط قوة إقليمية في منطقتها إلى مجموعة من العناصر (مقومات ومعوقات) تحدد فرص كل دولة، تتمثل في قدرة الدولة على تحمل القيادة انطلاقًا من مقومات القوة التي تحوزها (قد تكون جغرافية، أو سياسية، أو عسكرية، أو اقتصادية)، ودرجة استقرارها السياسي والأمني، ورصيدها القيادي التاريخي ونفوذها الرمزي (الثقافي والديني)، وموقفها من القضايا المحورية في المنطقة (القضية الفلسطينية، حركات المقاومة الفاعلة إقليميًّا، الملف النووي الإيراني، الربيع العربي)، ومدى القبول الإقليمي بالدور القيادي لكل دولة، وأخيرًا علاقاتها مع بعض القوى الدولية الصاعدة كروسيا والصين.

إن القوى الإقليمية في الشرق الأوسط تخضع لمتغيرات وتحولات، فهي ليست ثابتة؛ فإيران -على سبيل المثال- كانت مجهدة بسبب المواجهة مع "عراق صدام"، وهي اليوم تعد نفسها قوة إقليمية غير قابلة للمقارنة بجيرانها، وكذلك كانت "مصر الناصرية" قوة إقليمية مؤثرة في ستينات وسبعينات القرن الماضي، لكن توارى دورها وخفت صوتها، والدولة التركية التي انشغلت لعقود عِدَّة في البناء الداخلي قد أطلَّت على الشرق الأوسط بدرجة عالية من الانفتاح، خصوصًا في العقد الأخير، وتريد إعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية، ولكن بعضوية "الأطلنطي" والتحالف مع "واشنطن" وتوازن العلاقة مع "إسرائيل".

وفي حين تبرز السعودية في الفترة الأخيرة كقوة محورية وفاعلة في المنطقة العربية، خاصة بعد الثورات العربية، تحولت إسرائيل من دولة لا ينتقدها أحد إلى محطِّ نقدٍ كبير من الدول والمنظمات الدولية في الفترة الأخيرة. ويعتبر الكاتب الصحفي "جورج فريدمان" (في مقال له نشرته جريدة الشروق المصرية 8 مارس/آذار 2015) أن المنافسة المباشرة بين طهران والرياض شكَّلت تهديدًا كبيرًا لأمن واستقرار الإقليم، مما يستلزم دورًا تركيًّا أكبر في المنطقة.

إذًا لا توجد موازين ثابتة للقوى في منطقة الشرق الأوسط، بل هي متغيرة وفقًا لتداخلات مع القوى الكبرى ولارتباط المنطقة بكيانات خارجية ذات تأثير واضح على المنطقة. وإذا كنَّا نقوم حاليًا بعملية رصد لموازين القوى الإقليمية، فإن كلًّا من: إيران وتركيا ومصر والسعودية وإسرائيل تمثل ركائز لقوى مؤثرة من النواحي السياسية والاقتصادية والعسكرية. فالأقاليم الجغرافية والمناطق الاستراتيجية تقبل التغير من وقت لآخر؛ ويجب أن نضع في اعتبارنا أن الشرق الأوسط منطقة تتوسط العالم، وتتميز بحساسيات كثيرة وتراثٍ عريق، فهي موطن الديانات السماوية، ومهبط الرسالات الروحية، ومنشأ الحضارات، فضلًا عما لحقها من مؤثرات خارجية وافدة إليها، لعل أهمها ميلاد دولة إسرائيل الذي كان العلامة الأبرز في تكوين الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن.

خلاصة القول: يمكن استنتاج أن النمط القيادي الأكثر ترجيحًا في المنطقة هو صعوبة بروز دولة بمفردها تهيمن على الشرق الأوسط بسبب عدم توافر أغلب مقومات القوة في دولة بعينها.

فالدكتور "علي الدين هلال"، عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الأسبق بجامعة القاهرة، يرى في كتابه "دراسة في العلاقات السياسية العربية"، الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، أنه إلى جانب عدم رغبة كل دولة في صعود دولة أخرى لقيادة المنطقة، إلا أن معوقات الواقع تحول دون استئثار دولة واحدة بدور القيادة، أضف إلى ذلك الدور الأميركي المانع لكل طموح مستقل، فليس من مصلحة الولايات المتحدة أن تظهر في الشرق الأوسط قوة مستقلة استراتيجيًّا عن المنطق الأميركي.

إن موقف الشرق الأوسط معقد على نحو لا يُصدَّق، فكونه يحتوي على أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، وفضلًا عن تداخلاته السياسية والتاريخية؛ جعله كل ذلك محطَّ اهتمام القوى الدولية.Top of Form

 
 

Bottom of Form

 

داعش وحلم الخلافة

صادق الطائي

أستضافت مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 29حزيران 2017 عالم الاجتماع العراقي فالح عبد الجبار في أمسية ثقافية تحدث فيها عن حلم الخلافة وتداعياته السياسية المعاصرة وصولا الى اعلان خلافة داعش من الجامع الكبير في الموصل.



الدكتورفالح عبد الجبار،عالم اجتماع عراقي، غادر العراق عام 1978. عمل أستاذا وباحثا في علم الاجتماع في جامعة لندن، مدرسة السياسة وعلم الاجتماع في كلية بيركبيرك والتي كان قد حصل فيها على شهادة الدكتوراه. وقد عمل سابقا محاضرا في جامعة ميتروبوليتان - لندن، متخصص بدراسة الفكر السياسي والاجتماعي في الشرق الاوسط ،تتناول اعماله الدين ،دور القانون ،الصراع الديني والمجتمع المدني ،يكتب بالانجليزية والعربية ومن مؤلفاته العربية (مابعد ماركس؟- 2010) ، (العمامة والافندي :سوسيولوجيا خطاب وحركات الاحتجاج الشيعي –نموذج العراق- 2009) ، (في الاحوال والاهوال : المنابع الاجتماعية والثقافية للعنف-2008)، ( الديمقراطية المستحيلة الديمقراطية الممكنة- نموذج العراق-1998)،(التوتاليتارية- 1998) ،(معالم العقلانية والخرافة في الفكر السياسي العربي -1992) ، اما كتبه الصادرة باللغة الانجليزية : الحركة الشيعية في العراق (2003)، القبائل والسلطة في الشرق الأوسط (2002)، آيات الله والصوفيون والأيديولوجيون (2002)اما على صعيد الترجمة ،فله ترجمات يقف في مقدمتها ترجمته لكتاب رأس المال لماركس بثلاثة مجلدات.

الخلافة من رشيد رضا الى البغدادي

 يوم اعتلى البغدادي بعمامته وجبته السوداوين، المنبر في الجامع الكبير بمدينة الموصل في 29  حزيران 2014، بعد شهر واحد من السقوط المدوي للمدينة، لم يخطر في باله انه يحقق امنية دعا اليها الداعية الاسلامي محمد رشيد رضا (ت أب-اغسطس 1935) في معمعان الصراع السياسي الدائر بين بعض ملوك العرب لاغتنام منصب الخلافة بعد قرار كمال اتاتورك بالغائها عام 1924. بالحرف الواحد يقترح رضا:

 " اعلان الخلافة في الموصل لانها منطقة وسط بين العرب و الاتراك، الموصل المتنازع عليها بين العراق والاناضول و سوريا، و يكثر فيها العرب و الترك و الكرد"

 الخلافة في الفكر و التفكير الاسلامي المعاصر رمز تاريخ تليد مضيع و يوتوبيا بناء تاريخ مجيد قادم. انها الماضي والمستقبل في اتحاد مكين.

الخلافة والدولة

علة طلب الخلافة هي استعادة الدولة، واستعادة هذه الاخيرة شرط اساس لاستعادة الاسلام نفسه. من هنا تلازم فكرة الخلافة مع فكرة الدولة و تلازم هذه الاخيرة مع مطلب الاسلمة. لكن التنفيذ الآني لم يكن وليد الفكرة القديمة فحسب، بل نتاج مسار السلفية العراقية نفسها، نتاج الدخول العام للكادر العسكر-التكنوقراطي من الحقبة البعثية، الذي وجد في هذه الفكرة ملاذا، و منقذا من "الضلال" و الاهم من الانحسار و النسيان.



الخلافة مكون من مكونات الايديولوجيا الاسلامية سافر او مضمر، وهو اساسي  راهن عند البعض ومرجأ عند البعض الآخر. الحلم بعودة الخلافة في الجناح السني او عودة المهدي في الجناح الشيعي فكرة قديمة وحلم متكرر، ينبجس احياناعلى حين غرة، خارجا من اسر العقائد والعبادات ليطغى على ميدان السياسة اليومية المباشرة، كما لو ان هذا الدخول يأتي احيانا من ثنايا العدم. 

الواقع ان هذا الموروث الدفين في التراث الديني ما قبل الاسلامي، و المستمر بعده، هو واحد من السمات المشتركة بين كثرة من العقائد.

 فكرة (المخلص-المنقذ) و عودته في آخر الزمان او قبيل آخره تنتمي، شأن فكرة عودة الخلافة، الى النسيج الميثولوجي الماثل بقوة الى جوار الثقافة الدينية-الابجدية في الماضي، و كلاهما متعايشان الى جوار الثقافة الوضعية منذ اطلالة القرن العشرين. 

التجليات الاساسية للفكرة

لعل ما يمنع التقاط التجليات السياسية لهذه الفكرة ان حقل المعرفة وتداول المعلومات وحرية البحث ناهيك عن حرية الجدل، حقل شبه مغلق او لا حراك فيه. 

فكرة استعادة الخلافة اخذت تتواتر منذ مطلع القرن العشرين بصيغ شتى و في ظروف متباينة و لأغراض متعارضة اثباتا او نفيا. هناك محطات رئيسية ينبغي المرور عليها: لعل الاسم الابرز الاول في القرن العشرين هو عبد الرحمن الكواكبي (ت 1902) وكتابه : أم القرى(1900)، يليه رشيد رضا (ت 1935)، كتاب الخلافة (مجلة المنار – 1932-24 مصر) ثم يليه علي عبد الرازق (ت 1967): الاسلام و اصول الحكم،(1924) و تقي الدين النبهاني (ت 1979)- حزب التحرير،(1953 كتاب نظام الحكم في الاسلام-)، و حركة جهيمان العتيبي (السعودية بدأت 1974 وانتهت بتمرد الحرم المكي 1979)، و بن لادن (1980) و اخيرا ثنائي ابو عمر البغدادي (2006العراق) و ابو بكر البغدادي (العراق-سوريا2014). نقول ان هذه محطات رئيسية و ليست كل المحطات مفصلة تفصيلا، و ما نعرضه هنا ان هو الا خيط عام تطوري لهذه الفكرة التي تهجع و لا تنام.

هل انتهى حلم الخلافة

هل يمكن القول: إننا الآن نعيش حالة ما بعد «داعش»؟ سؤال الأسئلة هذه الأيام بعد الهزائم المتلاحقة للتنظيم في مناطق التوتر بالعراق وسوريا بعد أن أعلنت الحكومة العراقية ولو بشكل استباقي إلى حد الآن نهاية التنظيم بعد هزيمته في الموصل وفرار عدد من قيادييه والأنباء المتضاربة بشأن خليفته المزعوم أبو بكر البغدادي. الإجابة عن هذا السؤال تفترض أسئلة أخرى لمحاولة فهم ما يحدث تبدأ بمعنى الهزيمة وطبيعة التنظيمات الإرهابية التي لطالما فاجأتنا منذ مرحلة أفغانستان ونشأة «القاعدة» ثم تحولها إلى تيار معولم وصولاً إلى ظاهرة «داعش» وتشظياتها لتتجاوز المسميات إلى الفكرة الأساسية وهي بقاء فعالية القتال المسلح بشعارات دينية وطائفية ضد الغرب تارة وضد الأنظمة مرة أخرى وضد نفسها.

من هنا تبدو معيارية الانتصار على جيوب إرهابية لهذا التنظيم أو ذاك يجب ألا تجعلنا نتسرع في الاغتباط بإعلان نهاية تنظيمات إرهابية أخبرنا الواقع منذ نشأتها الحديثة أنها قادرة على تجديد نفسها، وأنها وإن قمعت على الأرض؛ ما زالت فاعلة على مستوى أدواتها الإعلامية ومخرجاتها التعبوية على الإنترنت.

اليوم تشتغل التنظيمات الإرهابية على استراتيجية جديدة وهي فك الارتباط عن مناطق التوتر والانتعاش في مناطق لا يفكر فيها كعودة «القاعدة» و«داعش» إلى اليمن وانتشار الأخيرة في القارة الهندية والصومال وشمال أفريقيا ودول أميركا اللاتينية، ويمكن العودة إلى آخر إصدار من نشرة «النبأ» الصادرة عن ديوان الإعلام المركزي لـ«داعش» قبل أيام، لنلحظ انتقال الاستراتيجية الإعلامية في تغطية أحداث الولايات التابعة للخلافة المزعومة في مناطق التوتر إلى الحديث عن قيادات وتراجم لأسماء وأعلام في مناطق جديدة وهو ما يعني إيصال رسالة واضحة مفادها أن الهزيمة في مناطق التوتر ليست سوى خسارة الخلافة على الأرض، وإعادة تدشينها افتراضياً على مواقع الإنترنت وعبر الولاء العابر للحدود مسنودة بماكينة إعلامية ضخمة تنتج التقارير والمجلات والفيديوهات حتى بلغات غير حيّة لتأكيد انتشارها أمام خصومها وبهدف المزيد من عملية الاستقطاب والتجنيد، بالطبع والحديث هنا عن بقاء وضخ مجموعات وقيادات وكوادر فاعلة للتنظيم، أما الحديث عن الفكرة وبقائها فهو متصل بظروف وسياقات فكرية واجتماعية ما زالت عوامل إنتاجها أكبر بكثير من كل الفعاليات المضادة رغم الجهود الدولية الجماعية والفريدة لمكافحة الظاهرة.

مناقشة ظاهرة الطلاق بين افراد الجالية لعراقية بلندن في مؤسسة الحوار الانساني

صادق الطائي

أستضافت مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 13 ايلول/سبتمبر الجاري الاستاذة القاضية لميعة الظاهر في أمسية ثقافية تحدثت فيها عن ظاهرة الطلاق بين افراد الجالية العراقية بلندن ،كونها عضوة لجنة الاسرة بلندن ،وهي لجنة تعمل بالتعاون مع المراكز الاسلامية بلندن للمساعدة في حل مشكلات أسر الجاليات العربية والاسلامية ومنها الجالية العراقية وتحديدا مشاكل الطلاق ،وتشتمل هذه اللجنة بالاضافة الى الاستاذة لميعة الظاهر بوصفها قاضية ،باحث اجتماعي واخصائي نفسي وعالم دين لدراسة المشكلة من كل جوانبها ومحاولة وضع الحلول لها.

المقدمة

ابتدأت الاستاذة الظاهر حديثها بقراءة اية من سورة النساء بقولها " بسم الله الرحمن الرحيم .وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًاالاية 35 من سورة النساء ، وبينت بقولها؛ ان الله جل جلاله يأمرنا في هذه الاية ان نختار افرادا حكماء من اهل الزوج واهل الزوجة ليتناقشوا وليساعدوا الزوجين في حل مشكلة حدثت بين الزوجين ،وبما ان افراد الجالية العراقية في المهجر بلندن عادة ما يكونون بعيدين عن اسرهم الاصلية ،ارتأت بعض المراكز الاسلامية ان تقوم بتشكيل اللجنة التي اتشرف بعضويتها لنقوم بهذا الدور .

أبغض الحلال

انتقلت السيدة لميعة الظاهر الى جوهر المحاضرة وهي مشكلة الطلاق معرجة على الجانب الفقهي من الموضوع حيث تناولت الاراء الفقهية الاسلامية في مسألة الطلاق ،وذكرت ان الاسلام احل الطلاق درءا للمفاسد ،مع الاعتراف بانه شيء بغيض بل هو (ابغضالحلال عند الله) وانه يدخل الاسرة في واقع مؤلم ،لكنه طريقة علاج اشبه بطريقة البتر التي يلجأ لها الجراح عندما يفسد عضو في الجسم ،فانه يبتره حفاظا على صحة باقي اعضاء الجسم ،وذكرت الظاهر ان لجنة الاسرة بلندن تعاني من زخم حالات الطلاق التي ازدادت بشكل ملحوظ مؤخرا وذلك لاسباب عديدة سنأتي على توضيحها لاحقا، وذكرت انهم يتدارسون 12  15 حالة طلاق في الشهر،وبحسب سجلات اللجنة فانهم يوفقون في رأب صدع العلاقة في حوالي 20 % من الحالات بينما يفشلون في 80% منها وعندها يقع الطلاق بين الزوجين ،لكن اللجنة تسعى حتى في هذه الحالات لان يكون طلاقا متحضرا دون تبعات واثار عنيفة قد تقع على الزوجة او الاطفال ،اي ان تتم حالات الطلاق باقل الخسائر الممكنة.

انواع الطلاق

وبينت السيدة لميعة الظاهر ،ان الطلاق في الفقه والقانون الاسلامي يقسم الى قسمين رئيسين هما :

  • الطلاق الرجعي :وهو عندما يكون للزوج الحق في إرجاع زوجته المطلّقة إليه مادامت في العدّة، من دون عقدٍ جديد، ولا مهر جديد. 

  • الطلاق البائن :وهو ما ليس للزّوج بعده الحق بالرّجوع إلى الزّوجة إلاّ بعقد جديد

ومن اقسام الطلاق البائن ما يسمّي بالطلاق الخلعي ويقصد به الطلاق بفدية من الزّوجة الكارهة لزوجها إلى حدّ يحملها على تهديد زوجها بعدم رعاية حقوق الزّوجية، وعدم إقامة حدود الله فيه، ولكن من دون أن يكرهها هو. فإذا قالت الزّوجة لزوجها: (بذلت لك مهري على أن تخلعني) وقال الزّوج بعد ذلك بلغة عربيّة صحيحة وبحضور شاهدين عدلين (زوجتي ـويذكر اسمهاـ خالعتها على ما بذلت) أو يقول (فلانة طالق على كذا) فاذا قال ذلك فقد طلّقها طلاقاً خلعياً. ولا يجب ذكر اسم الزوجة هنا إذا كانت معيّنة. ويجوز أن يكون مال الخلع المبذول للزوج غير المهر. كما يحق للزوجة والزوج أن يوكلا من يقوم مقامهما في بذل المهر أو غيره في الطلاق الخلعي، وفي سورة البقرة الاية229  تفصيل الامر في قوله تعالى  (بسم الله الرحمن الرحيم. الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)

وهنا ذكرت الاستاذة لميعة الظاهر حالة درستها لجنة الاسرة ،وهي حالة شخص جلب زوجته من العراق الى لندن ،وحدثت بينهما مشاكل فطلقها الزوج ،واخرجها من البيت ،وهو جاهل بتفاصيل فقهية كثيرة او اعتقد بحرمة ان يكونا هو وزجته تحت سقف واحد طوال فترة العدة ،وعندما اخبرناه ان الفقه يقول بعكس ذلك (بسم الله الرحمن الرحيم .يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) سورة الطلاق ، اي ان المرأة المطلقة طلقة رجعية تبقى في بيتها مع زوجها دون علاقة جسدية على امل ان يهدأ كل منهما وتعود علاقتهم بعد حل الخلافات بهدوء وعندها ومن لمسة يد تعتبر العلاقة قد عادت دون الحاجة الى عقد جديد.

اما في حالة الطلاق البائن بينونة كبرى ،اي الطلاق النهائي الذي وقع بعد الدخول بالزوجة ووقوع الطلاق وانتهاء فترة العدة فان الزوجة تصبح محرمة عليه ،حتى تنهي عدتها وتتزوج بشخص اخر ويدخل بها ،فاذا وقع الطلاق بينها وبين الزوج الثاني ،فان من حق الزوج الاول التزوج بها بعقد جديد ،وليس كما يصوره البعض بان الامر زواج صوري بما يسمى (محلل) لتعود الى زوجها ،لان ذلك من المحرمات. وتفصيل الامر جاء في سورة البقرة الاية 230 ( بسم الله الرحمن الرحيم .فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ).

المشاكل الاجتماعية وحدوث للطلاق

تناولت الاستاذة لميعة الظاهر بالحديث المشاكل التي تحدث بين الازواج وقد تؤدي الى الطلاق ،واشارت الى ان كل من الزوج والزوجة يجب ان يعرفا حقوقهما وواجباتهما ،فاذا التزم كل طرف فان حياتهما ستكون مستقرة وان الاسرة ستحضى بحياة قائمة على اسس صحية، ومن حقوق الزوج ،حق القيمومة وحق الطاعة بما امر الله وحق صون السر والعرض والمحافظة على خصوصية حياة الزوجة مع زوجها،وتفصيل ذلك جاء في الاية 34 من سورة النساء (بسم الله الرحمن الرحيم .الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ۚ)

اما حقوق الزوجة ،فقد فصلتها الاستاذة الظاهر بالقول ان للزوجة حق النفقة شرعا ،اي ان يعيل الزوج زوجته واولاده حتى ان كانت المرأة ذات مال او حالة مادية تمكنها من الانفاق على نفسها واولادها، كما ان لها حقوقا جسدية تتمثل بالمعاملة الحسنة واقامة العلاقة الجنسية وعدم الانقطاع عن ذلك الا لاسبابقهرية،فاذا حدث ذلك لمدة حددتها احكام الفقه المختلفة ،فان من حق الزوجة اللجوء للقضاء لايقاع الطلاق من زوجها لانه امتنع عن اقامة العلاقة الجنسية معها ،وبين الله تعالى حقوق الزوجة في محكم كتابه في سورة الطلاق الاية 6 و 7 ( بسم الله الرحمن الرحيم . أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ۚ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۖ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ ۖ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ (6) لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) اي ان الرجل ملزم حتى بدفع أجر للزوجة على ارضاع وليدها ،وهذا من تكريم الاسلام للمرأة ومنع تجني الزوج في علاقته بزوجته.

اسباب الطلاق

اشارت القاضية لميعة الظاهر في معرض حديثها عن اسباب الطلاق من خلال ما شهدته في الحالات التي مرت عليها في لجنة الاسرة بلندن ، ان احد اهم اسباب الطلاق هو الاختيار الخاطيء للزوج او الزوجة ،فنحن نعيش اليوم في ظل مجتمعات طغت عليها الاحكام المادية مع تراجع واضح للقيم الاخلاقية والاجتماعية القائمة على التواد والتراحم والتواصل ،فنحن نرى نمط علاقات الشباب ببعضهم تقوم على اساس قيم الجمال والاندهاش بالمظاهر او على اسس الحالة المالية للزوج او الزوجة ،بينما يجب ان يكون للتفاهم والتقارب الفكري حصة كبيرة في اختيار شريك الحياة ،وان لاسرتي الشاب والفتاة دور مهم في مساعدة ابنائهم في اختيار شركاء حياتهم ،وانا أعلم مدى استقلالية الجيل الجديد في هذا الامر ،الا ان نصيحة الاهل لها دور مهم في مساعدة الابناء خصوصا اذا كانت نابعة من حكمتهم ومن حرصهم على مصالح ابنائهم لا من مصالحهم المادية مثلا التي قد يحكمونها للزج بابنتهم في زواج مصيره الفشل.

واشارت السيدة الظاهر الى اهمية أطالة فترة الخطوبة ليتسنى للشاب والفتاة التعرف على بعض بشكل اكبر قبل ان يرتبطوا بزواج مستعجل قد ينتهي بالفشل،كما لاحظت الاستاذة الظاهر ان اهمال الزوجة والاولاد اصبح ظاهرة منتشرة بين شباب الجالية بلندن وعزت الامر الى تطور التقنيات الحديثة مثل الحواسيب الشخصية والهواتف الذكية التي اصبحت نقمة على الحياة الاجتماعية للاسرة ،وقد تبين ان العديد من الشباب يدخلون في علاقات خارج اطار الزواج نتيجة سهولة العلاقات في وسائط التواصل الاجتماعي وغيرها من غرف الدردشة . كما ان المشاكل المادية التي تضغط بشكل كبير على الاسر في المهجر كان لها دورها في تنامي حالات الطلاق ،وبشكل خاص اذا تزامنت مع بخل الزوج وامكانية لجوء المرأة للمحاكم البريطانية التي تنحاز بشكل واضح للمرأة وبالتالي ستمكنها من الحصول على مورد دخل ومسكن وتأمن حياتها بسهولة بمعزل عن الزوج مما يؤدي بالنساء وبشكل خاص محدودات الوعي الى استسهال حالة الطلاق.

 كما ان هنالك ظاهرة المشاكل الجنسية في المهجر،حيث تعتبر ظاهرة ظاغطة على حياة الاسر وبشكل خاص على المرأة المسلمة التي لا تستطيع ان تلبي حاجات الشاب المتطلع الى مختلف القنوات الاباحية او حتى ما يشاهده في الشارع في الحياة اليومية ، مما يزيد المشاكل ويؤدي الى الطلاق مع غياب الوعي بالمشاكل التي ستتحملها الاسرة وخصوصا الاولاد من ذلك.

وان اختلاف طبيعة المجتمع ونمط العلاقات الاجتماعية ومنظومة القيم والاخلاق كلها تؤدي الى ازدياد الضغط على الاسرة العربية المسلمة في المهجر ومنها الاسر العراقية ،كما ان بعض الاسر تلجأ الى الاحتيال على مؤسسات الدولية بايقاع طلاق شكلي للحصول على معونة اجتماعية اكبر اوسكن اضافي ،لكن في الكثير من الحالات لاحظنا ان الامر يتطور ليصبح طلاقا فعليا ،كما ان ضغوط لاسر على ابنائهم وتدخلهم المفرط في مشاكل الازواج الجدد يتسبب كثيرا بوقوع حالات طلاق ،وخصوصا اذا تزامن الامر مع بوادر الغيرة والشك في مجتمع منفتح تعيش فيه الاسرة.

اعمال اللجنة

بينت الاستاذة لميعة الظاهر بالقول؛بعد ان اطلعتم على تفاصيل عامة عن موضوع الطلاق ومشاكله بين افراد الجالية العراقية بلندن ،احب ان اعرج على طبيعة عمل لجنة الاسرة ،حيث نحاول تقريب وجهات النظر بين طرفي الخلاف (الزوج والزوجة) وننجح في بعض الحالات لكننا وللاسف نفشل في حلات كثيرة اخرى،ونحن نؤدي عملنا الذي يشمل نصح الزوج بالتأقلم مع المحيط واصلاح ذات البين مع زوجته ،وننصح الزوجة بأن لا تفقد هويتها وتتخبط في متاهة الغرب التي قد تجرها الى اتون مشاكل لاتحمد عقباها ،وعندما تلجأ المرأة للمحاكم الوضعية البريطانية قد تحصل على مبتغاها بسرعة بالتخلص من الزوج ،لكنها قد تدخل اسرتها اولادها في دوامات مشاكل كبير ة نسعى من خلال عمل لجنتنا ان نجنب اسر الجالية مشاكلها.

 
 
 

حال صناعة النفط  في العراق

صادق الطائي

ضيفت مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 30 آب 2017 الدكتور حسين الربيعي في امسية ثقافية تحدث فيها عن صناعة النفط في العراقي مقدما لمحة تاريخية عن صناعة النفط في العراق ،ما هو حجم احتياطي النفط العراقي. عقود النفط: تأثيرها الحالي والمستقبلي على الاقتصاد العراقي .وما هي البدائل.

حصل الدكتور حسين الربيعي على شهادة البكالوريوس ودرجة الماجستير والدكتوراه في ميكانيكا الصخور وهندسة الحفرمن جامعة ليدز في انكلترا. وله اكثر من 36 عاما من الخبرة المتواصلة في صناعة النفط. وقد عمل في عدة لجان ومؤتمرات في جميع أنحاء العالم وكان سكرتيرا ثم رئيسا لجمعية هندسة الحفر في أوروبا. عمل د. حسين الربيعي في عدد من شركات النفط مثل شركة بريتيش غاز ، وشركة أدكو في  الامارات العربية المتحدة، وشركة أرامكو في المملكة العربية السعودية والعديد من الشركات الاخرى كخبير استشاري .

المقدمة

بين د. الربيعي في بداية محاضرته انه سيتناول المحاور التالية بالتبيان ،وانه سيقف عند بعض المحاور ويقدم شرحا وافيا لها بينما سيمر بشكل سريع على بعض النقاط التي يعتقد انها بحثت او باتت معروفة من المتلقي العادي،ومحاور المحاضرة هي :

  • لمحة تاريخية عن صناعة النفط في العراق
  • حقول النفط العراقية
  • حقول الحدود والمشاكل
  • احتياطيات النفط العراقية: ماذا تعني؟
  • أهمية النفط العراقي للعالم
  • أوبك، وإنتاج النفط العراقي
  • حرق الغاز وفقدان الإيرادات
  • عقود النفط: أربع جولات
  • عقود النفط: تأثيرها الحالي والمستقبلي على الاقتصاد العراقي
  • ما هي البدائل؟
  • أسئلة من الشعب العراقي.
  • شركة النفط الوطنية العراقية؟

رحلة سريعة عبر تاريخ النفط العراقي من 1920 حتى 2017

وذكر د. حسين الربيعي انه سيقدم رحلة سريعة بتواريخ السنين للنفط العراقي وكما يلي :

-       1923 أول اكتشاف لحقول النفط في منطقة نفط خانا

-       1939-1945 الحرب العالمية الثانية: توقف الاستكشاف لأن العراق كان محمية بريطانية

-       1948 اكتشاف حقل الزبير

-       1953 اكتشاف حقل الرميلة

-       1958 الإطاحة بالملكية وإقامة الدولة الجمهورية

-       1960 القانون رقم 80

-       1961: تنفيذ القانون المذكور أعلاه وتعليق أنشطة الاستكشاف في التصنيف الدولي للبراءات. وقد أدخل القانون 80 الحد من التنقيب عن النفط في العراق إلى شركة النفط الوطنية العراقية فقط.

v1972 تأميم النفط العراقي: توقف التعاون  والدعم التكنولوجي مع الشركات الغربية العملاقة.

-       1973 الحرب العربية الإسرائيلية: توقف إنتاج النفط العراقي مؤقتا

-       1980 -1988: العراق  يخوض حربا ضد ايران ، توقف إنتاج النفط بسبب الحرب ، ويخفض الاستثمار في صناعة النفط إلى حد كبير. تنفيذ محدود جدا في عمليات الحفر والاستكشاف .

-       1990 (2 أغسطس) العراق يغزو الكويت، توقف إنتاج النفط.

-       1991-1996 العقوبات الاقتصادية الدولية على العراق تشل صناعة النفط العراقي وتصديره

-       1996-2003: برنامج النفط مقابل الغذاء الذي يسمح ببيع حوالي 2 مليون برميل

-       2002 (نيسان): العراق يوقف صادراته النفطية لمدة شهر لدعم الانتفاضة الفلسطينية.

-       2003 الولايات المتحدة الأمريكية تغزو العراق، توقف إنتاج النفط

-       2004-2008: استعادة إنتاج النفط بمعدل 1.8 مليون برميل يوميا

-       2009-2012: جميع حقول النفط العراقية الرئيسية الحالية تمنح للشركات الأجنبية من خلال عقود النفط.

خلفية تقنية

وهنا قدم د.حسين الربيعي معلومات تقنية سريعة للتعريف بوضع النفط العراقي واباره واحتمالية استكشاف ابار جديدة قائلا ،ان من الملامح البارزة للاحتياطيات النفطية العراقية :

  •  تقع معظم خزانات الاحتياطات البترولية في اقصى الاحتمالات على بعد 10 آلاف قدم تحت سطح الارض
  •  %30 - %40  تقع ضمن 2000-5000 قدم.
  • يأتي معظم إنتاج النفط من خزانات العصر الطباشيري (76٪) بينما يأتي الباقي من الخزانات الثلاثية (24٪). يعني اغلب النفط العراقي من فترات او عصور جيولوجية حديثة ،مما يعني انخفاض قيمة النفط العراقي.
  • ويأتي إنتاج صغير جدا (0.1٪) من الخزانات الجوراسية والترياسية والأوردوفية ،من الفترات الجيولوجية القديمة.
  • تبلغ نسبة النجاح في الاستكشاف الحالي في العراق بنسبة  ثلثي الابار المحتملة اي حوالي 67٪  من لابار المحفورة سنعثر فيها على بترول بكميات اقتصادية ، بينما المتوسط العالمي لاحتمالية العثور على النفط تبلغ 1 من كل 10 اي 10%.

اما على صعيد أنشطة الحفر في العراق منذ عام 1981 فقد قدم د. الربيعي مايمكن ايجازه بـالنقاط التالية:

  • يملك العراق الان 1500بئر منتجة ، 1000 بئر منها في جنوب العراق.
  • وبعض الابار يتم الانتاج فيها عن طريق الحقن، وبعض الآبار الان هي في حالة المراقبة او ما تعرف بالآبار المهجورة.
  • وللمقارنة، تمتلك سلطنة عمان، وهي بلد نفطي صغير جدا مقارنة بالعراق، أكثر من 2600 بئر.
  • ويبلغ عدد اآلابار التي حفرتها وزارة النفط والغاز من عام 1991 حتى بداية عام 2005 حوالي 248 بئر فقط. وللمقارنة نقول ان لدى أرامكو 155 حفار، وان متوسط ما تحفره من ابار هو 500-600 بئر / سنة.
  •   لتقييم الاحتياطيات نحتاج إلى حفر عدد كبير من الآبار لتحديد المدى الكلي للخزان وكذلك تحديد عدد الخزانات داخل نفس بحيرة البترول او الخزان العملاق للبترول.
  • اهمية تثبيت بيانات الإنتاج الفعلية لتأكيد الكميات الفعلية للنفط في المكان.
  • لان منظمة أوبك تمنح حصص التصدير بناءا على الارقام الفعلية التي يتم تثبيتها في النقطة السابقة ،لذلك يجب تثبيت زيادة كميات الاحتياطي العراقي بناء على عمليات الحفر ليتسنى له تصدير حصة اكبر ضمن سوق اوبك الدولي للبترول.

اما بخصوص عدد حقول النفط في العراق فقد بين حسين الربيعي :

  • وتم تحديد أكثر من 500 حالة استكشاف زلزالي وهياكل جيولوجية
  •   وقد تم حتى الآن حفر 124 بئر فقط ... تذكر نسبة النجاح!
  • وفي هذه الهياكل، تم اكتشاف نحو 64 حقل نفط وغاز عملاق جدا.
  • 23 حقل فقط  من هذه الحقول الكبيرة هي في الواقع المعدة للإنتاج
  •   وغالبية الآبار هي آبار عمودية لا تستخدم فيها تكنولوجيا أفقية اومتعددة الأطراف.
  • يتم إجراء عمليات استكشاف قليلة أو معدومة على المستويات الأعمق للعمود الطبقي خصوصا على حقول النفط العملاقة والسوبر العملاقة في جنوب العراق.

حقول البترول الحدودية او المشتركة    

هنالك في كل ارجاء العالم ما يعرف بحقول البترول الحدودية التي تشترك فيها الدول او الشركات ،وفي العراق عدد من الحقول الحدودية او المشتركة مع دول الجوار مثل حقل الرميلة الجنوبي المشترك بين العراق والكويت وحقل ابو غريب المشترك بين العراق وايران وهو بمساحة 40 كم طول 8 كم عرض وقد تم التنقيب فيه عام 1971وهوينتج حوالي 100 الف برميل يوميا ،كذلك حقل مجنون الذي يعتقد ان احتيطاته تصل الى 3-4 مليون برميل ،وكذلك حقل بازركان المشترك بين العراق وايران ،ولابد من الاشارة الى ان هنالك قوانين دولية تنظم الاستخراج من الابار الحدودية او خزانات البترول المشتركة بين الدول حيث يتم استخراج البترول بنسب مساوية لنسب مساحة الحقل البترولي في الدول ، ويشير د.الربيعي من واقع مشاهداته الميدانية في حقل مجنون القريب من البصرة ، حيث ينتج حاليا 280 الف برميل يوميا ،والمشكلة الحقيقية التي تحد من تطوير التنقيب والحفر في هذا الحقل هو وجود حقول الالغام غير المتفجرة والتي لم تتم ازالتها منذ الحرب العراقية الايرانية ،وتغطي هذه الحقول مساحة مهمة من منطقة حقول مجنون البترولية وهي بطول متوقع بين 80-90 كم وعرض تقريبا 30 كم.عدد الآبار المفروض يصل الى حوالي 900 بئر لنصل الى الطاقة الانتاجية لحقل مجنون المخططة وهي 3-4 مليون برميل يوميا.

لكن هنالك مشكلة حقيقة يتم اغفالها او التغاضي عنها وهي تجاوز الجانب الايراني على الحدود العراقية حيث دخلت حفارات البترول الايرانية بعمق حوالي 3 كم داخل الحدود العراقية في حقل مجنون وتم حفر العشرات من الابار التي يتم استخراج البترول منها، ونتيجة لتفاوضات بين ايران ومنظمة الاوبك تم رفع سقف تصدير البترول الايراني نتيجة تقديم معلومات غير حقيقية من الجانب الايراني حول الاحتياطي الكامن وعدد الابار الايرانية ،بينما لم يتم ذلك بالنسبة للعراق ،وبالتالي فان تطوير حقل مجنون حتى لو تم كما هو مخطط له فان العراق لن يستطيع استخراج الطاقة الانتاجية للحقل بسبب محددات التصدير المفروضة على العراق والتي في حال تجاوزها قد تؤدي الى انهيارات في سوق البترول العالمية.

احتياطيات النفط العراقية: ماذا تعني؟

وهناك ثلاث طرق لتصنيف الاحتياطيات البترولية في العالم وهي:

  • الاحتياطيات المثبتة:  التي تحضى بدرجة عالية من اليقين
  • الاحتياطات المحتملة : وهي تحضى بدرجة أقل من اليقين من الاحتياطيات المؤكدة.
  • الاحتياطات الممكنة: التي تحضى بدرجة منخفضة من اليقين مقارنة بالاحتياطيات لمحتملة

  ويشترط أن تستند التقديرات المثبتة والمحتملة والممكنة إلى الآبار الفعلية المحفورة او التي ستحفر في المستقبل ، كما ان لكل تصنيف من التصنيفات المذكورة أعلاه هناك درجة من عدم اليقين المرتبطة بالقيمة التي تعكس احتمال الاستخراج من هذه الحقول ،لان من المعلوم ان ليس كل قطرة من النفط في الأرض قابلة للاستخراج فهذا امر محكوم بعدة عوامل ، ومن أفضل الأرقام التي حققت في قابلية الاستخراج عالميا  في هذه الصناعة هي ما تم في الحقول النرويجية التي تبلغ متوسطها حوالي 60٪،اما في العراق فيقدر عامل احتمالية الاستخراج الحالي حوالي 40-45٪.

واضف د. الربيعي قائلا ؛يجب ان نعلم ان هنالك اختلافات في تقدير الاحتياطيات النفطية وهذا يعود لمجموعة اسباب مثل :

  • إن تقدير احتياطي النفط ليس علما دقيقا وانما تدخل فيه التوقعات ايضا.
  • يتم التحكم في التقديرات بعدد من العوامل الفنية المعقدة.
  • ولسوء الحظ تتدخل في تقييم الاحتياطات البترولية العوامل السياسية
  • تستخدم العوامل السياسية لزيادة احتياطيات النفط في بلد ما لتعزيز قوته التفاوضية إذا كان بلد عضوا في منظمة أوبك .
  • يستخدم البعض المبالغة في رسم الاحتياطيات لجذب الاستثمارات الاجنبية اذا كانت الدولة غير عضوة فى الاوبك. مثل بلدان بحر قزوين.

الان وقد علمنا ان كمية الاحتياطي المثبتة من خلال عمليات الاستكشاف تلعب دورا مهما في حصة الدول المصدرة للنفط اوبك . وقد طالب العراق بزيادة حصته من الصادرات ويعود التقدير المتزايد إلى عمليات التقييم والاستكشاف التي أجريت في سبعة حقول نفطية في وسط وجنوب العراق، وسيطلب وزير النفط جبار اللعيبي من منظمة الدول المصدرة للنفط (اوبك) اعتماد الرقم الجديد حيث ان التقديرات الرسمية لاحتياطياتها.

ومن الاحتياطيات العراقية  المهمة حقول النفط والغاز العملاقة في الصحراء الغربية في العراق ،والتي لم تتم فيها عمليات استكشاف حتى الان الا بشكل محدود فقد اجريت اغلب المسوح بطريقة بسيطة عام 1986،لكن دراسات حديثة لاستكشاف إمكانات الهيدروكربون باليوزويك للمنطقة اجريت من قبل وزارة الطاقة الامريكية وكشفت حملة حفر استكشافية محدودة جدا وجود النفط والغاز في معظم الهياكل المحفورة ،ويكاد يكون من المستحيل تقدير الاحتياطيات في الصحراء الغربية ومع ذلك، تقدر وزارة الطاقة الأمريكية أن الصحراء الغربية العراقية تحتوي على ما يصل إلى 100 مليار برميل من النفط. وقد قدرت استمكانات البترول الى نتائج مذهلة في هذه المنطقة التي تحوي حقول بترول عملاقة لكنها تقع على اعماق كبيرة جدا ليست مثل بقية حقول البترول العراقي  مما يعني الحاجة الى استثمارات كبيرة للعمل فيها لانها من حقب جيولوجية اقدم ،لكنها في نفس الوقت تعنى جودة البترول الموجود ايضا والذي قدر بـ 5-10 تريليون برميل من النفط مع احتمال محاصر النفط بدلا من 1-2 تريليون برميل من النفط. فإذا فرضنا اننا سنحصل على 25٪  وهي النسبة العلمية من التخمينات من 1-2 تريليون برميل في تراكمات محددة معنى ذلك وجود احتياطي 50 – 100 مليار برميل من البترول وهذا الامر يجعل العراق من اخر الدول التي ستنضب فيها الثروة النفطية في العالم .

أهمية النفط العراقي للعالم

هنا تناول الدكتور حسين الربيعي مجموعة حقائق ليقدم صورة عن مستقبل النفط العراقي واهميته في سوق النفط العالمية قائلا؛

  • وتبلغ احتياطيات الولايات المتحدة الأمريكية المؤكدة 29.4 مليار برميل، وبمعدلات الإنتاج الحالية 7.6 مليون برميل يوميا، ستستمر هذه الاحتياطيات لمدة 10 سنوات فقط.
  • في بحر الشمال، احتياطيات بريطانيا المنقحة 4.5 مليار برميل وقد تستمر لأكثر من 5 سنوات فقط بمعدلات الإنتاج الحالية.
  • النرويج، تشير التقديرات إلى أن احتياطيات النفط المقدرة 9.7 مليار برميل ستسمر بمعدلات الانتاج الحالية حوالي 8.7 سنوات إذا تم الحفاظ على معدلات الإنتاج الحالية 3.3 مليون برميل يوميا.
  • إن منتجي الأوبك الرئيسيين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت ينتجون الان بكامل طاقتهم ويتطلبون اكتشافات كبيرة لإضافتها بشكل كبير إلى معدلات الإنتاج الحالية بمعنى عدم امكانية هذه الدول زيادة معدلات انتاجها عن المعدل الحالي.
  • احتياطي بحر قزوين على أفضل تقدير 47.5 مليار برميل
  • فاذا ازداد  الطلب العالمي على النفط في غضون السنوات الخمس المقبلة كما هو متوقع ،اذا يتعين إيجاد احتياطيات إضافية من النفط عالميا ، وهناك بلد واحد فقط في العالم يمكنه أن يساعد فورا على سد الثغرات في الإنتاج والاحتياطيات؛ وهو العراق.

حرق الغاز في العراق

انتقل د. حسين الربيعي لى نقطة مهمة اخرى في موضوع النفط والغاز في العراق ،وهي مسألة احتراق الغاز المستخرج من حقول البترول في العراق ،واشار بتعجب لى ان البلد الوحيد في العالم الذي تتم فيه هذه العملية من الهدر هو العراق ،علما ان هنالك شركات بترول عملاقة تعمل اليوم في العراق ،واغلبها شركات ذات خبرة طويلة في استخراج الغاز الا انها لاتفعل ذلك في العراق ،والحقيقة لا احد يعرف السبب في هذا الهدر ،واشار د. الربيعي الى انه سيقدم مثالا بسيطا لشرح هذا الهدر فذكر ؛يجري حاليا حرق نحو 600 مليون قدم مكعب (17 مليون متر مكعب) يوميا من الغاز من الحقول الجنوبية ، وفقا لما ذكره رئيس شركة غاز البصرة ،السعر العالمي هو = $ 3.86 لكل 1000 قدم مكعب ، هذا يعني اننا نحرق كثر من مليونين وثلاث مئة الف دولار يوميا اي 850 مليون دولار سنويا يتم احراقها من خلال احراق الغاز في حقول نفط الجنوب فقط  ،اي اننا احرقنا منذ 2003 ولحد الان ما يزيد عن 10 مليارات دولار دون ان يعلم احد السبب وراء ذلك.

عقود النفط

اشار الدكتور الربيعي الى ان عقود النفط العالمية يمكن ان تصنف الى :

  • الامتيازات: حيث يملك المقاول النفط في الأرض.
  • اتفاقية مشاركة الإنتاج (PSA )
  • اتفاقية إعادة رأس المال بالإضافة إلى الإنتاج المتفق عليه.
  • المشاريع المشتركة: حيث تدخل الحكومة في شراكة مع واحد أو أكثر من شركات النفط
  • عقود الخدمة: (النموذج العراقي!)

وما يهمنا هنا هو توضيح عقود الخدمة التي وقعها العراق مع شركات النفط العالمية ،لنعرف ماهي مشاكلها وماهي ايجابياتها وهل هناك حل لازمة هذه العقود.

عقود الخدمة تتميز بمواصفات هي :

  • لا يعطي حق الملكية للنفط أو الأرض
  • عادة تكون عقود قصيرة الأجل: 2-5 سنوات كحد أقصى
  • تدفع الشركة رسوما لخدماتها لاستخراج النفط من الأرض
  • لا تحسن محفظة أصول شركات النفط

لذلك نجد ان الشركات الصغيرة فقط هي التي تذهب بأتجاه هذا النوع من العقود في العالم ،لانها عقود غير مجدية بالنسبة للشركات الكبيرة التي تبحث عن عقود يكون فيها الحد الأدنى من استرجاع الاستثمار ( ROR) هو 20٪ ، اذا لماذا جاءت شركات النفط العالمية الكبرى إلى العراق؟.

جولات التراخيص العراقية

فتحت جولة التراخيص الاولى في نوفمبر 2009 ،وقد اشترطت الشركات الكبرى المشاركة ان تكون عقود الخدمة طويلة الامد ليسنى لها استرجاع ما ستسثمره من اموال في تطوير الحقول العراقية ،فكان الاتفاق على ان تكون العقود 25-30 سنة بدلا من 5 سنوات كحد اقصى في هذا النوع من العقود ،كما ان العطاءات قدمت لأكبر حقول النفط العراقية التي تم الإعلان عنها مبدئيا كعقود الخدمات الفنية حيث حددت الحكومة الحد الأدنى لمعدل الإنتاج المحدد كما يلي :

رميلة = 2.75 مليون برميل يوميا ،بينما كانت حقول ميسان = 450 الف برميل يوميا

وقد عرضت شركة BP أدنى عرض 3.99 دولار للبرميل لحقل الرميلة ،اما الحد الأقصى المزدوج للحكومة

لحقول ميسان فكان العرض الأولي المقدم من شركة نوك = $ 21.4 للبرميل، ثم انخفض إلى 2.3 دولار للبرميل ،وقد فازت هاتين الشركتين بالعقود علما ان حقل الرميلة هو اكبر حقول البترول في العراق ويشبهه المختصون بانه خزان بترول تسحب منه ما تشاء بسهولة جدا وهويماثل حقل الغوار السعودي الذي يمثل العمود الفقري لانتاج البترول السعودي.

اما جولة التراخيص الثانية فقد تمت في شهر كانون اول 2009 وشملت حقول حلفاية ومجنون والقيارة والغراف والنجمة وبدرة والقرنة وتم تحديد انتاج كل حقل من هذه الحقول ،لكن اجور الخدمة تراوحت بين 1.39 – 5.5 دولار للبرميل ،وهنا نلاحظ ارتفاع اجور الخدمة في هذه الجولة.

اما جولة التراخيص الثالثة التي تمت في 2010 وشملت مجموعة حقول اهمها المنصورية ومجنون وهنا نلاحظ ارتفاع واضح لعقود الخدمة التي وصلت الى 7.5 دولار للبرميل. بينما تمت جولة التراخيص الرابعة عام 2012 حيث وصلت عقود الخدمة في هذه الجولة الى 9.85 دولار للبرميل .النتيجة النهائية بالنسبة للبترول العراقي اليوم ان كلفة استخراج وخدمة برميل النفط العراقي يكلف 10.7 دولار للبرميل ،مع ماوصلت له اسعار النفط بعد هبوط سوق النفط العالمي نجد اننا امام كارثة حقيقية.

سيناريو الكارثة

وهنا طرح الدكتور حسين الربيعي تصوره لما يسعى له القائمون على الصناعة النفطية في العراق عبر طرح سؤال ؛ ماذا يحدث إذا وصل انتاج العراق إلى 12 مليون برميل يوميا بحسب التطوير المطلوب من الشركات في عقود الخدمة؟

نفترض أن العراق مسموح له فقط ببيع 5 ملايين برميل يوميا كجزء من أوبك لذلك سيبقى  7 مليون برميل يوميا خارج امكانية العراق للتصدير اي تبقى في الأرض،هل هذا يعني أننا ما زلنا ندفع لشركات النفط تعريفة للنفط غير المنتج او النفط في الأرض ،بالتأكيد نعم ،لان الشركات تحاجج بانها غير مسؤولة عن التصدير وانما عقودها لخدمة الاستخراج والتطوير ،وهذا يعني اذا اعتبرنا :

متوسط عقد الخدمة $ 2 للبرميل (جميع الشركات) ، اذا كان الدفع اليومي لشركات النفط = $ 2 × 12 = 24 مليون دولار يوميا ، يعني 8،8 مليار دولارسنويا  للنفط المصدر وغير المصدر بالإضافة إلى التكاليف الإدارية الأخرى ومتوسطها 4 دولارات للبرميل اي  17.5 مليار دولار، العراق يصدر 5 مليون برميل يوميا فاذا كان معدل السعر 22 دولار حسب توقعات السوق يكون دخل العراق سنويا  39.6 مليار دولار ،اذا صافي دخل العراق سيكون = 39.6 - 8.8 - 17.5 = 13.3 مليار دولار / سنة فقط. اذا نحن ازاء ما يمكن ان نسميه القنبلة الموقوتة التي ستستمر لـ 25 سنة قادمة اذا لم يحدث الاسوء.

الخاتمة

اختتم الدكتور حسين الربيعي محاضرته بالقول ؛لقد واجهني الكثير من الشباب في العراق بالاسئلة المحيرة ،ومنها اننا الان نمتلك ثرواتنا النفطية ونحن المفروض نعيش في ظل نظام ليبرالي  يطبق اقتصاد السوق ،اذا لماذا لم نحس بأي تحسن في قطاع الخدمات والتعليم والصحة والنقل والاسكان وتطوير الصناعة والزراعة ،ماذا كسبنا من ثروتنا النفطية ؟ والحقيقة هي اسئلة محقة ويجب ان نجيب عنها. كما رأينا في محاضرة اليوم ان هنالك خطوات متخلفة تم اتخاذها ، ويجب أن يقاومها جميع العراقيين، لان الذين يبيعون الأصول العراقية النفطية ليس لديهم بعد نظر ولا يفهمون صناعة النفط؟ وعلينا جميعا أن نقاوم هذا البيع المفتوح والرخيص للأصول النفطية العراقية.

 لقد اقترحت في عدة مناسبات إنشاء شركة نفط تشغيلية حقيقية مملوكة للحكومة، ولكنها تعمل ككيان مستقل، مثل أرامكو في المملكة العربية السعودية، او أدكو وأدما في الإمارات العربية المتحدة وشركة تنمية نفط عمان في عمان.هذه الشركات مستقلة حقا ويمكنها توظيف أفضل المهندسين في بلدانهم والعالم. ولديهم القدرة على تنفيذ اهم الاعمال. ولا تعمل هذه الشركات مثل وزارات النفط العربية العادية. حيث لديهم أيضا شركات الخدمات الخاصة بهم ،مع قوة العمل الضخمة التي هي على مستوى عالي من الكفاءة  ومتعلمة تعليما عاليا. وتدفع لهم رواتب مماثلة للعمال الأجانب.فبدون وجود شركة نفط وطنية حقيقية، لن يطور العراق مهندسيه للحاضر والمستقبل، وسيعتمد إلى الأبد على الشركات الأجنبية للقيام بالتدريب وتطوير المديرين والمهندسين في المستقبل.

في البلدان التي عملت فيها، قامت شركات النفط الوطنية ببناء المدارس والمستشفيات والطرق وغيرها من البنى التحتية المهمة لغرض تطوير حقول النفط ،وكذلك نجد ن عملهم أدى إلى إنشاء اقتصادات ثانوية ضخمة مثل :

  • بناء المصانع المحلية
  • تطوير صناعة البتروكيمياويات وما يمكن ان توفره للأسواق المحلية
  • تطوير صناعة الأسمنت
  • تطوير أنظمة النقل
  • تطوير الفنادق والمطاعم
  • توفير وتطويرمدارس التدريب

وقد اقترحت إنشاء شركة نفط وطنية عراقية في اجتماع مع مسؤولي وزارة النفط ولكن الاقتراح رفض بشكل مباش،. في الواقع اقترح مسؤول رفيع في وزارة النفط  علي أن أنسى هذه الأفكار وأجد لنفسي وظيفة مع شركة أجنبية، فقلت له إنني أملك بالفعل شركة أجنبية ولا أحتاج إلى العمل مع شخص آخر.ما لم يتغير نمط تفكير الاشخاص المسؤولين عن جولات التراخيص، فإن العراق لن يتقدم. وستستمر الامتيازات الحالية للشركات الأجنبية لمدة لا تقل عن 25 عاما ويمكن تمديدها ب 25 سنة أخرى.

جدل الهوية والابداع

استضافت  مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 6 سبتمبر / ايلول 2017 الكاتبة والروائية سلوى جراح في أمسية ثقافية تحدثت فيها عن جدل الهوية وتأثير ذلك على الابداع .

سلوى جراح كاتبة ولدت في فلسطين وعاشت وتربت ودرست في العراق واختارته وطنا قبل أن تنتقل لوطن آخر هو بريطانيا، فهي من مواليد فلسطين - حيفا عاشت عائلتها في مدينة عكا قبل ان تغادرها الى العراق ،نشأت وترعرت في العراق واكملت دراستها في بغداد وتخرجت في جامعة الحكمة عام 1969 بعد ان درست الأدب الإنكليزي والفلسفة وأساليب التعليم ،عملت بعد ان غادرت العراق في هيئة الاذاعة البريطانية حيث قدمت العديد من البرامج المهمة أشهرها "ساعة حرة، رأى المستمع، موزايك، ندوة المستمعين، البرنامج المفتوح، شارع الذكريات"، والعديد من البرامج الثقافية والموسيقية مثل برنامج الواحة الذى كان لقاءً لنصف ساعة مع شخصية أدبية أو فنية معروفة. و بعد أن تركت العمل فى هيئة الاذاعة البريطانية تفرغت لكتابة الرواية، فأصدرت روايات (الفصل الخامس، صخور الشاطئ، أرق على أرق، بلا شطآن، صورة فى ماء ساكن، أبواب ضيقة). إضافة إلى انشغالها بكتابة الرواية عملت سلوى الجراح في المجال الفني وتحديدا المسرحي حيث قدمت العديد من المسرحيات مع الفنانتين العراقيتين مي شوقي وروناك شوقي نذكر منها مسرحية (ريح الجنوب) و(سماء أخرى) و (على أبواب الجنة) واخيرا  مسرحية "كان ياما كان في حلم" في ذكرى الراحل الكبير خليل شوقي.   

وقد التقى الاستاذ الياس نصر الله بالاستاذة سلوى جرّاح  بلندن واجرى معها حوارا صحفيا نشره في جريدة طريق الشعب البغدادية ومواقع وصحف فلسطينية بعنوان (سلوى جراح تتساءل: هل ستعرفني بلادي حين أعود إليها بعد سنين؟) وقد انصب الحوار على موضوعة الهوية والابداع وتوزع الهم الابداعي لدى سلوى جراح بين الموضوع العراقي والموضوع الفلسطيني كما كان للمهجر البريطاني حصة في اعمالها الابداعية ،وقد ارتأينا نشر الحوار لانه غطى اكثر الجوانب التي تناولتها الاستاذة سلوى جراح في امسيتها:

(سلوى جراح تتساءل: هل ستعرفني بلادي حين أعود إليها بعد سنين؟)

إلياس نصرالله / لندن

في رواياتها العراقية كشفت سلوى عن حسّ ديمقراطي رفيع ورفض للظلم والتعصب القومي والقبلي والطائفي، وأوضحت أنها رفضت في سن مبكرة الانغلاق أو الانعزالية وتصنيفها على أنها غريبة في العراق، وروت خلال المقابلة معها أنها فيما كانت في أحد الأيام تدافع عن جمال عبد الناصر خلال محادثة مع زميلاتها في المدرسة تضايقت منها إحدى الزميلات التي كانت تكره عبد الناصر وتهزأ منه وفاجأتها قائلة "هَمْ نِزل، وهم تدَبِّج"، أي ما معناه أنه لا يكفي أنها ضيفة غريبة بل تتدخل في أمور أهل البيت وتفرض رأيها تدبك، فصفعتها سلوى على وجهها وتشاجرت معها، فتدخلت مديرة المدرسة التي غضبت عندما علمت سبب الشجار..

** عكا والقدس

فرحت جدًا عندما زارت فلسطين عام 1996 رغم أنها لم تتوقف عن البكاء طوال زيارتها إلى عكا والقدس، وقالت إنها وجدت أن ما كتبته عن فلسطين ووصفها للأماكن فيها "كان دقيقًا"، وقالت أن "الصورة التي يحملها اللاجئ الفلسطيني عن وطنه تكون عادة قاتمة"، لكن الصورة التي رسمتها في "صخور الشاطئ" عن فلسطين لم تكن قاتمة أبدًا. وأوضحت سلوى"لأنني لم أعش في فلسطين تعمّدت أن أزورها لكي أكتب عنها، فهي عندي من شمالها إلى جنوبها وحدة واحدة وجميع المدن والقرى سواسية"، وأضافت "لا يوجد كاتب يحترم نفسه يكون قادرًا على الكتابة عن شيء أو مكان من دون أن يراه".

برز في السنوات الأخيرة على الساحة الأدبية في العالم العربي اسم الكاتبة الفلسطينية سلوى جرّاح ابنة مدينة عكا التي أبصرت النور في 15 كانون الأول 1946 في أحد مستشفيات حيفا قبل أقل من عامين من النكبة التي حولتها مع أفراد عائلتها إلى لاجئين. لكن من يقرأ أدب سلوى يجد أنها ليست كاتبة فلسطينية فحسب، بل تتعدى هويتها حدود فلسطين لتشمل أماكن أخرى في الشتات، خصوصًا العراق الذي عاشت فيه معظم سنوات طفولتها وشبابها، فقدّمت للقارئ العربي مادة غنية عن طبيعة الحياة في العراق وعن الصراعات السياسية والاجتماعية والفكرية التي اجتاحت هذا القطر العربي وأوقعت فيه نكبة أخرى غير نكبة فلسطين وما زالت فصولها مستمرة إلى اليوم.

من يقرأ أعمال سلوى جرّاح الأدبية يجد أن هذه الفلسطينية، التي أصبحت لاجئة في طفولتها، لم تقف موقف المتفرج على ما كان يجري في الساحة التي لجأت إليها، بل انخرطت فيها بعمق لدرجة قد تدفع من يقرأ رواياتها التي تدور أحداثها في العراق إلى الاعتقاد أنها كاتبة عراقية أصلًا وفصلًا، ولن يصحح له هذا الاعتقاد سوى قراءة الروايات الأخرى التي تتحدث فيها سلوى عن فلسطين. فسلوى جرّاح بحق، نموذج للفلسطيني الذي حافظ على هويته الفلسطينية، رغم اندماجه في حياة البلد أو المجتمع الذي لجأ إليه، وهذا بحد ذاته دليل قاطع يثبت عدم صحة ما ذهب إليه البعض، خصوصًا في لبنان، من أن الفلسطيني إذا مُنح جنسية أخرى وأتيحت له فرصة لتحسين ظروف معيشته سينسى فلسطين وينخرط في حياته الجديدة، وأبرزت سلوى جرّاح وضع الفلسطينيين في لبنان في روايتها "أرق على أرق"، أثناء الحديث عن سبب إنشاء مؤسسة "صامد" الفلسطينية في لبنان، حين قالت الفلسطينية ليلى عطوان لبديعة الفتاة التي هربت من العراق "طبعًا تعرفين أن الفلسطيني لا يحق له العمل في لبنان" (أرق على أرق، صفحة 160).

كلا، لم يحدث هذا لعائلة جراح التي تبناها المجتمع العراقي ومنح أفرادها الجنسية العراقية، فظلوا متمسكين بفلسطينيتهم، بل على العكس نتج عن هذا التبني رفدٌ للحركة الأدبية والفكرية في العراق بطاقات جديدة أغنت هذه الحركة وأنعشتها، كما هو واضح في أعمال سلوى جراح الأدبية ونشاطاتها الفنية، إذ أن سلوى فنانة متعددة المواهب، فهي بالإضافة إلى كونها روائية، اشتهرت كمقدمة برامج إذاعية وتلفزيونية، وبعد تخرجها من جامعة الحكمة في الزعفرانية في بغداد عملت في الإذاعة والتلفزيون العراقي، ولاحقًا بعد انتقالها للعيش في بريطانيا عام 1977 عملت في القسم العربي لهيئة الإذاعة والتلفزيون البريطانية (بي. بي. سي) وقدمت برامج أكسبتها شهرة واسعة في العالم العربي، ولها باع طويل في التمثيل المسرحي، مع أنها تقول أن التمثيل بالنسبة لها هواية فقط وليس احترافًا، حيث لعبت أدوارًا رئيسية في عشر مسرحيات كان آخرها دورها في مسرحية "كان يا ما كان في حلم" تأليف المخرجة والممثلة روناك شوقي، وهي عبارة عن حوارية بين السيد والعبد لعبت فيها سلوى الدور الرئيسي للخادمة على خشبة مسرح "كيستورز" في لندن.

* أعمالها الفلسطينية

في كتابها "صخور الشاطئ" تروي المؤلفة قصة عائلة عكية تتطابق تفاصيل حياة أفرادها إلى حدٍ كبير مع تفاصيل حياة أفراد العائلة التي وُلدت فيها سلوى جرّاح، خصوصًا والدها ذا النون جرّاح ووالدتها إسعاف نجم الدين توفيق جرّاح.

ومع أن المؤلفة تجعل شخصيات الرواية تنتقل من مكان إلى آخر في أرجاء فلسطين لتعطي القارئ صورة عن تلك الأماكن، إلا أن مدينة عكا هي الساحة الرئيسية التي تجري فيها أحداث الرواية، حيث جاءت هذه الأحداث تحمل صورة واضحة عن طبيعة المجتمع المدني الفلسطيني الذي كادت تدمره نكبة عام 1948 عندما أخليت غالبية المدن الفلسطينية من أهلها وحُولوا إلى لاجئين عندما احتلها اليهود عام 1948 مثل حيفا وعكا ويافا وبئر السبع وبيسان وطبريا وصفد وغيرها. فرغم وجود تلك المدن الفلسطينية منذ زمن بعيد ورغم وجود مجتمع مدني متواضع فيها، ظلّت فلسطين بلدًا زراعيًا يعتمد على الفلاحة مصدرًا رئيسيًا للدخل، غير أن سقوط الامبراطورية العثمانية ووقوع فلسطين تحت سيطرة بريطانيا عام 1918 أدى إلى تحولات اقتصادية واجتماعية مهمة، إذ أصبحت فلسطين ورشة عمل لدعم المجهود الحربي البريطاني استعدادًا للحرب العالمية الثانية وخلالها، مما ساعد على نشوء طبقة عاملة وطبقة برجوازية صغيرة ساهمتا في دعم المجتمع المدني الفلسطيني وتوسيع قاعدته. لكن هذه العملية لم تكتمل وبُترت بقسوة عام 1948 لدى احتلال فلسطين.

ما فعلته سلوى جرّاح أنها قدّمت في"صخور الشاطئ" صورة نادرة عن ذلك المجتمع المدني الفلسطيني الذي شُتِّت أفراده وتوزعوا على البلدان المجاورة وفي أنحاء أخرى من العالم. فعلى الغلاف الخلفي للطبعة الأولى من "صخور الشاطئ" ورد التعريف التالي أن الرواية "صرخة حنين إلى الجذور وتأكيد على عمقها ورسوخها. هي محاولة لتحويل شيء من الذاكرة المحكية إلى ذاكرة مدوّنة من خلال أحاديث الأهل مع شيء من البحث في الحقائق التاريخية المرتبطة بها".

في لقاء خاص أجريته معها لمقتضيات كتابة هذا الموضوع، اعترفت سلوى جرّاح أن شخصية يونس بطل "صخور الشاطئ" مستمدة من شخصية والدها ذا النون خبير الاتصالات في شركة نفط العراق (آي. بي. سي)، الذي انتهى به المطاف بعد النكبة عام 1948 لاجئًا في مدينة البصرة العراقية على الخليج العربي وأقام في العراق مع عائلته المؤلفة من زوجته إسعاف وبناته الأربع سلوى البكر وآمنة ولينا وأسماء وابنه ناصر. ففي الرواية أعطت سلوى صورة عن الخلفية العائلية ليونس، وعن علاقته بقرية كسرى في الجليل، التي اتضح خلال المقابلة مع سلوى أن أراضي كسرى كانت في العهد العثماني مسجلة على اسم أخوال والدها ذا النون، كما أعطت صورة عن صبا يونس وسني مراهقته في مدينة عكا، وانتقاله للدراسة في مدرسة (مستر سامبل الاسكوتلاندية) في مدينة صفد وتعرفه على زملائه الجدد في المدرسة الذين قدِموا من مدن وقرى فلسطينية أخرى للدراسة ومن ضمنهم نقولا بركة من مدينة الناصرة، فيما التحق شقيقه خالد بكلية الشرطة في القدس. وعندما أنهى يونس دراسته الثانوية عثر على وظيفة في شركة نفط العراق بفرعها في فلسطين واحتك بالموظفين البريطانيين الذين كان يعمل معهم في مصفاة تكرير النفط في خليج حيفا واطلع على أفكارهم ونواياهم.

تستهل سلوى روايتها "صخور الشاطئ" بإهدائها الكتاب:

"إلى روح أبي الذي ولد في عكا وعاش فيها سني شبابه، وظل عاشقًا لها طوال سني غربته يُحمّل موج البحر الأبيض المتوسط أينما حلّ على شطآنه التحايا لسورها وصخورها. أبي الذي علمني عشق الأوطان والحنين اللامتناهي لكل ما فيها. أبي الذي لقمني حب النغم. أبي الذي عاش بعيدًا عن فلسطين ودُفن في منفاه. أبي ذا النون أنيس جراح".

عندما قرأت روايات سلوى الجراح وجدتها مُطعمة بالكثير من الأغاني الجميلة لكبار المغنين والمغنيات العرب وأخرى تراثية، فظننت أن ذلك راجع لتأثر سلوى بعملها الإذاعي، لكنها أوضحت أن ذلك يعود لتأثرها بوالدها، إذ كان ذا النون يعزف على العود ويغني وكان على اتصال مع كبار الموسيقيين والمغنين طوال الفترة التي عاشها في العراق.

وتعطي "صخور الشاطئ" صورة عن أفراح عائلة يونس وأتراحها، ومغامرات خالد وأخيه يونس الغرامية في المدينة وفي القرية، والأمور الأخرى التي تشغل بال أفراد العائلة في الوقت الذي احتدمت فيه النقاشات السياسية في البيت انعكاسًا للاضطرابات التي كانت تجري في البلد وتأثرها بالصدامات المستمرة بين الفلسطينيين من جهة والمستوطنين اليهود والسلطات البريطانية من الجهة الأخرى، والتي أدت إلى اندلاع ثورة عام 1936 الشهيرة، ثم الجدل حول الانضمام إلى الثورة، وهل هي ثورة فلاحين أم أن لأبناء المدن دورًا فيها. وبالتالي انضمام المدنيَيَن خالد ونقولا بركة، زميل يونس في المدرسة، إلى الثوار، وتَعرُّض خالد للإصابة واستشهاد نقولا أثناء مواجهة مع الجنود البريطانيين. لم ينضم خالد إلى الثورة في شكل عشوائي، بل تم توزيع المسؤوليات العائلية في شكل محسوب، حيث واصل يونس عمله ووقع على عاتقه عبء إعالة العائلة.

حرصت سلوى على أن تكون صادقة في ما روته عن عكا وفلسطين، وقالت أنها فرحت جدًا عندما زارت فلسطين عام 1996 رغم أنها لم تتوقف عن البكاء طوال زيارتها إلى عكا والقدس، وقالت إنها وجدت أن ما كتبته عن فلسطين ووصفها للأماكن فيها "كان دقيقًا"، وقالت أن "الصورة التي يحملها اللاجئ الفلسطيني عن وطنه تكون عادة قاتمة"، لكن الصورة التي رسمتها في "صخور الشاطئ" عن فلسطين لم تكن قاتمة أبدًا. وأوضحت سلوى"لأنني لم أعش في فلسطين تعمّدت أن أزورها لكي أكتب عنها، فهي عندي من شمالها إلى جنوبها وحدة واحدة وجميع المدن والقرى سواسية"، وأضافت "لا يوجد كاتب يحترم نفسه يكون قادرًا على الكتابة عن شيء أو مكان من دون أن يراه". لم تكتف سلوى بزيارة فلسطين مرة واحدة وتعددت زيارتها لتشمل أراضي فلسطين التاريخية، ومن ضمنها الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967، أي قطاع غزة والضفة الغربية التي أقيمت فيها السلطة الفلسطينية عقب اتفاق أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. ولا تخفي سلوى صدمتها من مشاهداتها لما يجري في مناطق السلطة الفلسطينية، فقامت بكتابة رواية جديدة من وحي تلك الزيارة.

في الواقع رواية "أرقٌ على أرقٍ" هي العمل الأدبي الفلسطيني الثاني لسلوى جراح، فهي بالأساس تحكي عن هموم الفلسطيني المُشرد خارج وطنه، وتفكيره بالعودة، وتناقش مسألة زواج الفلسطينيين من أجانب، أي غير عرب، والحفاظ على الهوية الفلسطينية. فالهوية خطٌ أحمر لدى سلوى جراح، وعلى سبيل المثال روت قصة الأستاذ في مدرسة مخيم اللاجئين الذي صفع التلميذ على وجهه حين أجاب على سؤال من أي بلد هو فقال "برج البراجنة"، بدلًا من عكا (أرق على أرق صفحة 77).

حاولت سلوى تصوير الصراع الداخلي لدى اللاجئَين حسين ومسعود  اللذين رغبا بالعودة ومخاوفهما من أن يُصدما عندما يشاهدان الواقع في فلسطين (أرق على أرق، صفحة 79)، فصوّرت كيفية الوصول إلى فلسطين والشعور الغريب الذي ينتاب الفلسطيني العائد إلى وطنه عندما يصل إلى مطار اللد.

"فالعودة"، كما تقول سلوى "معناها البدء بحياة جديدة". فعندما أتيحت أول فرصة لعودة عدد قليل من الفلسطينيين إلى وطنهم بعد توقيع اتفاقات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، سارعت سلوى إلى زيارة  فلسطين. فعلت ذلك عدة مرات كانت آخرها في نيسان/أبريل الماضي، فتكوّنت لديها فكرة واضحة عمّا يجري في فلسطين وبالذات في مناطق السلطة الفلسطينية، حيث انعكس ذلك جليًا على روايتها "أرق على أرق". فضايقتها مظاهر الفساد الإداري والمالي الذي شاهدته في غزة ومناطق السلطة الفلسطينية، فلم تتردد في التصدي لهذه المظاهر التي رأت فيها إجهاضًا لحلم العودة بالنسبة للاجئين الفلسطينيين، فكرست جزءًا كبيرًا من هذه الرواية لمحاربة الفساد لدى الفلسطينيين ليس فقط داخل فلسطين، بل حتى تلك النماذج الفاسدة من الفلسطينيين في الخارج التي قدّمتها سلوى لنا في "أرق على أرق". أهدت سلوى هذه الرواية إلى "فلسطين وابنها الذي أرّقه حبها، الدكتور تيسير عاروري" ويستطيع القارئ بعد انتهائه من قراءة "أرق على أرق" أن يفهم سبب إهداء الرواية إلى طيب الذكر تيسير عاروري، المناضل الفلسطيني اليساري والتقدمي الذي قاوم الاحتلال الإسرائيلي بصلابة وناضل من أجل بناء دولة فلسطينية مستقلة وديمقراطية خالية من الفساد.

**الأعمال العراقية

كما أشرت سابقًا ليس من السهل التمييز بين أعمال سلوى الجراح الأدبية التي تتناول كلًا من فلسطين والعراق، فهي فلسطينية حتى النخاع عندما تتناول موضوعًا فلسطينيًا، وعراقية حتى النخاع عندما تتناول موضوعًا عراقيًا.

بل عندما تحدثت عن العراق ووصفت منازل عائلات أبطال وشخوص رواياتها في بغداد والبصرة والموصل فعلت ذلك بدقة متناهية تشي بأنها تكتب عن تجربتها الشخصية وحنينها إلى الأماكن التي نشأت وتعلمت وعملت فيها أو زارتها، تمامًا كما لو أنها تكتب عن وطنها الأصلي فلسطين.

في رواياتها العراقية كشفت سلوى عن حسّ ديمقراطي رفيع ورفض للظلم والتعصب القومي والقبلي والطائفي، وأوضحت أنها رفضت في سن مبكرة الانغلاق أو الانعزالية وتصنيفها على أنها غريبة في العراق، وروت خلال المقابلة معها أنها فيما كانت في أحد الأيام تدافع عن جمال عبد الناصر خلال محادثة مع زميلاتها في المدرسة تضايقت منها إحدى الزميلات التي كانت تكره عبد الناصر وتهزأ منه وفاجأتها قائلة "هَمْ نِزل، وهم تدَبِّج"، أي ما معناه أنه لا يكفي أنها ضيفة غريبة بل تتدخل في أمور أهل البيت وتفرض رأيها تدبك، فصفعتها سلوى على وجهها وتشاجرت معها، فتدخلت مديرة المدرسة التي غضبت عندما علمت سبب الشجار، فأنبّت الطالبة العراقية على ما قالته، وطلبت من سلوى ألا تستخدم الضرب مرة أخرى. تقول سلوى أن تصرف تلك الطالبة كان شاذًا ولم تكن تمثل سوى قلة قليلة من العراقيين. فلم تتأثر سلوى بهذا النمط من التفكير الضيق، وانخرطت بعمق في المجتمع العراقي الذي أحب فلسطين والفلسطينيين لدرجة أنها تزوجت مصباح غازي عسكر، العراقي المتخصص في الاقتصاد وأنجبت منه أحمد ومروان.

وظهر تأثر سلوى جليًا بالأحداث التي وقعت في العراق خلال الفترة التي عاشتها فيه، وكانت شاهدة عيان على أحداث خطيرة ومصيرية مثل ثورة 14 تموز 1958 وسقوط نظام الحكم الملكي الرجعي، وتحول الحكم في العراق إلى جمهوري بقيادة عبد الكريم قاسم، ومحاكمة رموز العهد الملكي التي أشرف عليها فاضل عباس المهداوي، وانقلاب عام 1963 ضد عبد الكريم قاسم وصعود عبد السلام عارف إلى الحكم بمساندة البعثيين والمذابح التي نفذها الانقلابيون فقتلوا الوطنيين والشيوعيين الذين ساندوا حكم عبد الكريم قاسم، ولاحقًا مقتل عبد السلام عارف بتحطم طائرته وصعود أخيه عبد الرحمن عارف إلى الحكم، ثم انقلاب البعثيين على عارف وتسلم أحمد حسن البكر للحكم في عام 1968. ومع أن التقلبات السياسية لم تنته عند البكر، إلا أن سلوى عاشت في ظل حكم البعث طيلة تسع سنوات، تحول خلالها إلى نظام حكم ديكتاتوري رهيب تمت في ظله تصفية أعداد كبيرة من المعارضين السياسيين جسديًا، وتدهورت الأوضاع الداخلية في العراق على نحو دفع مئات الآلاف من العراقيين إلى الهرب والبحث عن مكان للجوء في الخارج. فهذه كانت الخلفية للروايات التي أنتجتها سلوى جرّاح عن العراق، ويصعب فهم قصص الحب التي أوردتها والصراعات النفسية لدى شخوص هذه الروايات إذا لم يأخذ القارئ هذه الخلفية في الحسبان.

في منتصف عقد الستينيات الماضي انتقلت سلوى للعيش في بغداد، فتحدثت عن هذه الخطوة في رواية "صورة في ماء ساكن" فأخذت القارئ في رحلة داخل أحياء هذه المدينة التاريخية، مثل حي المنصور وباب المعظم والكرادة ومدينة الثورة وكامب الصليخ والرصافة وغيرها وكذلك سكان هذه الأحياء، والتعددية الطبقية والدينية والإثنية فيها. ومن خلال صداقة بديعة بطلة رواية "صورة في ماء ساخن" مع سورغول الكردية تقدم الرواية  صورة عمّا تعرض له أكراد العراق من ظلم واضطهاد وتمييز عرقي وتدمير قراهم بغارات جوية.

وكشفت بديعة بطلة الرواية الطالبة في كلية الفنون الجميلة عن حس طبقي مرهف ولم تتردد في حبها لجواد الشيوعي ذي الخلفية العائلية الفقيرة من جنوب العراق، رغم أن أخيها سامي كان عضوًا في حزب البعث، لكن القمع السلطوي البعثي يُرغم جواد على الهرب إلى شمال العراق ومنه إلى الاتحاد السوفياتي، فتنقطع العلاقة بينه وبين بديعة، مما اضطر بديعة إلى الزواج لاحقًا من المهندس عماد عبد الواحد. لكن تدهور الأوضاع الداخلية للعراق يصل حدًا لا يطاق، خصوصًا بعد فشل تجربة الجبهة الوطنية بين حزب البعث والحزب الشيوعي، وفقًا للرواية، واتضاح أن الاتفاقية بين الحزبين لم تكن سوى "كلام وبس، وحبر على ورق" (صورة في ماء  ساكن، صفحة 142). فيبدأ الشباب في الهروب إلى خارج العراق ومن ضمنهم بديعة وزوجها عماد وعدد من أصدقائهما. ففي معرض وصفها لسطوة نظام الحكم الديكتاتوري والفئة المتنفذة فيه تتحدث بديعة عن الذين يتبوؤون المناصب الإدارية في العراق وتصفهم بـ"الجهلة" (المصدر السابق صفحة 189)، وتأتي على ذكر أخيها سامي العضو في حزب البعث فتقول "أخوي ابن أمي وأبوي أخاف أغلط بالكلام أمامه" (المصدر السابق صفحة 191).

وطاب المقام لبديعة وعماد في باريس، حيث تعطي سلوى جرّاح صورة واقعية عن حياة الجاليات العراقية المنتشرة إلى اليوم في الغرب والتي هرب أفرادها من سطوة الحكم القمعي في الوطن ومن الحروب وحقيقة مشاعر أبناء هذه الجاليات. وتتحدث بديعة بتأثر شديد عن همومها كمغتربة فتقول "هل ستعرفني بلادي حين أعود إليها بعد سنين؟ هل سيأتي يوم لا يعرفني فيه العراق؟ كم هو مؤلم أن لا تعرفنا الأوطان، لكن الأكثر إيلامًا هو أن لا نعرفها نحن، حين نعود إليها بعد غياب" (المصدر السابق صفحة 196).

ولم تبخل سلوى عن تقديم نماذج عن مظاهر الفساد الذي استشرى بالعراق في ظل الحكم الديكتاتوري فتروي أن صباح عبو زوج وفاء، صديقة بديعة، أصبح مليونيرًا "لأنه ماشي مع التيار" (المصدر السابق صفحة 204). ولم تقتصر النماذج الفاسدة التي أوردتها على رجال نظام الحكم، بل تسارعت أحداث الرواية وسقط نظام الحكم الديكتاتوري في العراق، فإذا بها تلتقي صدفة في أحد مقاهي باريس بحبيبها الأول جواد، وقد بدت مظاهر التحول واضحة عليه، فصُدمت عندما أبلغها أنه أصبح رجل أعمال ويسعى لعقد صفقات تجارية في العراق، مستغلًا تبدل الأحوال، فغضبت بديعة وغادرت المكان على عجل وفارقت جواد إلى الأبد (المصدر السابق صفحة 216).

تتميز أعمال سلوى جرّاح الأدبية بواقعيتها، وتتعمد في روايتها "أبواب ضيقة" أن تنفي على لسان نوار، بطلة الرواية، أن تكون "أحداث هذه الرواية من وحي الخيال، وأي تشابه في الأسماء والأحداث غير مقصود" (أبواب ضيقة، صفحة 38). وتضيف نوار "تشابه الأحداث فيما أكتب، متعمّد ومقصود بل مطلوب. فالعراق مذ وعيتُ، مسرح لأحداث وحكايا أغرب من خيال معظم مشاهير الروائيين، مهما جنح بهم الخيال" (المصدر السابق صفحة 38). وتمضي نوار قائلة "سأكتب عن الطبقة التي عرفت، وأتركهم يقولون ما يقولونه، فأنا لم أختلق زمنأ ومكانًا وحياة. كل ما أكتب عنه كان موجودًا ومعاشًا. كل ما أرويه يعرفه العديد من أبناء وبنات جيلي، في العراق" (المصدر السابق صفحة 57 و58).

وسرعان ما يكتشف القارئ أن أحداث رواية "أبواب ضيقة" تجري على نفس الخلفية التي جرت عليها أحداث رواية "صورة في ماء ساكن"، لكنها مأخوذة من زاوية مختلفة بعض الشيء. وتروي نوار أن ماسير جان في مدرسة الراهبات كانت تسأل الأطفال عن قدر محبتهم للملك، ولاحقًا بدأت ماسير جان ذاتها تسألهم عن قدر محبتهم للرئيس عبد الكريم قاسم (أبواب ضيقة، صفحة 21). ثم تتحدث نوار عن التغيير الذي طرأ على مناهج التعليم بعد سقوط الملك (المصدر السابق صفحة 50)، ولاحقًا اختلاف الشعارات بعد سقوط قاسم (المصدر السابق صفحة 52). وتصف الصراعات الحزبية والتصفيات الجسدية وتتساءل "من يقرر أن شخصًا ما خائنًا؟ ماذا فعل ليصبح خائنًا" (المصدر السابق صفحة 62).

لم تخف سلوى ضيقها من حزب البعث، ففي حوار بين نوار وفاتن، صديقتها وزميلتها في الجامعة تقول فاتن "نواره هل لاحظت أن كل مرحلة دراسية جديدة بحياتنا لازم يكون فيها حكومة جديدة؟ شنسوي هاي هي". فردت عليها نوار قائلة "اسكتي فتون الوضع لا يتحمل المزاح. هذه المرة الجماعة لن يسمحوا بالمزاح، جاءوا ليحكموا" (المصدر السابق صفحة 107). وعندما طلب ممثل الاتحاد الوطني من نوار المشاركة في احتفال للحزب الحاكم في الجامعة رفضت نوار، إذ أنها كانت منتمية سرًا للحزب الشيوعي وعلى علاقة بطالب شيوعي اسمه صالح. ونتج عن انتسابها إلى الحزب الشيوعي حرمانها من الحصول على وظيفة في مجال تخصصها، إذ قيل لها أن "التخصص بالترجمة الفورية مقصور على  الحزبيين" (المصدر السابق صفحة 132). وعندما أيقن صالح أن حياته أصبحت مهددة في العراق أبلغ نوار أنه سيهرب إلى لبنان واقترح عليها أن تلحق به. كان حبها لصالح جارفًا فوافقت ووصلت إلى بيروت مع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1975، حيث وجدت أن صالح التحق بالحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية اللتين تحالفتا ضد القوى الرجعية والانعزالية في لبنان، وهنا أخطأت سلوى في تصويرها الحرب الأهلية اللبنانية على أنها حرب طائفية (المصدر السابق صفحة 160)،  لكنها انضمت إلى صالح وتزوجته شرعًا وعملت في مؤسسة "صامد" الخيرية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية. لكن صالح أصيب بوعكة صحية واضطر للسفر إلى براغ في تشيكوسلوفاكيا لتلقي العلاج، فرافقته نوار وبقيت معه إلى أن تعافى. فقرر العودة إلى لبنان، لكنها رفضت وأصرّت على السفر إلى بريطانيا، فافترقت عنه وتسلمت منه لاحقًا بالبريد وثيقة الطلاق.

في معالجتها للعلاقة بين نوار وصالح انحازت سلوى الجراح إلى جانب نوار، ربما لكونها امرأة. ففي رواياتها الفلسطينية والعراقية على حدٍ سواء دافعت سلوى عن المرأة المظلومة، وهو موقف يُحسب لها، وعبّرت عن موقفها هذا تجاه المرأة في أكثر من مناسبة في أعمالها الأدبية، ففي روايتها "صورة في ماء ساكن" التي صدرت عام 2014 تقول سلوى "لا أحد يقسو على المرأة مثل المرأة. المرأة تستطيع أن تلغي وجود امرأة أخرى ببضع كلمات" (صورة في ماء ساكن، صفحة 17)، وتضيف لاحقًا "نساء الديكتاتوريين يصبحن مثل أزواجهن" (المصدر السابق صفحة 18). لكنها في "أبواب ضيقة" وبالذات في تصويرها للعلاقة بين نوار وصالح تخطت سلوى حدود الحس الدمقراطي وانحازت في شكل واضح إلى جانب المرأة، وأيدت قرار نوار بالانفصال عن حبيبها الثوري صالح، لأن نوار فضلت البحث عن حياة هادئة بعيدًا عن الحروب والقتل والدمار، وهو أمر مشروع. فعلت ذلك من خلال تصوير قرار صالح بالعودة إلى بيروت على أنه خاطئ وسخرت منه، في حين أن صالح ظل أمينًا لمبادئه وانتمائه الحزبي ووضع هذه المبادئ والانتماء في مرتبة أسمى من علاقات الحب والسعي من أجل حياة هادئة ومرفهة.

فشتّان ما بين الموقفين اللذين صورتهما سلوى جرّاح في روايتيها العراقيتين "صورة في ماء ساكن" عندما انتفضت بديعة ضد جواد لأنه خان مبادئه وسعى لجمع المال، وموقفها من صالح الذي ظل متمسكًا بمبادئه.

الدولة الخفية في العراق

صادق الطائي

ضيفت مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 5 تموز/ يوليو 2017 الاستاذ محمد صاحب الدراجي في أمسية ثقافية تحدث فيها عما اسماه الدولة الخفية في العراق بأعتبارها سياقا من التحالفات السياسية والفكرية وشبكات العلاقات الممتدة في جسد المسألة الوطنية .

الاستاذ محمد صاحب الدراجي ،ولد في بغداد عام 1971،حصل على شهادة الماجستير في الهندسة المدنية من جامعة لندن - ساوثبانك في المملكة المتحدة. حاصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة بغداد. عمل في عدة مناصب تنفيذية في مجال ادارة المشاريع الهندسية في لعراق وبريطانيا والخليج العربي وشمال افريقيا في القطاعين العام والخاص منذ العام 1993. انتخب لعضوية مجلس النواب العراقي لدورتين 2010و 2014. عمل وزيرا للاعمار والاسكان في الحكومة العراقية من نهاية 2010 لغاية 2014.عمل وزيرا للبلديات والاشغال العامة وكالة في الحكومة العراقية 2010-2014 .عمل وزيرا للصناعة والمعادن في الحكومة العراقية من 2015 لغاية استقالته من منصبه 2016. ترأس الهيئة التنفيذية لجمعية الكندي في بريطانيا لسنتين 2006 -2007. يرأس المنظمة التنموية العراقية كمنظمة مجتمع مدني منذ 2008. صدر له مؤخرا كتاب (رماد بابل.. الدولة الخفية في العراق) عن دار الحكمة بلندن.

المقدمة

ابتدأ الاستاذ الدراجي محاضرته بالقول انه اليوم في هذه الامسية بصدد تسليط الضوء على ما تناوله في كتابه (رماد بابل) من موضوعات ونقاط وليس مناقشة كل الحالة العراقية ،ولكنه بالتأكيد سيتناول بعض النقاط بالشرح والتفصيل ،واضاف قائلا ؛اريد ان اثبت بالادلة ان هناك دولة خفية موازية لمؤسسات البلد تعمل على تقويض التجربة الديمقراطية في العراق، لانها لا تخدم الكثير من البلدان، والكثير من الذين خسروا امتيازاتهم في النظام السابق، لان النظام الديمقراطي يشكل دولة ناجحة فعملوا على خرق مؤسسات العراق من خلال منظومة متكاملة في منظومة دولة، ولكنها خفية موازية للمؤسسات العامة عملها توقف اي مشروع، وكل مبادرة، وتعمل على ان تجربة العراق بعد 13 سنة فشلت، هؤلاء كانوا السبب الرئيس اكثر من الاسلام السياسي واكثر من السياسيين، وهناك بعض السياسيين من حيث يدرون او لايدرون اندمجوا مع الكيان الموازي او الدولة الخفية، وهؤلاء ان كانوا لا يعلمون فليغفر الله لهم، وان كانوا يعلمون، فيجب ان يحاسبهم التاريخ والشعب.

اهمية الكتاب الذي يؤلفه المسؤول

الكثير من الوزراء والساسة في تاريخ العراق قد وثقوا فترات حكمهم واستيزارهم في مذكرات، ظلت مقصداً للباحثين عن معلومة ، والطامحين لرواية قريبة من أحداث  شكلت انعطافات حادة في مسيرة البلاد، وساهمت في تحولات كبرى فيها ، وكانت هذه المذكرات في أغلبها سيرة شخصية، تجنب كُتابها التطرق الى مواضيع شديدة الخصوصية، او أحداث شائكة قد تدخلهم في مطبات، ولذا ظلت المكتبة السياسية العراقية، تفتقر الى الدقة المطلوبة، أو الصراحة المرغوبة لكشف عيوب التأسيس، وفشل التجارب السابقة، او إخفاق السياسات التي لم توصل العراق إلى ضفة الأمان.

لكن ما يميز كتاب الوزير محمد صاحب الدراجي، والذي نناقشه في امسية الحوار الانساني أنه يأتي في ظرف استثنائي وخطير من عمر العراق، كما أنه لا يتطرق الى سيرة شخصية للوزير، ولا عرضاً لانجازاته، بقدر ما هو كشف شجاع وجرئ، لواحدة من أخطر " الطفيليات " الكامنة في بطن الدولة العراقية، والتي تعتاش على جسدها، بذرائع شتى، منها النظام العام، وأخرى " قداسة" البيروقراطية المتوارثة، الى ذريعة تمثيل المصالح الاجتماعية، فيما هي في الحقيقة، شبكة منظمة تخترق نسيج الدولة وتبني شبكة مصالحها الذاتية جداً، في عمق المؤسسات، وتختزل " المصلحة العامة" في مصالح طبقة من كبار "البيروقراطيين" الذين ينتمون لولاءات أبعد من الوطن، واعلى من المواطن.

كتاب "رماد بابل " الصادر في لندن للوزير السابق محمد صاحب الدراجي، هو أول سيرة شجاعة، وفضح شديد لما يسميه الدراجي بـ " الدولة الخفية في العراق"، ولعل مفهوم الدراجي الذي نظر له في كتابه هذا، وفضح رموزه وأدواته، يقترب من مصطلح "الدولة العميقة" الذي ظهر في تركيا ومصر وبعض الدول الأخرى، الا انه خصوصية " دولة العراق الخفية" تكمن في أنها ظلت تعمل في الخفاء، وظل رموزها بعيدون عن الضوء والكشف والملاحقة، أنها دولة خفية فعلاً، ولكنها قوية جداً، تخترق الجميع، وتعرقل الكل، وتنتفع من الفوضى، وتساهم في تخريب النظام، بحجة النظام طبعاً .

الكتاب شيق ومثير، كونه يأتي بشهادات وأحداث واقعية عايشها الدراجي عن قرب، وتصارع مع بعض مفاصل الدولة الخفية، وللأسف نجدها انتصرت عليه في مرات كثيرة !"الدولة الخفية" التي يكشفها الدراجي تنتشر بشكل افقي في المؤسسات الدولة، فمن رئاسة الجمهورية الى رئاسة البرلمان إلى رئاسة مجلس الوزراء، مروراً بالقضاء الى مفاصل التشريع والرقابة والتنفيذ .

تجربة في وزارتين

كما تناول الاستاذ محمد الدراجي تجربته المهنية عبر تسنمه وزارتين قائلا ؛ عملت وزيرا للصناعة لمدة ستة اشهر، بينما عملت وزيرا للاسكان لدورة وزارية كاملة ولكنني ارى العكس اذا ما قست انجازات الستة اشهر مع انجازات ثلاث سنوات ونصف سنة، ارى ان انجازات الصناعة توضحت اكثر، فهناك الكثير من المعامل اشتغل، وهناك قرارات استراتيجية اتخذت للبلد مثل التعرفة الجمركية ومنع استيراد الأسمنت ورواتب وزارة الصناعة دفعت، عودة معمل جلود بجودته وعودة معمل ابو غريب للالبان والكثير من المعامل، ولكن لم يكن لديّ وقت.

اما واقع التصنيع الحربي في العراق فنستطيع القول انه واقع موجود، ولكن هناك الكثيرين لا يريدونه، فالعراق الان قادر على انتاج الاعتدة المتوسطة مثلا ونحن نحتاجها بشدة في حربنا ضد داعش . اما الخفيفة والثقيلة فتحتاج شغلًا، فالبنية التحتية موجودة، ولكن لا توجد بعض المكائن التي من الممكن بمبالغ بسيطة ان نجلبها او من خلال الشراكات مع بعض الشركات، وننتج، وستوفر لنا مليار دولار سنويا، فما نحتاجه لا يتجاوز الـ 130 مليون دولار، وهذه جدوى اقتصادية جيدة جدا، ولم تكن ترويجًا اعلاميًا فقط، بل موجودة، وصنعنا قنابر هاون وصواريخ 107، وسواعد ابناء التصنيع الحربي قادرة على الانتاج، ولكن تحتاج قرارًا جريئًا شجاعًا ومقاومة كل من لا يريد هذه الصناعة، ومنهم وزراء اعترضوا على الموضوع، وحاولوا ان يسفهوه من خلال بث الشائعات، وجوابي كان واضحا، وما زلت مصرًا عليه في المسؤولية وخارجها: نعم العراق قادر من خلال وزارة الصناعة والصناعات الحربية على انتاج اعتدة، وليس اسلحة.

مربع الشر

واوضح اللاستاذ محمد الدراجي ان مربع الشر هو: الدول التي تصدر للعراق والتجار ومجموعة من السياسيين الذين دخلوا في عمليات فساد ممنهج وبعض اجهزة الاعلام ، فهؤلاء اذا ما اشتغلوا ضد اي شخص سيعرّضونه الى ضغوط مهولة، مثل الذين يهاجمونه عبر صفحات فيسبوك ويخرجون له لقاءين بالتلفزيون لتسقيطه، والناس يسمعون، ومنها الشائعات التي تعرضنا لها، لاننا تجاوزنا خطوطهم الحمر في وزارة الصناعة، هناك جهات سياسية كاملة لديها جهات اقتصادية تشتغل لهم.

حفل توقيع الكتاب

وبعد ان طرحت العديد من الاسئلة التي انصبت على موضوعات الفساد والدولة الخفية وامكانية معالجة الاوضاع ،والتي اجاب عنها الاستاذ الدراجي بكل اريحية لاغناء مادة المحاضرة  قام بحفل توقيع كتابه لمن يرغب من الضيوف ،وقد كان اقبال الضيوف مميزا. 

فرق يهودية معاصرة

صادق الطائي

صدر للدكتور جعفر هادي حسن كتابه الجديد بعنوان (فرق يهودية معاصرة ) عن دار (لندن تاجز) في لندن بـ 280 صفحة من القطع المتوسط ، والذي يواصل فيه الباحث مشواره البحثي في حقل الدراسات اليهودية الذي تخصص فيه منذ اكثر من ربع قرن،وقد احتفت مؤسسة الحوار الانساني بلندن بالكاتب والكتاب في أمسية ثقافية يوم الاربعاء 23 آب / اغسطس 2017.

والدكتور جعفر هادي حسن  أستاذ جامعي عراقي مختص باللغة العبرية واللغات السامية والدراسات اليهودية، وقد حصل على الليسانس والماجستير في اللغة العربية وادابها من جامعة بغداد ،ثم اتم مشواره الاكاديمي في بريطانيا حيث حصل على البكالوريوس والماجستير والدكتوراه من جامعة مانشستر في اللغة العبرية والدراسات اليهودية. وقد درّس في عدد من الجامعات العربية والغربية كان آخرها جامعة مانشستر. وله عدد كبير من الدراسات المنشورة باللغة العربية والإنجليزية في حقل الدراسات اليهودية نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ؛ (اليهود الحسيديم ..نشاتهم - تاريخهم - عقائدهم - تقاليدهم)و(تاريخ اليهود القرائين منذ ظهورهم حتى العصر الحاضر) و(فرقة الدونمة بين اليهودية والاسلام ) و (قضايا وشخصيات يهودية).

يشير د. جعفر هادي حسن في مقدمة كتابه الى ان الديانة اليهودية اليوم تضم فرقا كثيرة ومتعددة، بعضها مشهور ومعروف للقارئ مثل فرقة اليهود الأرثودكس،وبعضها غير معروفة للقاريء العربي بشكل خاص حيث لم يكتب عنها في المكتبة العربية بحثا او كتابا لحد الان. وقد اشتغل المؤلف في كتابه الجديد على  أطلاع القارئ على بعض الفرق اليهودية المعاصرة غير المعروفة ، والتي مازالت نشيطة وفاعلة في عالمنا اليوم، والظاهرة التي تجمع هذه الفرق هو عدم وجود دراسات باللغة العربية عنها (عدا يهود أثيوبيا – الفلاشا). وأكثر هذه الفرق تنتشر في أصقاع كثيرة من العالم  ولاتتركز في منطقة واحدة. وقد عمل بشكل جاد على أن تضم الدراسة تفاصيل عنها تتناول أغلب جوانبها في العقيدة والتقاليد والممارسة الدينية وغيرها.

ومن الفرق التي تناولها الباحث في دراسته؛  فرقة اليهود الأفارقة الأمريكيين، وهي فرقة أصبحت اليوم كبيرة وذات خصوصية، تميزها كثيرا عن بقية الفرق اليهودية الأخرى. ولذلك توسع في الحديث عنها، وذكر بعض تفاصيل ممارستها الدينية، ويشير الدكتور جعفر هادي حسن الى ان هذه الطائفة لم يكتب عنها دراسة مفصلة بل حتى ولا مقالة واحدة باللغة العربية، ولأن الدراسة عنها قد أصبحت واسعة ومتشعبة، فقد ارتأى تفاديا - لإرهاق القارئ بطولها- أن يقسمها إلى قسمين في فصلين، تحدث في الفصل الأول عن بدايات تاريخ ظهورها وبعض الأفكار العامة التي تتميز بها عن بقية الفرق الأخرى، وكذلك عن ظهور بعض مجموعاتها، التي أخذت تظهر الواحدة تلو الأخرى. وفي الفصل الثاني تحدث عن أحد أشهر مجموعاتها وهي (مجموعة الشعب الافريقي الاسرائيلي العبراني الاورشليمي) التي أصبحت ذات شهرة عالمية، ولها نظرية خاصة بها وخطط لإقامة دولة، تعمل اليوم على تطبيقها.

كما تناول المؤلف بالدراسة في فصل أخر فرقة (يهود أثيوبيا - الفلاشا) وهي من الفرق التي تناولها الإعلام كثيرا وكتبت عنها دراسات باللغة العربية،عدا ما كتب عنها باللغات الأخرى. ولكن على الرغم مما كتب عنها باللغة العربية، فإن الموضوع ظل يفتقر إلى بعض المعلومات المهمة، وهي معلومات حري بالقارئ أن يطلع عليه ويستفيد منها، ولهذا السبب تناول المؤلف موضوع الفلاشا في الكتاب وخصص له فصلا.

كما ان من الفرق غير المعروفة للقارئ  والتي تناولها الباحث مفردا لها فصلا في هذا الكتاب هي فرقة تعرف بالإنكليزية ( Messianic Jews) والتي كانت تترجم احيانا بـ (اليهود المسيحانيين)  ولكن د.جعفر هادي حسن ارتأى ان يطلق عليهم اسم "اليهود اليسوعيين"، حيث يرى أن هذا الإسم أكثر صحة ودقة، وأقرب لمعناه المقصود بالإسم الإنكليزي، ويخبرنا انها فرقة ايضا لم يتم تناولها بالدراسة والبحث في المكتبة العربية سابقا ،وما تختلف به هذه الفرقة عن غيرها من الفرق اليهودية هو أنها لا تؤمن بمسيح يهودي مخلص يأتي في آخر الزمان كما هو الحال او المتعارف عليه في مختلف الطوائف اليهودية ،بل  تعتقد كما يعتقد المسيحيون، بأن الذي سيظهر هو عيسى المسيح ،او يسوع المخلص بالمصطلح المسيحي، وسيكون ظهوره في نهاية الزمان هو الظهور الثاني بعد الأول، الذي حدث قبل ألفي عام ،كم ان لهذه الفرقة تفصيلات عقائدية وسلوكية وممارسات دينية تميزها عن بقية الفرق اليهودية.

كما تناول المؤلف  فرقة تعتبر حديثة إلى حد ما، حيث ظهرت في منتصف القرن الماضي، وهي أيضا من الفرق اليهودية غير المعروفة للقارئ العربي،وهي الفرقة التي اطلق عليها اسم (اليهودية البشرية)،ترجمة للتسمية الانكليزية  ( Humanistic Judaism ) وافراد هذه الفرقة يعتقدون إن الديانة اليهودية أسسها اليهود أنفسهم (البشر) ولم تأت من وحي أوحى به رب، بل هم لا يعتقدون بوجود رب، بل ولا يعترفون حتى بآباء بني إسرائيل القدماء مثل يعقوب واسحق  وداوود، ولا يعتقدون حتى بموسى ويعتبرونهم رموزا اسطورية لا وجود لهم، ولهذه الفرقة اليوم أتباع في كثير من أقطار العالم، ولهم عشرات المراكز للعبادة حتى في إسرائيل، ويمكن للقارئ  ان يطلع خلال قراءته للكتاب على تفاصيل أخرى تتعلق بهذه الفرقة .

كما تناول د. جعفر هادي حسن بالبحث فرقة يهودية اخرى أنشأها واعظ ياباني، اسمه (إيكورو تشيما)، والفرقة اسمها"مكويا". وهي كانت قد ظهرت في منتصف القرن الماضي على أنها فرقة مسيحية تتميز ببعض المعتقدات والتقاليد، التي تختلف عن الفرق المسيحية الأخرى، فهي تعتقد بالأصل اليهودي للمسيحية، وترى بأن فهم المسيحية يعتمد على فهم اليهودية والتاريخ اليهودي وغيرها من أفكار، ولكنها بمرور الزمن أخذت تميل إلى اليهودية أكثر، وتمارس بعض معتقداتها المهمة، مثل السبت كيوم للراحة وكذلك الأعياد اليهودية وغيرها، وتتبنى أهم رموزها، مثل المنوراه ونجمة داوود وغيرهما، وهي اليوم تستعمل أسماء يهودية لأعضائها، إضافة إلى أسمائهم اليابانية.كما ان زعيمها الذي خلف المؤسس صرح أكثر من مرة بأن فرقة "مكويا" هي فرقة يهودية، بل ادعت الفرقة أن أصولها تعود إلى إحدى قبائل بني إسرائيل الضائعة (قبيلة زبولون)، وهي منذ بداية ظهورها تتبنى الأفكار الصهيونية، فيما يتعلق بأرض فلسطين، وهي تساند إسرائيل ماديا ومعنويا وتؤيد سياساتها. لهذا تناولها الباحث باعتبارها من الفرق اليهودية على الرغم من نشأتها المسيحية، لأنها في واقعها وممارستها فرقة يهودية.

كما ان د.جعفر هادي حسن قد استثنى من الفرق المعاصرة في كتابه الجديد ما كان قد تناوله بدراسات مفصلة في كتبه السابقة مثل اليهود القرائين والدونمه والحسيديم، أو التي كتب عنها دراسات مطولة كالحريديم، إذ يمكن للقارئ المهتم بهذه الفرق أن يراجعها في الدراسات المشار لها. كما لم يتناول بعض الفرق المعروفة مثل فرقة اليهودية الإصلاحية والمحافظة وغيرهما، لأنه يعتقد ان كلا منها تحتاج إلى دراسة مطولة لو أضيفت ستثقل الكتاب حجما وسترهق القارئ، الذي قد يشيح بوجهه عنه بسبب ذلك، بل ولايرغب في قراءته، ولذلك ارتأى د.جعفر هادي حسن أن يعمل على دراسة هذه الفرق في كتاب مستقل سيظهر مستقبلا. وكما يتضح من عنوان الكتاب (فرق يهودية معاصرة) انه يخلو من اداة التعريف كناية عن ان الباحث متعمدا وضع العنوان بصيغة المجهول لانه تناول بعضا من الفرق اليهودية المعاصرة وليس جميعها وانه يعد القاريء بدراسات قادمة سيتناول فيها مالم يتم تناوله في هذا الكتاب.                                    

سماح عادل

ولد “طه باقر” في 1912 في مدينة الحلة، العراق، أكمل دراسته المتوسطة هناك، وعائلته كانت معروفة بسعة علمها، لذا حرصت على تدريسه اللغة العربية، فدرس النحو والصرف على يد عمه ووالده، اجتاز دراسته الثانوية عام 1933 بتفوق حيث كان من الأربعة الأوائل، واختير كأحد طلاب البعثة، وتقرر دراسته علم الآثار على نفقة وزارة المعارف في المعهد الشرقي في جامعة شيكاغو بأمريكا، وبعد أربع سنوات حصل على شهادة البكالوريوس والماجستير، والعلوم التي درسها هناك هي: علم الانثربولوجي، ومواد الآثار والتنقيب، والتاريخ القديم، واللغات التي كتبت بالخط المسماري كالسومرية والأكدية وفروعها البابلية والأشورية، وأيضا العبرية، وكان لدية علم باللغة الفرنسية والألمانية وقد مارس أعمال الحفر والتنقيب عن الآثار وهو لا يزال في أمريكا.

العودة إلى العراق..

عاد من أمريكا 1938 وبعد فترة قصيرة تعين بدرجة خبير فني في مديرية الآثار القديمة العامة، واستمر بها حتى 1941، حيث تقلد منصب أمين المتحف العراقي، وبعد قضاءه بوظيفة أمين متحف إحدى عشرة سنة تقلد في عام 1951 منصب معاون مدير الآثار العام واستمر فيه حتى 1958، حيث تعين بمنصب مفتش الآثار العام ولكنه لم يستمر في المنصب الجديد سوى شهور معدودة حتى عين مدير الآثار العام واستمر في المنصب حتى1963، ولقد كان يعاني من عدم تفهم المسئولين لأهمية الآثار، أيضا كان “طه باقر” عضوا في هيئة تحرير مجلة “سومر” ورأس تحريرها في   1958حتى 1963.

في مجال التدريس قام بتدريس مادة التاريخ القديم والحضارة في كلية المعلمين العالية حتى 1960، وذلك لبث الوعي الآثاري في العراق، كما  يرجع له الفضل في تأسيس قسم الآثار في كلية الآداب وقد درس به مادة التاريخ القديم واللغات القديمة.

في عام 1951 حصل “طه باقر” على درجة أستاذ في كلية الآداب واستمر بها حتى 1959، حيث حصل على درجة الأستاذية، وكان بالإضافة إلى ذلك عضوا في المجلس التأسيسي لجامعة بغداد في الفترة ما بين 1957:1958، وقد شغل في هذه الفترة أيضا منصب نائب رئيس جامعة بغداد، وقد أشرف على عدة تنقيبات آثارية، وترأس الهيئات الآثارية التي نقبت أكثر من منطقة في الأربعينات وحتى الستينات.

وبعد تقاعده ذهب إلى ليبيا حيث عين 1965 بمنصب خبير فني في مصلحة الآثار بليبيا، وفي 1966 أصبح مستشارا في نفس المصلحة حتى 1970، وفي 1970 طلب منه رسميا العودة إلى العراق بعد قضاء خدمة خمس سنوات في ليبيا، وقد خيره مجلس قيادة الثورة في نوعية العمل الذي يرغب في القيام به وفضل التعيين كأستاذ قسم الآثار في جامعة بغداد، وفي 1971 عين عضوا عاملا في المجمع العلمي العراقي، واستمر بمرتبة أستاذ في جامعة بغداد كلية الآداب من 1970 : 1978 حتى تقاعده.

منذ عام 1980 ساءت حالته الصحية وسافر على أثرها إلى بريطانيا للعلاج إلا أنه توفي بعد عودتهِ، في سوريا بمنطقة معلولا، ودفن في العراق وكان ذلك يوم 28 شباط 1984.

ترميم الذاكرة العراقية..

يعد “طه باقر” من أبرز العاملين في مجال ترميم الذاكرة العراقية وصلتها بتاريخها الحيوي المتحرك الحي والمنتج، فقد عمل في مجال التاريخ القديم وعلى الأخص تاريخ العراق، لقد ركز على إعادة صورة الجماعة العراقية المنتجة والجدية في تفاعلها القديم مع بيئتها الطبيعية والاجتماعية، لقد كانت الدولة العراقية الحديثة والتي عاش بداياتها وفتوتها “طه باقر” مدعاة للنظر في تاريخ هذا الإنسان العراقي وكيف أبدع ألمع حضارات العالم القديم قبل وقوعه في براثن الانحطاط العثماني، لقد ربط “باقر” بين التاريخ وعلم الآثار ربطا وظيفيا، فالآثار لديه ليست حجرا أصم يؤرخ لأزمان جامدة ومعزولة، إنه تعبير متحرك عن واقع بحاجة دائما إلى إغناء مضامينه الإنسانية بالكشف والتنقيب عن إمكانات الإنسان العراقي وقدراته الإبداعية.

ومثلما أسس الفرنسيون علوم التاريخ والآثار في مصر كذلك فعل الإنكليز والفرنسيون أيضا في مجال الآثار العراقية، ولقد كانت جهود العاملين بالآثار من الأجانب هامة فقد حفزوا ونبهوا بلداننا على الاهتمام بتاريخها القديم، إلا أن ذلك لا ينفي جملة من السلبيات التي فطن إليها “باقر” في عمل هؤلاء، فبالإضافة إلى أعمال القرصنة والتهريب التي قام بها بعض من العاملين في هذا المجال فإن نظرتهم إلى التاريخ العراقي وقراءته بآثاره كانت لا تلاءم المعنى الذي يبغيه المؤسسون العراقيون للتواصل مع حضاراتهم الأولى، وفي أول انطلاقته صرح “باقر” بقوله الشهير “نحن العراقيين علينا أن نكتشف تاريخنا بجهدنا ودماغنا والمنطق الذي نحمله”.

أهمية مؤلفاته..

تعد موسوعة “تاريخ الحضارات القديمة” بجزئيه من أهم المحطات العلمية في تاريخ ” طه باقر”، فقد صدر الكتاب بمجلدين عام 1951 وقد اختص الجزء الأول منه بتاريخ العراق وحضارته منذ أقدم العصور الحجرية حتى أواخر أيام الدولة البابلية الحديثة عام 536 ق.م، فيما يتعلق الجزء الثاني بحضارة وتاريخ وادي النيل وجزيرة العرب والشام، ويعد الكتاب بمجلديه من أهم المصادر العالمية التي كتبت في الموضوع ولم ينافسه أي كتاب آخر في هذا المجال حتى الآن، وقد أعيد طبعه أكثر من عشر مرات وما يزال مطلوبا من القراء والمختصين حتى الآن، ومقررا في أغلب الجامعات العربية وبعض العالمية، كما يشكل مرجعا لا غنى عنه للقارئ العام والمختص وطلبة الدراسات العليا وأساتذة التاريخ والآثار.

ملحمة كلكامش..

في عام 1962 أصدر “باقر” كتابا شكل هاجسا معرفيا ونفسيا له، هذا الكتاب هو “ملحمة كلكامش” الذي طبع أكثر من ست طبعات وما يزال حتى اليوم يحظى بالقراءة والإقبال والترجمة، لقد أتحف المكتبة العربية في ترجمته وتحقيقه لهذه الملحمة الفريدة في تاريخ الحضارات القديمة، لقد قدم “كلكامش” إلى الثقافة العالمية وفرضه بقوة منذ صدور هذا الكتاب حتى غدا بعد ذلك شخصية حاضرة في الآداب والفنون والخيال الشعبي.

فضل مجلة سومر..

أثمرت جهود “باقر” والمنسجمة مع التنظيمات الإدارية الباحثة عن الكفاءة والموهبة في ذلك الوقت عن صدور أرفع مجلة في التاريخ والآثار هي مجلة “سومر”، لقد حظيت هذه المجلة باهتمام كل المختصين بالآثار على رقعة الوطن العربي والعالم، وقد صدرت فصلية بانتظام رصينة في موادها عميقة في تناولها عراقية في همومها ومشاغلها، وبقي “باقر” ينشر في هذه المجلة حتى وفاته، وفي كل دراسة من دراساته جهد علمي يتلقفه المختصون وعامة القراء بشكل يشيع أجواء المعرفة الحقيقية وكيفية تحقيقها للذات والمجتمع.

أدب العراق القديم..

وكان كتابه “مقدمة في أدب العراق القديم” موجز في تاريخ العلوم والمعارف في الحضارات القديمة والحضارات الإسلامية، من تراثنا اللغوي القديم؛ وما يسمى بالعربية بالدخيل، ولهذا الكتاب قصة طريفة إذ يرد فيه “طه باقر” على عجز المعجمين العرب عندما تعوزهم الحيلة في إثبات أصل أو جذر بعض الكلمات والمصطلحات فيردوها نتيجة لهذا العجز إلى الدخالة أو العجمة، لقد أثبت “باقر” أصول هذه الكلمات والمصطلحات السومرية والأكدية، وبعضها شائع في اللغة العامية العراقية لا سيما في الجنوب العراقي.

كما ساهم في ترجمة الكتب التي تؤهل طلبة الدراسات العليا للبحث والتنقيب ومنها؛ “بحث في التاريخ” للمؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي، وكتاب “ألواح سومر” الشهير لنوح كريمر، وكتاب”الرافدان”، وكتاب “الإنسان في فجر حياته”، إضافة إلى ترجمتهِ فصول من كتاب “تاريخ العلم” لجورج سارتون.

عمله في التنقيب..

أكتشف “طه باقر” بعض المواقع الأثرية القديمة في بغداد، ومنها موقع “تل حرمل” وهي التسمية الحديثة لهُ إذ كان يسمى “شادوبوم”، وكان في الماضي مركزا إداريا تابعا إلى مملكة “إشنونة” والتي كان مركزها “تل أسمر” الواقع شرق بغداد في محافظة ديالى، ويقع قريبا منها “تل محمد” الذي كان يسمى “بنايا”، وكلا التلين الأثريين يقعان في منطقة بغداد الجديدة، وعثر على رقم طينية منها لوحين طينيين في حفريات آثار “تل حرمل” وسجلت فيهما مواد وأحكام قانونية، وتحتوي هذه المواد القانونية التي عثر عليها على أحكام مختلفة في السرقات والاعتداء والديون والأحوال الشخصية والأجور والأسعار والبيع والشراء إلى غير ذلك من الشؤون القانونية، ومما ذكره “طه باقر” في بحث لهُ في قانون “أشنونا “المكشوف عنه في “تل حرمل”: “أن قانون مملكة أشنونا المعثور عليه في تل حرمل أقدم القوانين المدونة والتي جاءتنا من العراق القديم، وكان قانون حمورابي إلى زمن قريب أقدم شريعة في تاريخ البشر، ثم بدل هذا الرأي بعد استكشاف أجزاء من قانون سومري يعود إلى الملك لبث عشتار وبما أن القانون المستكشف في تل حرمل أقدم زمناً من حمورابي بنحو من قرنين فيكون بذلك أقدم شريعة كشف عنها البحث حتى الآن”.

ومن أعماله “باقر” الطويلة في الرقم الطينية المسمارية تجمعت لديه مجموعة كبيرة من المفردات اللغوية الواردة في تلك النصوص في اللغة السومرية والأكدية مما نجده الآن متداولا في لغتنا العربية وفي معاجمها التي تؤصلها على أنها أعجمية أو دخيلة وهي تخص مختلف شؤون الحياة، كالمعاملات التجارية وأسماء الآلات وأدوات الزراعة وأسماء مجموعة مهمة من الأشجار والنباتات والأعشاب الطبية وبعضها كلمات يقتصر استعمالها على اللهجة العامية العراقية، ولهذا فإن تلك المفردات استحقت أن تكون واحدة من أهم مؤلفات “باقر” المعنون “من تراثنا اللغوي القديم ما يسمى في العربية بالدخيل” الذي يعد واحدا من المؤلفات الطريفة والنادرة في حقل الدراسات اللغوية المقارنة.

يقول عنه الباحث والمؤرخ حميد المطبعي في أحد البرامج التليفزيونية التي خصصت عنه في قناة الاتحاد” في عام 1941 عين طه باقر أمينا للمتحف العراقي، فهو أول من أنقذه من العبثية والإهمال، إذ وضع له منهجا علميا في عرض الآثار بحسب تسلسل أدوارها التاريخية والحضارية، وكان يستند في ذلك علي خبرته في التنقيب ودراسته للغات القديمة ووعيه الجدلي لأدوار حضارة العراق مدعوما بقراءته المتعمقة لإثبات الملوك ألواح سومر وبابل وحله ألغاز اللغة السومرية، وكان من نتائج منهجه هذا أن أخذ طلبة قسم الآثار منذ تأسيسه 1951 يطبقون علومهم في المتحف العراقي علي ما سَنَّهُ لهم طه باقر”.

مبادئ مدرسته..

يضيف حميد المطبعي”من مبادئ مدرسته الآثارية أن الحضارات التي قامت علي أرض العراق هي من جذر عراقي أقدم فأقدم، وأن الغزاة الذين غزوه لم يتركوا أية بصمة من بصماتهم عليه وإن أطالوا السفر في ربوعه، مما يدل علي أن الأصالة العراقية ترفض الدخالة أو (النغولة) مهما عظم شأنها وقوتها الزمنية، وأراد طه باقر من تأصيله للحضارة العراقية أن ينبه الأجيال الآثارية الجديدة بأن وطنية الآثار مزكاة في أي باطن عراقي، فهي الوطنية بعد ذلك لا تباع ولا تشتري، وكان رأيه أنه علي الآثاري العراقي أن يمارس التنقيب أي الحفر في أعماق الأرض، فبالصراع مع التربة والتقليب ومعاناة الاكتشاف يستطيع أن يتأمل ثم يستقريء ثم يستنبط، فإذا مر بهذه الأدوار استطاع أن يكتب بحثا ثم دراسة ثم يؤلف نظرية أو اجتهادا خاصا به، فعن طريق جهد الوعي بالأرض تنبثق المعرفة الآثارية، وعن طريق الاستدلال نتوصل إلي معرفة ما هو الصحيح وما هو الخطأ في آثارنا”.

ويضيف” لقد نقب طه باقر كثيرا في جميع مراحله، ليس هواية بل أراد أن يبرهن لزملائه وطلاب الآثار في الجامعة بأن التنقيب هو عين التاريخ الفاحصة الأمينة، وبأن التاريخ لا يكتب إلا بين طبقات الأرض المملوءة بفرح الأجداد أو منجزاتهم الأولي، وقد نشر نتائج تنقيباته في مجلة سومر ودوريات عربية أخري، كما ترأس بعثات تنقيبية عديدة وعاش في الجبال والصحاري والسهول في خيم تحت رحمة الرياح والعواصف، مازلنا نتذكر نتائج تنقيباته وهيئاته في تلال اليوسفية وبطائح الكوت ورمال عقرقروف وتل حرمل وفي مناطق شهرزور ودوكان، وكان يرافقه في أثناء ذلك قلم ملون وخريطة وأزميل وفأس ورزمة من الشمع ورزمة من كتب الحضارات، وأحيانا كان يرافقه جوع وخوف من الضواري والثعابين”.

زمن الوثيقة..

وعن كيفيه معرفته بزمن الوثيقة يقول حميد المطبعي”كان يذهب إلي ذلك بطريقة تعيين الحدين الأدنى والأعلى في زمن الوثيقة بالنظر في الحوادث المذكورة فيها، وله في ذلك أبحاث عديدة، فالحد الأعلى عنده هو الزمن الذي لا يمكن أن تكون الوثيقة قد كتبت قبله، والحد الثاني أي الزمن الذي لا يمكن أن تكون الوثيقة قد كتبت بعده، ومن ذلك يقول طه باقر “أننا سنحصل بين هذين الحدين علي تاريخ تقريبي للوثيقة المجهول زمن تأليفها”.

عن رأي طه باقر في مصادر التاريخ القديم يقول المطبعي”حدد طه باقر هذه المصادر:

1- الكتب المقدسة ولاسيما (التوراة) اليهودية وهي أول من تحدث عن العراق القديم وطه باقر أخذ الحذر من نقل أخبارها لأنها مشوبة بالخيال والأساطير، وفيها عصبية وعداء للعراق التاريخي.

2- المؤرخون الكلاسيكيون أمثال هيرودوتس وزنيفون ومن جاء بعدهم بقليل وهؤلاء هم أيضا يخلطون الواقع بالأسطورة وتشم من كتاباتهم رائحة الكراهية لحضارة العراق وخاصة ما جاء في تاريخ هيرودتس (تاريخ العالم) بعشرة أجزاء خصص الأول منها لتاريخ بابل.

3- كتب الرحالة الأجانب ولاسيما رحالة أوربا الذين وصفوا العراق منذ القرن الثاني عشر الميلادي ومنهم (بنيامين التطيلي) 1160م، وغالبية شروحاتهم مدسوسة ومختلقة.

4- التنقيبات والتحريات الآثارية وبدأت علي أيدي قناصل الدول الأجنبية وأشهرهم: (بوتا ) و(لايرد) و(رولنصن) منذ عام 1842م. وكانوا قد وقعوا في أخطاء قاتلة ثم سرقوا آثارنا”.

كيف كان يؤرخ؟

وعن طريقة “طه باقر” في التأريخ يقول المطبعي” تمر الكتابة التاريخية في ذهن طه باقر بعدة مراحل تركيبية، وهي:

1- تخيل الحقائق وتصورها في العقل. إذ يجعل الآثار القديمة صورة مصغرة لحاضره ويبدأ بها من الافتراض إلي التحليل.

2- تنسيق الحقائق ونجمع فيما بينها أولا ثم تقسيم الحقائق إلي مجاميع وأجزاء متشابهة بحسب مواضيعها.

3- القدرة الاجتهادية ويسميها الاستنتاج التاريخي ويحدث ذلك عندما يكتشف أن هناك فجوات بين حلقات التاريخ أو الماضي وهذا الاجتهاد إما عقلي وإما منطقي.

4- مرحلة استخراج القواعد العامة للوصول إلي (التدوين) أي تأليف المادة وعرضها عرضا فنيا ومنهجيا.

وكانت طريقته الخاصة قائمة علي العرض والتحليل وخيال الذاكرة وتحوير النص الأجنبي وتكيفيه مع الذهنية العربية، ولأبحاثه سحر الأداء ومتانة النص، ويكفيه فخرا أنه أنجز لنا موسوعة (في تاريخ الحضارات القديمة) بأجزاء عدة ابتداء من عام 1945 وطبعت له بمجلدات في 1986، وأنه أول باحث عراقي رائد قدم للمكتبة العالمية (تاريخ العلوم والمعارف في الحضارات القديمة والحضارة العربية) وابتدأ بتأليفه منذ سنة 1951 وطبع له سنة 1980، وأول عراقي ترجم لنا (ملحمة كلكامش) 1945 وطبعت بطبعات عدة 1962 و1971 و1975، وقدم الكتاب بمقدمة عرفتنا علي لغة ومفهوم لماذا العراقي شجاع وبطل ومفسر ظواهر.. وكان القارئ العراقي يحب أن يتشبه بكلكامش بعد نهايته من قراءة الملحمة بل كان طه باقر هو الذي صاغ وكتب الملحمة وليس الرواية كلكامش لبراعته في الترجمة وتقريب التاريخ، وقدم لنا رائعته الفاخرة بعنوان (المرشد إلي مواطن الآثار والحضارة) بستة أجزاء 1962- 1966 وكان يفترض أن تصدر بـ (14 رحلة) لولا حصاره من قبل الأنظمة والتحاقه بالجامعة الليبية للاستشارة والتدريس، وكان في رائعته هذه يطوف علي مدن وقري شمالي العراق ويتحدث عن بواطنها الحضارية مرة بأسلوب الرحالة الجميل ومرة كعالم آثاري يستنطق الحجر الأصم ومرة كمؤرخ يدون أيامه علي الطبيعة ثم يهتف (أتذكرون أنني العراقي وعالمي هو الكون)

ويواصل المطبعي”وعدا كتبه (العشرين) في التاريخ والآثار ترجم ونقد واستنبط وحبر وصحح التواريخ. وشارك في عشرين مؤتمرا عالميا وعربيا كان هو المبرز بين علماء المتاحف العالمية، وفي كل مؤتمر كان يحكي ملحمة العراق أو ألق القدامى”.

 

 

 

«يجب تحرير الروح من لباس العدمية لكي تنتشر في ثقافة الإختلاف، لأنه بدون إختلاف فكري تموت الحرية والإنسانية فبأي معيار تصبح الفلسفة هي الضامن للحرية 

والفكر؟ وما علاقة الحرية والفكر بالنهضة الثقافية؟ بل ما هي أهمية هذه النهضة في بناء الحوار والإختلاف والتعدد؟

بإمكاننا أن ننطلق من ثقافة الإختلاف كأصل مشترك لتجليات الروح في الفلسفة والشعر والرسم والموسيقى والعلم، لأنه بدون هذا الأصل تختبئ الروح في مأوى العدمية، وينهار سكن الوجود الذي يخشى ضياع اللغة في ليل التعصب، ولذلك نتساءل بدهشة فهل نستطيع أن نثير السؤال المتعلق بحقيقة فكر الإختلاف دون إثارة فلسفة الإختلاف؟

مهما يكن من أمر، فإن تضليل الناس أسهل من تعليمهم إرادة المعرفة، وتشجيعهم على البحث العلمي ومحبة الحقيقة، ولذلك نجد التيار الظلامي ينشر التعصب الديني، والاكراه الأخلاقي لأنه يقوم بتمزيق الكينونة وتحويل الإنسان إلى حيوان يعيش باللذة من خلال إشباع الرغبات في عالم عديم الاحساس، عالم فارغ من الحقيقة، يغرق في الفوضى. منفصلا عن أسئلة الوجود والمعرفة، غير قابلة للاختبار، إنه خاطئ ويناقض نفسه، ولذلك ينتظره الزوال، لا يستحق معاناة التفكير، ولعل هذه الحقيقة تنتشر بواسطة قواعد أخلاقية مغلفة بلمسات مقدسة، ذات نزعة عدمية، تقود إلى انتشار خيبة الأمل، واحتقار المعرفة العقلانية .

بدون هدف، تتوجه نحو تدمير النهضة العقلانية، وتشريد الفلاسفة بطريقة وسطوية، فالتيار العدمي المتشدد لم يعد يطيق العيش في العالم الحديث، ولذلك يسعى إلى هدمه، من خلال نشر التطرف، والحروب والرعب، والشاهد على ما نشاهده الآن. لكن بأي معنى تصبح العدمية هي براديغم هذه المرحلة؟ ومن يساهم في انتشارها بهذه السرعة؟ ألا يكون هذا التيار الوسطوي الذي تحتمي به السلطة هو المسؤول عن ذلك؟ بل أكثر من هذا، كيف تستطيع مواجهة العقلانية والثورات العلمية؟

والحال أن التيار العدمي تحول إلى مستوصف مفتوح في وجه العدميين الجدد، من أجل الشفاء من مرضى الصرع، هكذا يحيط بصدده الغموض وانعدام تمييزه عن الحزب السياسي، أو الناطق الرسمي بالإيديولوجية الرسمية، ومقرات اشغاله، لأننا نوجد أمام تداخل بين الزوايا والحقل الديني منذ تجربة سيدي رحال وبويا عمر، حيث الكرمات والكشوفات الروحية، بمعناها الاسطوري، ما زالت تنتشر إلى يومنا هذا، بل أخذت شكل حكومة تسير البلاد، ولذلك تجد رئيسها يدعي بتحكمه في سقوط المطر، وأثمنة المحروقات والدواء. فهذه المعجزات تجعله يخترق قلوب الأتباع. هكذا تتحول العدمية إلى نعمة في هذا الزمن الرديء.

من أجل بناء مشروع النهضة العقلانية، ينبغي تحرير السياسة من القداسة، ذلك لأن السياسة هي حياة الدولة، والمحرك الأول للنهضة الثقافية، إذ انطلاقاً من مؤسساتها ينتشر التنوير والوعي التاريخي، إنهما الشيء نفسه، لعبة الحقيقة مع ذاتها، والحقيقة لا تمتلك هويتها إلا حين تتحقق في الواقع، والواقع هو الوعي الذاتي، الذي يعلن عن عصر العقل، والكشوفات العقلانية. وهو لي الذات الفاعلة. هكذا ستحترق جمود الأمكنة الفارغة والأرواح الميكانيكية وتحفيزها على السقوط في أحضان المعرفة، حين توجه حواسها نحو فن الاستمتاع لكلمات الفكر. وهذه الكلمات نفسها هي مسكن الحقيقة .

ما أمتع هذا المسكن الذي يحمي الروح من التيار العدمي، الذي حول الأمة إلى فرجة مسرحية مثيرة للدهشة والسخرية في الآن نفسه لأنها تخلت عن أسسها العقلانية، وتنازلت بذلك عن الحق في النهضة الفكرية في مقابل نهضة الأولياء والأضرحة. التي ذبُلت بسبب الروتين الفقهي وثقل التدين الشعبي، والافراط في تقديس الطقوس الخرافية، مما حكم على المجتمع بروح الخرافية، وفرض القيم القديمة على الحياة الجديدة. فالغاية تتحول إلى انعدام الغاية .

ينبغي ان نسرع الخطى لكي نلتحق بالزمن، وخاصة وأن الزمان ينفلت، ويستحيل ترميمه، فمن ابن رشد إلى الجابري مروراً بمجد عزيز الحبابي، استهلك المغرب كل هذه القرون تحت رحمة التيار العدمي، وتأخر على الموعد مع النهضة العقلانية، ولذلك يتعين علينا الآن أن نرتاح من الثرثرة لأنها مجرد إناء فارغ، ونفسح المجال لحكمة الصمت. فالسياسي الثرثار يعاني من مرض الصرع، ولذلك لا يسمع للآخرين، مما يحكم على الحوار بالزوال. بيد أن الذين يستمعون إليه يتمتعون بالخطابة، لأنهم في حاجة إلى العلاج من مرض الهذيان والهستيريا، هكذا يحرر الخطاب الانفعالي التوتر والانفجار والاغماء الذي يعقب الطاقة العصبية الكابتة، فيشعر المنجدب بأنه ألقى بهمومه في النسيان، وأصبح مطمئنا للمستقبل الشقي الذي ينتظره .

هكذا تتحول بعض الأحزاب السياسية إلى مستوصف لعلاج الأمراض النفسية، والزعيم هو الطبيب، والخطابة هي الدواء الفعال. وهكذا يتم استثمار الأرواح المريضة، من أجل الوصول إلى السلطة، وبما أن المرضى يحكمون الأصحاء، فإن إشكالية النهضة العقلانية ينبغي أن تنطلق من إشكالية الانسان غائباً، كلما كانت النهضة مستحيلة. والشاهد على ذلك أن الشعوب التي حققت نهضتها الفكرية، انطلقت من الإنسان لتصل إلى الإنسان، لكن أي إنسان هذا الذي نريده لتحقيق النهضة العقلانية في المغرب؟ وكيف يمكن الوصول إليه؟ بل ما الذي ينقصه لكي يصبح إنساناً في مستوى تطلعات الفكر النهضوي؟

إنها أسئلة متأثرة بجراحها العميقة، ولذلك لا تسعى إلى مواجهتها بإجابات مؤقتة، لأن الانتقال من الوعي الشقي إلى الوعي بالذات لا يتم في الزمان، بل في الوجود، إنه انتقال انطولوجي، والمغرب في أمس الحاجة إلى هذا الانتقال، وإلا سينهار. وليس من العيب أن نشير إلى الأخطاء، فالعيب كل العيب أن تظل هذه الأخطاء مهيمنة على التاريخ المعاصر، وإذا كان تاريخ المغرب هو تاريخ للأخطاء، فينبغي عليه أن لا يصحح هذه الأخطاء، بل أن يدمرها ويحدث معها قطيعة انطولوجية وابستيمولوجيا .

يا له من زمن عجيب من الميول والنزعات المتقابلة أشد التقابل، لأنه عوض أن يقود نحو التعدد الثقافي والاختلاف الفكري، توجه نحو التعصب الديني، مع العلم أن التعصب كان هو سبب إنهاء المدرسة الرشدية في المغرب، ولذلك نجد رينان في كتابة «ابن رشد والراشدية» يقول بتهكم «الآن يُدرك السبب في أن ابن رشد، الذي كانت له سلسلة طويلة من التلاميذ لدى اليهود والنصارى مدة أربعة قرون، والذي برز اسمه عدة مرات في معركة الذهن الإنساني لم يؤسس له مدرسة عند مواطنيه، وهو أشهر العرب في نظر اللاتين، قد جهل من قبل أبناء دينه تماما». وبما أن هذا الجهل كان يتجه لذلك العمل المشؤوم للتعصب الديني، فإن استمراريته إلى يومنا هذا، قد حرمت المغرب من نهضته العقلانية، وليس من العيب أن يكون ابن رشد هو محرك هذه النهضة، انطلاقا من أسئلته الفلسفية، التي لا تموت، لأنها تنتمي إلى ذلك الأصل الذي انطلق منه ينبوع الفلسفة .

ومن العبث ان يكون المغرب الاندلسي عقلانيا في زمن ابن رشد، ويتحول بعد نكبته إلى عدو للعقلانية، ومحطماً للعبقرية، ومدمراً للفكر التنويري، ومناهضاً للفلسفة والحرية، وبالجملة إن مقاصد هذا الزمن الوسطوي لا يتغير ظلت كما وصفها المقري الذي يقول «وكل العلوم لها عند أهل الاندلس حظ واعتناء إلا الفلسفة والتنجيم، فإن لهما حظاً عظيماً عند خواصهم، ولا يتظاهر بهما خوف العامة، فإنه كلما قيل فلان يقرأ الفلسفة أو يشتغل بالتنجيم أطلقت عليه اسم زنديق». فكيف يمكن لإمام الفلسفة ومؤسس الخميرة العقلانية في المغرب أن يصبح زنديقاً تهدم مدرسته؟ وكيف تستطيع هذه الفلسفة الحرة، أي الراشدية أن تنتشر عند الآخر وتدمر عندنا؟ ألم يحن الوقت لبناء المدرسة الراشدية من أجل احتضان الفكر المعاصر؟

كان شعار اللاتين في القرون الوسطى يردد هذه الكلمات التي لا صوت لها في موطنها الأصلي، فالطبيعة تفسر بأرسطو، وأرسطو يفسر بابن رشد ولذلك كان العلماء يحملون كتاب ارسطو باليد اليمنى وكتاب ابن رشد باليد اليسرى، بل أكثر من هذا، لقد تحول ابن رشد إلى اسطورة في فضاءات الغرب إلى حدود القول: لتموت نفسي موتة الفلاسفة 

 

راودتني فكرة الكتابة حول هذا الموضوع منذ أيام، لكن عندما أردت تصريف الفكرة عمليا عشت، أثناء صياغة العنوان، لحظة تردد بين الصيغة المختارة عاليه وبين

الصيغة الأخرى التي تشير إلى مفهوم التسامح بين حقوق الإنسان والفلسفة. إن ما حملني بالأساس على اختيار الصيغة الأولى بدل الثانية هو أسبقية الفلسفة على حقوق الإنسان التي يجرى الآن التأسيس لها فلسفيا.

1 - تأملات فلسفية حول مفهوم التسامح

في البداية، أعلن أن البحث في القواميس عن دلالة ومعنى كلمة «تسامح» لأجل المقارنة بين أشكال حضوره في لغة أو أكثر لا يدخل ضمن مقاصد هذا المقال. نحن نعلم أن هذه المهمة البيداغوجية قام بها، على أحسن وجه، العديد من الدارسين نخص منهم بالذكر سمير الخليل من خلال مقاله القيم عن «التسامح في اللغة العربية» والموجود ضمن كتاب جماعي بعنوان «التسامح بين شرق وغرب». لكن الأهم من كل ذلك، بالنسبة لسياق موضوعنا، هو أن تعني الكلمة نفسها في اللغة العربية ما تعنيه كلمة» TOLERANCE» في اللغة الفرنسية.

من الناحية التاريخية، يعتبر هذا المفهوم وليد حركة الإصلاح الديني الأوربية التي اقترحته كحل لإنهاء الاقتتاال الطويل الأمد بين أتباع المسيح خلال القرن السادس عشر وكمدخل لإرساء أسس الاعتراف المتبادل بينهم. لهذا ظل المفهوم ذا حمولة دينية وعد نداء «للمحبة والرحمة والإحسان للناس بعامة»؛ على حد تعبير جون لوك في رسالته في التسامح التي نقلها إلى اللغة العربية عبد الرحمن بدوي. لكن، شيئا فشيئا، أخد نطاق المفهوم يتسع ليشمل، فضلا عن الدين، السياسة والثقافة والاجتماع. وهكذا أصبح من مقتضياته الاعتراف للفرد/المواطن بحقه في الاختلاف في الاعتقاد والرأي وبحقه في التعبير عن اعتقاده ورأيه سواء كان مجالهما دينيا أو سياسيا أو فلسفيا.

في نهاية المطاف، أفضى مسار تطور المفهوم إلى اعتباره إحدى دعائم الحداثة السياسية والفكرية. قبل ذلك، ساهم فلاسفة ومفكرون أمثال سبينوزا وروسو وفولتير في إحداث نقلة نوعية على مستوى إغناء دلالته وتوسيع مجالات استعماله. في هذا الإطار، كتب سبينوزا متسائلا في الفصل الأخير من رسالته في اللاهوت والسياسة: «إن أسوأ موقف توضع فيه الدولة هو ذلك الذي تبعث فيه إلى المنفى بالشرفاء من رعاياها وكأنهم مجرمون، لا لشيء إلا لأنهم اعتنقوا آراء مخالفة لا يستطيعون إخفاءها»

من جهته، كتب روسو في «العقد الاجتماعي»: «يخطئ في نظري أولائك الذين يفصلون بين اللاتسامح المدني واللاتسامح اللاهوتي. فهذان النوعان لا انفصام بينهما. إذ من المتعذر العيش بسلام إلى جانب من نعتقد أنهم هالكون. فإذا أحببناهم وقبلناهم نكون قد غلطنا في حق الإله الذي عاقبهم. فلا بد إذن من أن يردوا أو يعذبوا. فحيث يكون اللاتسامح الديني مقبولا، يكون من المتعذر ألا تتمخض عنه نتائج مدنية. وحالما تتمخض عنه هذه الآثار تزول عن هيئة السيادة سيادتها حتى في الأمور الدنيوية، عندئذ يغدو الكهنة أرباب السيادة الحقيقية، ولا يكون الملوك إلا ضباطا لهم»

لكن على رغم هذه الهالة المضيئة التي أحاطت بمفهوم التسامح وعلى رغم اتساع نطاق دلالاته، ظل مرتبطا بمفاهيم المحبة والإحسان. لهذا السبب، حيل بينه والأجرأة الملائمة لدى أصحاب الأرض التي شهدت مولده ونماءه؛ ذلك أن الغرب المعاصر أبان عن قدر من اللاتسامح والتعصب والعنصرية من خلال علاقاته مع المستعمرات السابقة والأقليات المهمشة. وعليه، فقد أصبحت الحاجة ماسة إلى تثبيت المفهوم على دعائم فلسفية متينة تخرج به من الإطار الإلزامي الأخلاقي الضيق إلى رحابة الاعتراف به كحق مشروع. بيد أن ما يرفع من درجة صعوبة هذه المهمة الأخيرة  هو أن المفهوم لم يحظ بعد بحد أدنى من الإجماع نظرا لكونه ما زال يثير اختلافات جوهرية. فإذا حصل مبدئيا اتفاق على أن التسامح هو قبول الاختلاف، فهناك في المقابل عدم اتفاق على مفهوم الاختلاف ذاته. لقد توصلت بعض الدراسات الفلسفية المهتمة بالموضوع إلى مفهومين عن الاختلاف يقابلان مفهومين عن التسامح. من جهة، هناك التسامح الذي يتقبل الآخر لأنه لا يبالي به، ويقبل الاختلاف بعدم أخذه بعين الاعتبار، وهناك، من جهة أخرى، التسامح كانفتاح عن الآخر في اختلافه، واقتراب منه في ابتعاده

بالإضافة إلى ذلك، ثمة إشكالية كلاسيكية يمكن صياغتها على شكل سؤال كما يلي: ما العمل عندما يصبح التسامح مثل حب من طرف واحد؟ تعني هذه الإشكالية أن التسامح لا يمكن ان يظل بلا حدود؛ ذلك أنه ثبت تاريخيا وجود أقليات غير مستعدة بتاتا لأن تخالف نفسها،وبالأحرى أن تقبل اختلاف غيرها. لقد سبق لكارل بوبر ان طرح على نفسه نفس المعضلة، لكنه قبل أن يحاول اتخاذ موقف إزاءها يضع بعض الشروط فيقول: «طالما ظلت هذه الأقليات اللامتسامحة تناقش وتنشر نظرياتها باعتبارها مقترحات عقلانية، يتوجب علينا أن نتركها تفعل هذا بكل حرية، بيد أن علينا أن نلفت انتباهها إلى واقع أن التسامح لا يمكنه ان يوجد إلا على أسس التبادل، وأن واجبنا الذي يقتضي منا التسامح مع أقلية من الأقليات، ينتهي حين تبدأ الأقلية أعمال العنف. وهنا يطلع سؤال جديد: ترى أين ينتهي السجال العقلي وتبدأ أعمال العنف؟

2 - مكانة مفهوم التسامح في منظومة حقوق الإنسان

يشتمل التراث الثقافي للأمم المتحدة بالعديد من الأمثلة التي تشهد على التحول والانتقال في تصور التسامح من القيمة الأخلاقية إلى مستوى الحق المنصوص عليه تشريعيا. هكذا نجد ديباجة ميثاق الأمم المتحدة تنص على اعتبار التسامح قيمة أساسية في العلاقات بين الدول والأفراد: «نحن شعوب المم المتحدة آلينا على أنفسنا أن نعيش وأن نأخذ أنفسنا بالتسامح، وأن نعيش معاني السلام وحسن جوار. كما تنص مواد هذا الميثاق على ضرورة «تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعا والتشجيع على ذلك بدون تمييز حسب العنصر أو الجنس أو الدين»

ونظرا لأن ميثاق الأمم المتحدة وثيقة توجيهية ذات طابع معنوي وأخلاقي، وبالتالي غير ملزم، أصدرت نفس المنظمة الدولية الكثير من الاتفاقيات التي وقعت عليها الدول الأعضاء ما يعني أنها ملزمة باحترامها وتضمينها في تشريعاتها المحلية. إن هذه الاتفاقيات صيغ قانونية وتشريعات تتضمن التسامح كخلفية فكرية لها وأولها وأهمها في هذا الباب «اتفاقية إلغاء العبودية والاسترقاق»، بما تعنيه من إقرار للمساواة المطلقة في الحق في الانتماء للإنسانية دون أي تمييز في اللون أو العرق وفي الحق في الكرامة. يكمن الوجه الآخر لهذه الاتفاقية في إقرار حق الآخر، المختلف عرقا ولونا، في أن يحظى بالاحترام والكرامة الملازمين لكل كائن بشري.

من بين الاتفاقيات الدولية التي عجلت بالتحول المومئ إليه قبل قليل «اتفاقية مناهضة كل أشكال التمييز العنصري» (1965) و «الإعلان المتعلق بالقضاء على كل أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين والمعتقد» (1981) و «اتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة « (1979) وغيرها من الاتفاقيات التي تشكل ثقافة سياسية كاملة متمحورة حول مفهوم التسامح، وقد انعكست هذه الاتفاقيات على مواثيق المنظمات الإقليمية، وعلى دساتير وقوانين مختلف الدول.

إن ممارسة التسامح هي الأساس الذي يتيح للأمم والشعوب التعايش فيما بينهم في وئام وسلام ضمن أجواء من التوادد والتآخي. ومن أجل تعزيز ودعم هذا المبدأ، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة العام 1995 ك»عام الأمم المتحدة للتسامح»، وأوضحت الجمعية العامة أن التسامح هو»الاعتراف بالآخرين وحسن تقديرهم، والقدرة على التعايش سويا والاستماع للآخرين».ولكون منظمة اليونسكو هي التي بادرت بالدعوة لإعلان «عام التسامح», فقد دعيت لتولي دور المنظمة القائدة لهذا العام، وقد تغزز مبدأ التسامح بإصدار وثيقة اليونسكو بشأن «إعلان مبادئ التسامح».

هذا، وقد أكدت القمة العالمية للعام 2005 على التزام الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بتشجيع التسامح والاحترام والحوار والتعاون بين مختلف الثقافات والحضارات والشعوب (الوثيقة الختامية للقمة العالمية، قرار الجمعية العامة رقم 1/60 في 24 أكتوبر 2005، الفقرة 145).

غني عن البيان أن المفهوم المعاصر للتسامح يقوم على مبادئ حقوق الإنسان العالمية. لقد ربطت وثيقة إعلان المبادئ العالمي الصادر في 16 شتنبر 1955 بين التسامح وحقوق الإنسان والديمقراطية والسلم وبالتالي ارتقت بالتسامح إلى  صورة قيمة قانونية تتطلب الحماية من قبل المجتمع الدولي؛ حيث ورد في البند الأول من وثيقة «إعلان المبادئ حول التسامح»((Déclaration de principes sur la Tolérance الصادرة عن اليونسكو بصدد معنى التسامح أن مفهوم التسامح يتضمن العناصر التالية:

أولا: قبول تنوع واختلافات ثقافات عالمنا واحترام هذا التنوع؛

ثانيا: التسامح موقف يقوم على الاعتراف بالحقوق العالمية للشخص الإنساني والحريات الأساسية للآخر؛

ثالثا: التسامح هو مفتاح حقوق الإنسان والتعددية السياسية والثقافية والديمقراطية؛

رابعا: إن تطبيق التسامح يعني ضرورة الاعتراف لكل واحد بحقه في حرية اختيار معتقداته والقبول بأن يتمتع الآخر بالحق نفسه، كما يعني بأن لا أحد يفرض آراءه على الآخرين.

المرجعان المعتمدان:

1محمد سبيلا، عبد السلام بنعبد العالي، مصطفى لعريصة:  في التأسيس الفلسفي لحقوق الإنسان (نصوص مختارة)، الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2013 ، الطبعة الأولى

2- عبد السلام بنعبد العالي: الفلسفة أداة للحوار، الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،2011 ، الطبعة الأولى

 

 

-1- العنف في العالم العربي، أصبح كالماء والهواء، مألوف في حياتنا السياسية / في حياتنا الاجتماعية / وفي حياتنا الدينية ايضا. أين ما أدرت وجهك، فثمة عنف يلاحقك.

في المدرسة / في البيت / وفي الشارع، وفي

الأسواق، كما يلاحقك في السلطة ومكاتبها وإدارتها العمومية. ذلك لان العنف وكما حال التطرف والإرهاب والعدوانية والصراع السياسي و الطائفي والإيديولوجي، أصبح يشكل امتدادا في عمق الفعل العربي مشرقا ومغربا، وهو كنزعة هدامة  أصبحت تهدد الخريطة العربية بالاحتراق، إن لم نقل بالفناء.

         بعد مرحلة طويلة من التاريخ، كانت هذه الخريطة مطبوعة بالقمع والإقصاء والتهميش والصراعات الساخنة بين السلطة والمعارضة، بين الحركات الوطنية والحركات الاستعمارية، تطل عليها مرحلة جديدة مطبوعة بكل أشكال العنف، وهو ما حول هذه الخريطة، إلى صورة مشوهة /  صورة لا تطاق.

الدولة العربية الحديثة، شيدت نفسها ورصت بنيانها على تضاريس هذه الخريطة بالعنف والاستبداد / بالقمع الدموي / بالتسلط السياسي والديني...ضدا في طموح شعوبها / ضدا في مبادئ حقوق الإنسان ودولة الحق والقانون و ضدا في كرامة الإنسان. مشاهد هذه الحقيقة ما زالت تطل علينا من كل تضاريس هذه الخريطة، وأبطال العنف الأسود الذين نصبوا أنفسهم أسيادها، ما زالت صورهم حاضرة في أذهاننا ساطعة لامعة في عقولنا.

         الدولة العربية الحديثة، قامت على احتكار آليات العنف / هي التي تملك الأسلحة / هي التي تشيد وتدير الشجون / هي التي تقضي بالإعدام وتنفذه في معارضيها، هي التي تصنع القوانين / هي التي تملك الرأسمال البشري والمالي والصناعي / المادي والمعنوي، وهي التي تديره وتوزعه.

-2-

إن الجسد العربي أنهكته موجات العنف المتعاقبة / عنف الديكتاتوريات / عنف الجهل والأمية والفقر والتهميش / العنف الذي دمر الإنسان العربي، على مرأى ومسمع من قيم الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان. بعد عنف داعش الذي أتم تدمير ما تبقى من العراق بعد تحريرها من الاحتلال الأمريكي، وما تبقى من سوريا التي دمرها نظام الأسد، إضافة إلى العنف الذي دمر ما تبقى من ليبيا، بعد تخليصها من دمار القذافي، بعد كل هذا، يأتي عنف التطرف والطائفية الذي جر اليمن ومصر وما تبقى من الخريطة العربية، إلى الجحيم.

أما عن المغرب العربي، فالأوضاع بها تغلى في سكون مريب، ولا احد يعرف لا متى ستنفجر، ولا متى ستأخذ طريقها نحو العقل والطمأنينة.

وخارج كل هذا «العنف» سيظل مشهد العنف الإسرائيلي، الذي اسقط فلسطين في الوحل حاضرا ومخيفا، انه اسقط فلسطين وقضيتها إلى مدار مظلم، افقد المستقبل والهوية لإنسانها، لتاريخها وتراثها، وجعلها قضية تبحث عن عنوان في خراب الخريطة العربية.

معنى ذلك، في نهاية المطاف، أن العنف على الخريطة العربية، بعدما دمر الإنسان والأنظمة والبنيات التحتية، ترك وراءه مشاهد الخراب المخيف، الذي لا طعم ولا لون له، وهو ما يجعل الإنسان العربي في القرن الواحد والعشرين محكوم عليه بالإعدام، مع وقف التنفيذ.

-3-

يرى العديد من الباحثين والمؤرخين والمعلقين السياسيين في جهات عديدة من العالم الراهن، أن الهجوم المرعب على مبنى مركز التجارة العالمي في 11 شتنبر 2001 هو الذي فجر إشكالية العنف والإرهاب على تضاريس الخريطة العربية، التي أصبحت بعد هذا الحدث مباشرة، خريطة «جهنمية»  مشتعلة بالنهار والليل.

         إن إشكالية العنف على الأرض العربية، بعد الحدث الأليم (11 سبتمبر) أخذت تتطور بسرعة فائقة، بعد أن ظهرت « جماعات الجهاد» و»داعش» ومن قبلهما «جماعة القاعدة» و»جماعات التكفيريين والجهاديين» إضافة إلى الإرهاب الإسرائيلي الذي يضرب بعنف ويدمر بعنف ويغتال بعنف الإنسان الفلسطيني، والإنسان العربي على العموم . وبصورة عامة بعد القضاء على أنظمة وظهور أخرى، بعد أحداث الربيع العربي، وبعد دخول الدول المسلحة الكبرى على خط التغيرات المحدثة على الخريطة العربية، التي جاءت لتغذية هذه الإشكالية بما تملكه من استراتيجيات وأسلحة تدميرية ومعلومات واتصالات الكترونية، بعد كل ذلك، أصبحت لإشكالية العنف مشروعيتها القصوى على هذه الخريطة.

         تطرح علينا وعلى العالم من حولنا هذه الإشكالية مئات الأسئلة، لما لهذه الحالة من إشكاليات وتمظهرات واتجاهات وأهداف ومستويات من الصعب الوقوف عندها أو قراءتها. بعد أحداث الربيع العربي، وبعد دخول الدول المسلحة الكبرى على خط التغيرات المحدثة على الخريطة العربية، التي جاءت لتغذية هذه الإشكالية بما تملكه من أسلحة تدميرية ومعلومات واتصالات الكترونية.

إن مشاهد العنف في الحياة العربية اليوم، (بعد الحادي عشر من شتنبر 2001) بقدر ما تتجه إلى المستقبل المجهول، إذ لا يدري أحد منا إلى أين تتجه الصراعات العنيفة على الأرض العربية، تتجه هذه المشاهد إلى صراع مستقبلي عنيف بين الحضارات والثقافات / بين المكونات الاثنية التي تتشكل منها مجتمعاتنا العربية، وهو ما يعطي لحالة العنف، مشهدا شاملا من الصعب قراءته أو تفكيكه أوإعادة تركيبه.

-4-

كيف لنا أن نفسر الدماء التي تسيل يوميا بغزارة في سوريا والعراق واليمن ومصر ولبنان وليبيا وتونس وفلسطين والجزائر، وفي دول الخليج العربي؟ كيف نفسر هذه الموجة الهوجاء من الجماعات المتطرفة والطوائف والحكومات والأحزاب التي تحترف القتل والخراب والعنف الجهنمي باسم الإسلام السياسي أو باسم السلطة، والتي تجاهد في المسلمين خارج كل المقاييس ؟.

من أغرب الوقائع التي تعرفها الخريطة العربية اليوم، في مشرقها ومغربها، أن كل النخب الثقافية والسياسية، وحتى المتطرفة منها، تدعي رفضها للعنف في جميع  صوره وأنماطه، وبعضها يؤكد أن العنف سلوك مناف للمفاهيم السياسية وللقيم الدينية وللمبادئ الإيديولوجية الصحيحة ولجوهر الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان، ولكن غالبية هذه النخب تستعمل العنف كمصدر للمشروعية لتمكين الإنسان العربي من حقوقه وواجباته !!؟؟.

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بقوة على الخريطة العربية : كيف يمكن إحداث التغيير؟ كيف يتم القضاء على هذا العنف وبأي سلاح...؟ والى أي حد يستطيع العالم العربي القضاء على القهر المادي والمعنوي / السياسي والديني الذي تمارسه طوائف الجهاديين والتكفيريين وأحزاب الإسلام السياسي ، والسلطات الإرهابية...؟