المصور الفوتوغرافي حسين السكافي

 

 التصوير الفوتوغرافي من التسجيلية  الى الفن

ضيفت مؤسسة الحوار الإنساني بلندن يوم الابعاء 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2017 الفنان  والمصور الفوتوغرافي حسين السكافي في أمسية ثقافية تحدث فيها عن الصورة الفوتوغرافية ومسيرتها وكيف حققت حضورا لا يمكن اغفاله منذ مراحلها ( التسجيلية ) الاولى حتى وصولها الى عالم ( الفن ) والابداع. وكيفية توظيف الامكانيات التقنية لألة التصوير باتجاه تثبيت اسس ابداعية وثقافة فنية .

الاستاذ حسين السكافي مصور فوتوغرافي محترف عمل في العديد من الشركات العالمية وهو حائز على بكالوريوس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية، وشهادة تخصص في التصوير الفوتوغرافي من جامعة ويستمنستر. أقام عدداً من المعارض الشخصية والمشتركة، مهتم بالثقافة البصرية و الشفهية.

المقدمة

الصورة فن تثبيت اللحظة والاحتفاظ بها كما هي لنعيد قراءتها في أوقات اخرى بتأمل….وجهة نظر قد بنيت عليها فلسفة الصورة .فالصور أصبحت اليوم في كل مجال في حياتنا, إبتداء من العملة الورقية والفضية إلى طوابع البريد الى بطاقات تحقيق الشخصية وكل المعاملات الإجتماعية…, وأصبحت مفردات الإنسان المعاصر الفكرية عبارة عن صور, فقد دخلت الصور إلى حياتنا منذ حوالي مائة وخمسون عاما وأصبحت أكثر دقة وتميز في حفظ تراث الشعوب بعد أن كانت الكلمات وحدها هي المصدر الوحيد لحفظ هذا التراث وكتابة التاريخ. فالصورة هي جوهر الفنون البصرية تنقل لنا الواقع بلغة فائقة الروعة والتعبير، فهي تقدم لنا رؤية مختارة للواقع أو الموضوع وليس نسخة مطابقة أو بتعبير أكثر دقة تقدم رؤية ذات تشكيل جمالي يجسد بصماته الفنية. ورغم حاجة بعض الفنون إلى الكلمة والصوت للتعبير عن الأشياء، إلا أن الصورة خلقت لغة جديدة غير لفظية غيرت حياة العالم فأزالت القيود واخترقت الحدود وكشفت الحقائق, فالصورة خير من ألف كلمة.

الصورة في الأدب.. في العلم.. في الصحافة.. وما في ذلك من تفريعات كثيرة إلا أن ما يهمنا في هذا المقام من كل تلك المجالات الآنفة الذكر هو التصوير الفني.. ذلك أن عددا كبيرا من المجالات السابقة يمكن أن يندرج تحت مسمى "صورة فنية" ، لقد حقق التصوير أول ما ظهر الحلم الذي طالما راود الإنسان بالقبض على الزمن.. الا أن التطور السريع الذي عايشته البشرية حدا بالتصوير الى تجاوز المستوى الأول من الواقع نحو آفاق جديدة في التشكيل فإذا كانت كلمة (فوتوغراف (Photograph تعني في اللغة اللاتينية الكتابة بالضوء، فإن التصوير الفوتوغرافي لم يقتصر على تقليد خطوط هذه الكتابة بل أعاد صياغة أبجديتها ونظم هذه الحروف الضوئية نظما شعريا يخاطب وجدان المتلقي أكثر مما يخاطب عيونه، لتوازي في جوهرها سائر المجالات الإبداعية الأخرى كالشعر والرواية والرسم والمسرح".

ومع بداية هذا القرن قال وليم مور "ان عمل الفن هو صنع التأثير (Effect) وليس تسجيل الحقائق الوقائع  (facts) ، كانت الصورة فيما مضى مجرد أداة لنقل الواقع وتسجيله كما هو.. ولكن عندما تم التعامل مع الصورة كفن تغيرت هذه النظرة.. فلم يعد التصوير مجرد لوحة صامتة لمنظر طبيعي أو غيره، وإنما أصبحت الصورة معاناة إنسانية، فكرة تحمل مضمونا إنسانيا وجدانيا فكريا أيا كان ا لمهم أنها لم تعد صورة جميلة فحسب.. وانما هي لوحة فكرية وجدانية تخاطبك لتتأملها وتغوص في أعماقها فتخرج مدهوشا بقدرة الفنان على الابتكار والابداع والخروج عن المألوف بأسس علمية مدروسة.. ورؤية فنية راقية. ولكن متى كانت البداية ؟ وكيف تحول التصوير الفوتوغرافي من التسجيلية الى الفن؟

تطور فن التصوير

تطور فن التصويرعبر التاريخ ومراحله المختلفة حيث يرجع بدايته إلى قرون بعيدة, ويقال أن أول من تحدث عن تكوين الصورة كانوا قدماء المصريين، ثم جاء بعد ذلك أرسطو الذي تكلم عن الصورة المظلمة و ذكر بعض المعلومات عن مرور الضوء من خلال الفجوات الصغيرة بين أوراق الشجر, ثم بطليموس مرورا بالحسن بن الهيثم الذي أسس علم البصريات, ومن بحوثه العديدة في كتاب (المناظر) وموضوعات إنكسار الضوء وتشريح العين وكيفية تكوين الصور على شبكة العين ووضع لأقسامها أسماء خاصة وجعل البصريات علما مستقلا له قوانينه الخاصة، واهتم بالآلات البصرية وقام بحساب درجة الإنعكاس في المرايا المستديرة والمرايا المحرفة . ثم دافنشي الذي تنسب له أول غرفة مظلمة والتي تعود لسنة 1519 ونيوتن وغيرهم الكثيرمن العلماء والفنانين والكيمائين والفيزيائين, والذي كان لهم دور جميعا في ظهور التصوير الضوئي.

تاريخ التصوير

يعد التصوير منذ الأزل شهادة عصرية ودليل وجود.. من هنا حاول الإنسان البدائي تسجيل آثاره وأعماله ومعاركه على جدران الكهوف.. وتعود بداية التصوير عند ملاحظة القدماء ظاهرة ظلال الأشياء عند انعكاس الضوء عليها.. ومع تكرار الملاحظة تم اكتشاف الغرفة المظلمة (Dark room) التي ما زال الجدل قائما حول من اكتشفها فمنهم من قال إنه أرسطو ومنهم من قال قبله، كما أن البعض يشير الى العالم العربى عالم الفلك الحسن بن الهيثم. و "لا يوجد شخص واحد يمكن ان ينسب اليه اختراع الغرفة المظلمة". ولا نريد هنا أن نخوض في إشكالية أن التصوير الفوتوغرافي فن حديث من ابتكار الأوروبيين أو هو فن قديم عرفه العرب من قبل أو ربما قبل ذلك لأنها قضية لا تسمن ولا تغني من جوع وانما لابد أن ندرك أن المعرفة البشرية هي معرفة تدرجية تراكمية ساهمت الشعوب الأولى والحضارات لبدائية في خلقها وهنا نحن نكمل المسيرة.. كما علينا أن نذكر للتاريخ فقط وحسب ما جاء في مقدمة كتاب د. عبدالفتاح رياض (آلة التصوير) (1993) ص 12، ان مخطوطات الحسن بن الهيثم لم تعرف ما فيها إلا في عام 1910 في مكتبة (The Indian office library, London ).

وقد ظهرت اول صورة عام 1826 على يد الفرنسي "جوزيف نيسابور نييبس" وكانت صورة لمنظر طبيعي تطل عليه أحد نوافذ منزله بجنوب فرنسا واستغرق معه التقاط الصورة من ثمانية إالى إثنتي عشر ساعة من التعريض والتي كانت تسمى طريقة الهيليوجراف ((Heliography وكانت تتم عن طريق تعريض ألواح من النحاس أو القصدير تكون مغطاة بطبقة رقيقة من القار bitum الذي يتصلّب ويغدو لونه أبيض عند تعريضه لضوء الشمس, ثم القيام بإظهارها عن طريق الغمر في سائل الإظهار والذي يتركب من زيت اللافندر والبنزين, وذلك لإذابة المناطق التي لم تتأثر بالضوء.

 ولكن بقي عليه أن يعمل على تثبيت الصورة. وتوالت الجهود بعدها لتثبيتها لمدة طويلة أُستعمل خلالها بياض البيض وأملاح كلوريد الفضة والجيلاتين وبودرة البطاطس, ثم واصل العلماء جهودهم وظهرت طريقة الداجيروتيب (Daguerreotype) والتي ابتكرها لويس داجير L.Daguerre وقد لقب بسببه هذه الطريقة بأبو التصوير الضوئي والتي أدت إلى إنتشار التصوير الضوئي, فقد تميزت بدقة التفاصيل واختصار زمن التعريض من ساعات إلى بضعة دقائق, وقد كان للصدفة دور كبير في مراحل تطور التصوير الضوئي بصفة عامة , ومنها طريقة لويس داجير حيث كان يجري أحد التجارب والتي كانت تقوم على إستخدام ألواح مصنوعة من الفضة وتعريضها لأبخرة اليود لتكتسب الحساسية الضوئية- تلبدت السماء بالغيوم فأنهى التجربة دون أن يستكمل عملية التعريض الضوئي, وإكتشف في اليوم التالي أن اللوح الذي لم يستكمل تعريضه قد تكونت على سطحه صورة واضحة للمنظر الذي كان يسجله!! غير أن الصورة الناتجة لم تكن قابلة للتكرار أو النسخ.

وفي الحقبة نفسها توصل مخترع إنجليزي يدعى وليم فوكس تالبوت ( 1800-1877) W.F.Talbot إلى صنع صورة سالبة ورقية، وطبع صورة موجبة نقية عنها، واستخدام أملاح ثيوكبريتات الصوديوم (الهيبوسولفيت) لتثبيت الصورة. وأقام بعد ذلك معملاً لنسخ الصور، ونشر كتابا يبين فيه طريقته في التصوير. وتعد هذه الخطوة انطلاقة فن التصوير الضوئي وانتشاره في العالم.

 وفي عام 1888م أصدر ( جورج ايستمان) آلة الكوداك الشهيرة وهي أول كاميرا صندوق مزودة بفيلم ملفوف. وفي العام 1896م نزلت إلى الأسواق الأمريكية أول كاميرتيين صغيرتين للجيب، وظهرت أول كاميرا ذات منظار في عام 1916م. وفي أوائل الأربعينات ظهرت الكاميرات العاكسة وحيدة العدسة وهي المفضلة لدى معضم المصورين المحترفين، أما الكاميرات ذات الفيلم 110 فلم تظهر الإ في عام 1971م ، وظهرت أول كاميرا للتصوير الفوري اسود وأبيض من شركة ( بولا رويد) في عام 1947م ، وأول كاميرا فورية بأوراق ملونه عام 1963م .

ويقال ان الفنانة الالمانية ألسا بينج (1899-1998) عندما ذهبت الى نيويورك في عام 1936, كانت تأخذ معها آلة تصوير وقد قامت بإلتقاط صورة لحصان في السيرك حيث يظهر الحصان في الصورة داكن اللون وتحيط به الظلال مثل الدخان وتخترقه لمسات من الضوء. هذه الصورة تعرض إلى الآن في "الناشيونال جاليري" بواشنطن ومعها مجموعة صور نادرة اخرى وذلك في معرض بعنوان "اكتشافات فوتغرافية" والذي يؤرخ لبدايات التصوير الفوتوغرافي. واستمر الباحثون والمختبرات على مدى القرن والنصف الماضيين في العمل على إدخال تحسينات كبيرة على فن التصوير الضوئي وأجهزته والمواد والأفلام المستخدمة حتى بلغ مبلغه اليوم.

وجدير بالذكر أن مصطلح فوتوغرافيا استعمل لأول مرة سنة 1839 وهو مصطلح مأخوذ من اللغة اللاتينية مكون من شقين " graphy" وتعني الرسم و "photo" تعني الضوء أي أن فوتوغرافيا تعني الرسم بالضوء … وكان السيد ( جون هيرشل ) أول من استخدم هذا المصطلح.

قيمة التصوير كفن

وتعتبر قيمة التصويرالفوتوغرافي كفن مستمدة من حقيقته، وقد اختلفت الآراء حول هل فن التصوير علم أم فن؟؟ وماهي مكانته من الفنون المختلفة؟؟ والمتأمل لفن التصويريجد أنه الفن الذي يجمع بين التكوين الجمالي والتكوين التقني ولذلك يمكن القول بأنه علم وفن, فهو كعلم يتطلب من المصور معرفة بأسس وقواعد التصوير وكيفية التعامل مع مصادر الضوء الطبيعية والصناعية ومعرفة بأنواع العدسات والمرشحات وطريقة استخدامها مع الإهتمام بعناصر التكوين والإضاءة والنسب وغيرها.

 وقد كانت الصورة دائما ومازالت ناقلا للأحداث والمكتشفات العلمية. فقد عبرت الصورة الفوتوغرافية منذ القدم, وخاصة بعد الإكتشافات العلمية، عن النتاجات البشرية بشكل كبير.. وقدمت للإنسانية خدمات جليلة.. بل أصبح التصوير الفوتوغرافي علما دقيقا يدرس في الجامعات والمعاهد العليا على اختلافه وأنواعه بالطبع.. فهناك التصوير الصحفي والتصوير الطبي والتصوير الفضائي والفلكي والتصوير الجنائي والتصوير بالأشعة فوق البنفسجية أو تحت الحمراء.. الخ.

 ويعتبر التصوير فن لأنه يعتمد على الشكل والتكوين الفني، والتكوين هو تآلف كل الخصائص الضرورية كالمساحة واللون والضوء في إحداث تلخيص كلي تكون كل العناصر التكوينية فيه متفاعلة في نمط واحد منسق ذلك لأن غرض التكوين هو الوصول الي النمط المتناسق والمتماسك، لذا فإن التكوين الجيد يجب أن لا يشتت العين من خلال عدم الإستقرار لبعض مكوناته أومن خلال نقص التوازن فيه، وبذلك فإن التكوين يدل علي شيء ظاهر فهو فكر وعاطفة وجمال يرقى بالمتلقي من خلال علاقات بين الأشكال والعناصر وصياغتها وفق سياقات جديدة متناسبة مع الحاجة الإنسانية لفن جديد وصيغ جديدة للتعبير.

وبإعتباره فن قائما علي تنظيم علاقة بصرية فإن هدف المصور هو تحويل عناصر التكوين الشكلي من أماكن وإضاءة وظلال ولون وحركة وانفعالات وغيرها من مكونات متفرقة إلي تعبير متماسك ومتناسق يضمن المصور الفنان من خلاله توصيل مضمون مادته إلي المتلقي وقد يرمز إلي شيء أو يوحي بشيء آخر له دلالاته المعنوية والتأثيرية.

فالعمل الفني الناجح يتوقف على مقدار إحكام وحداته بدقة بحيث إذا ما أسقطنا أي وحدة من وحداته يسقط تكامل البناء فيه. وبالرغم من أهمية التدريب والخبرات التي يجب ان يتحلى بها المصورفإن فن التصوير يحتاج إلي قدر كبيرمن المرونة والخيال والتأمل والقدرة العقلية والبدنية وإلي التفكيرالترجيحي والتحليل والتركيب البصري وقبل كل ذلك مقدرة متنوعة في الإحساس بمؤثرات الواقع ومكوناته حيث أنها حالة عميقة وخصبة تتطلب من المصور أن يرسم بالكاميرا بعقله لا بيديه.

لابد أن يقف وراء الكاميرا إنسان صاحب فلسفة خاصة ورؤية ذاتية للواقع وقدرات مميزة فنيا، يحركها ويوجهها بهدف توصيل المضمون الذي يريده في شكل محدد، ونجاح هذا الإنسان أو فشله يتوقف علي مدي امتلاكه للحس الفني الذي يختلف من مصور إلي آخر. فالمصور الفوتوغرافي ليس مجرد صاحب حرفة ولكنه في حقيقة الأمر فنان ينفعل بالأحداث ويتأثر بحسه المرهف، ويدرك المواقف ويقدرها تقديرا اجتماعيا بحسه الصادق، لهذا فالصور الفوتوغرافية ليست مجرد صور لموضوعات أو أعمال أو أشخاص، بل هي تكشف عن القيم الجمالية للشخص الذي انتجها.

لذلك فمن الضروري أن يتمتع المصور بحس فوتوغرافي حيث عليه أن يعرف ويميز غريزيا المشاهد التي تؤثر وتقدم صورا جيدة ناجحة فالحياة بالنسبة للمصور هي سلسلة من الاحتمالات التي يمكن أن تلتقط بالعدسة وهكذا يمكن أن يقدمها، وفي كل مناسبة يجب أن يفكر في أفضل طريقة يلتقط بها المشهد. كما ينبغي أن يكون المصور فنانا يمتاز بقوة الخيال والحساسية والقدرة علي إدراك مزايا الصورة الجذابة، ذلك أن الصفة الأساسية فيه ليست هي المشاهدة بل الخيال، فالخيال “سيد الملكات” فهو الذي يحلل العناصر التي تقدم للحواس، والفعل يعيد تشكيلها كما تتراءي له، إذ أن العالم المرئي ما هو إلا مخزون صور ورموز يعطيها الخيال مكانة وقيمة نسبية.

كما لابد أن ينأي المصور الفنان عن عمليات التقليد ونقل الواقع والإبتكار والتفرد، فلقد كان الفنان الكبير جورج ميلييه مؤسس ومكتشف الفن السابع لا يصور الأشياء كما هي ولا يقتفي أثرها بطريقة تحليلية، ولكنه كان يصورها كما يشعر بها. وبذلك يمكن القول بأن الفنان المصور لا ينطلق من الفراغ، فهو نتاج من التراث الإنساني واسع وخصب، فهو غالبا ما يكون محصلة طبيعية للتفاعل بين الأبعاد الشخصية “الفردية” والإجتماعية المعاصرة والتاريخية التراكمية.

ومن الضروري أن يكون العمل الفني مسبوقا بالفكر والإرادة .لذلك تكمن صلة العمل الفني بالمعرفة في كونه ناقلا للمعرفة ومولدا لها. وتمثل الثقافة جزءا لا يتجزأ من عملية الإبداع الفني، إذ لا يمكن تصور وجود هذا الإبداع بمعزل عن الثقافة، ذلك أن الإنسان غير المثقف لا يمكن له أن يبدع لا في مجال الفن ولا في غيره من مجالات الحياة الأخري. حيث أن الفن هو وليد الثقافة، والثقافة هي الدعامة الثانية للفن، فالفنان بالصفة فقط لا يكون اكثر من صاحب حرفة وليس فنانا فوتوغرافيا، وبالثقافة وحدها يكون كثير الكلام فقط دون أي مهارة، ولكن اجتماع الأثنين هو الذي يولد الفن.

وبذلك فإن الإبتكارات والتجربة الخاصة لا تنفصل عن الثقافة, والمعرفة العامة ضرورية كضرورة المهارة الفنية فهما في وحدة متماسكة، لهذا فإن الفنان الفوتوغرافي لا يستطيع مواجهة لوحته الفوتوغرافية ما لم يكن يوليها من تكوينه الثقافي والنفسي، فكل عناصر ومكونات الصورة لا بد أن تكون متضمنة جزءا من معرفته وخلفيته الثقافية فهي تتعاون جميعا علي خلق ذلك المحسوس الجمالي وتعين علي تكوين الموضوع.

 فالثقافة العامة يمتلكها كل إنسان في المجتمع ولكن المصور يحتاج الى الثقافة العامة التي يحتاجها الجميع اضافة إالى ثقافة التخصص, نقصد هنا بثقافة التخصص هي المعلومات العلمية الخاصة بعلم وفن التصوير وليس فقط آلية أو برمجه استعمال الكاميرا. الجميع يعتبرون مصورين بشكل عام بدون تخصص إلا إذا كان هنالك تخصص محدد له قد تعمق فيه ووصل لدرجة الإحتراف , كل واحد منا يمكنه تصوير كل شي في وقت واحد أي أننا نمارس كل أقسام التصوير مرة واحدة بشكل عام ولكن لو تمعنا جيدا في تخصص كل قسم لوجدنا أنفسنا في حيرة من أمرنا على الكم الهائل من المعلومات التي يتوجب علينا معرفتها لنكون بمستوى المصور العالمي المحترف والمتخصص….

مصورون بارعون من انحاء العالم

ترى هل اختلفت وظيفة التصوير الفوتوغرافي الآن ؟! أعتقد ذلك.. لم تعد وظيفته مجرد نقل الواقع وانما تفتش عما يختبيء وراء الواقع بكشف أغرار الحلم.. وعيون المستقبل.. فأصبحت وظيفة الفن اجمالا الآن أشمل من الماضي .. يقول صاحب (السيدة / الكمان ) الفنان (مان ري) "ان وظيفة الفن هي دفع المشاهد الى التأمل وليس فقط إثارة الإعجاب بالبراعة التقنيه التي يتمتع بها الفنان".

لو تأملنا أعمال انسل آدمز (Ansel Adams) (1982 -1902) وإدوراد ويستون (Edward Weston) (1883- 1976)  وأموجن كننج هام (Imogen Cunningham) (- 1883 1976) وغيرهم من المصورين من الذين كانوا علامات مميزة في سماء التصوير الفوتوغرافي نجد أن الفضل يرجع لهم في تحويل التصوير من مجرد واقع تسجيلي الى فن بكل ما تحمله كلمة "فن" من معان.. حيث معهم بدأ التصوير الفوتوغرافي يتخطى حواجز الواقعية التسجيلية ليكون لغة الصورة الرومانسية الحالمة عندما تم التعامل معه على شكل فن جميل.وعندما نقرأ كتاب (الفن والحياة  (Art & Life ندرك تماما ذلك التحول بعد أن نظر المصور الى الصورة على أساس الفن.. "يسير كل من ويسترن وانسل آدمز بقوة نحو العمق ليمسك اللقطة الفنية من أجل مهمة الفن".

إذن مخاطبة اللوحة.. الوقوف أمامها.. محاولة مخاطبة ما وراء الصورة ومتابعة مساراتها الدقيقة.. تبني ما تبقى من جمال روحي في عقلك بعد أن طفت مشاغل الحياة المادية على الجزء الأكبر منه فتأتي الصورة لتوقض جانبا آخر مهما منه.ولا شك نحن لانختلف على أن الناس مختلفون في رؤيتهم للأشياء حيث "لا يستطيع شخصان أن يكونا نفس الفكرة تماما عن شيء واحد" ، وهنا مكمن جمال الصورة وما تحمله من مضامين تعبر عن هواجس مختلفة وهموم شتى.. تداعب أحلاما قديمة عند هذا وتراود طموحات مستقبلية عند ذاك.. ترسم صورة بائسة قاتمة.. وتلامس أفكارا حالمة.. لماذا كل هذا؟ لأن التصوير فن وليس نقلا.. وهناك من المصورين من هم مثقفون حتى أطراف، أصابعهم.. يهمهم التعبير عن الأعماق وكوامن الأمور.. يسيرون في أعماقهم الى ملامسة العقل اللاواعي والغوص عميقا في تخوم الحلم والمناطق المظلمة.

فالمصور يبقى في النهاية انسانا.. يهمه التعبير كذلك عن الواقع.. ولكن برؤية فنية.. حتى لو أخذنا في ذلك أقرب مجالات التصوير للواقعية وهو التصوير الوثائقي لابد من الغوص في الأعماق لابراز حادث معين أو التوثيق لمرحلة معينة لتعميق الأثر ولتبقى ذكرى لا تنسى. فمثلا عندما تتأمل صورة اعدام الجندي الفيتنامي الشهيرة والتي التقطها ايدي آدمس (Eddi Adms) عام 1968 وحصل على جائزة بوليتزر ترى هذه الصورة وأنت متأهب لسماع الطلقة النارية من مسدس الضابط الفيتنامي. الأمر نفسه في تصوير (البورتريه) حيث لابد من الغوص في المناطق المظلمة في الشخصية التي تود تصويرها.. تعبر بصدق عن نفسية هذه الشخصية بملامحها الدقيقة وما تصاحب الصورة من إضافات.. مثلا صورة (تشرشل) والتي جاءت بعنوان (What, no cigar) التي التقطها مصور البورتريه الشهير "يوسف كارش Karsh عام 1941، تأمل جيدا هذه الصورة تجد أنها تعبر عن ملامح تلك المرحلة في ظل الحرب والعنف والدمار. رغم ان المصور التقط له صورة أخرى (بسيجاره هذه المرة ) كما أراد ولكن لم يكتب لها البقاء وظلت هذه الصورة (بدون سيجار) هي الأقوى والأكثر عمقا.

هكذا أصبح التصوير الفوتوغرافي عندما تم التعامل معه على أساس الفن وما أجمل ما يقوله ماكلين  (Mccullin)  المصور يجب أن يكون إنسانا متواضعا صابرا مستعدا للمزيد من المتابعة.. اذا كنت وحيدا انتظر السعادة أو الخجل أو حتى الموت وليس أحد بجانبي يمكن أن يكون عندي عدة اختيارات وأحدها أن أكون مصورا للآخرين ولكن ما أحاول أن أصل اليه هو أن أكون إنسانا.

رأينا أن التطور في الوظيفة نابع من التطورات البشرية العامة والاهتمامات الإنسانية الشاملة.. الاهتمام بالمعاني وليس مجرد السطحيات الجمالية فقط.. فتصوير لقطة واحدة ذات معنى أفضل من مئات الصور بلا معنى.. فالصورة لم تعد مجرد نقل للواقع وانما هي البحث عما يختبيء.. وراءه... وما هذا التطور إلا نتاج للتطورات في الفنون الأخرى كالأدب شعرا أو نثرا والرسم والمسرح وغيرهما.. وكم من المصورين هم شعراء أو مسرحيون أو كتاب قصة وسينمائيون.. بل كم من لوحة تم التعبير عنها بلغة الشعر والعكس صحيح.. فالحس الفني والروح الشاعرة رابط أساسي يجمع الفنان بالأديب فيصبحان في معقل واحد.

نحن إذا في عصر الصورة الضوئية بامتياز، وما زالت ثورة التصوير قائمة للآن تستمد قواعدها من التطور التكنولوجي القائم في العالم أجمع، وقد تعدى التصوير مفهومه التقليدي المنحصر في التحميض والطباعة إلى التصوير الرقمي أو التجريدي الذي سطع نجمه وتألق مع نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة.

 علاقة التصوير الفوتوغرافي بالفن التشكيلي

هناك علاقة وثيقة بين التصوير الفوتوغرافي والفن التشكيلي حيث يمكن القول أن التصوير الفوتوغرافي خرج من رحم الفن التشكيلي.. بل إننا يمكن أن نطلق على التصوير الفوتوغرافي (بالابن العاق) ذلك أننا وحسب ما تطرقنا اليه في التطور التاريخي لآلة التصوير وجدنا أن من ساهم في اختراع وتطور الغرفة  المظلمة (Dark Room) هم الرسامون وقد كانوا يستخدمونها لتسهل لهم عملية الرسم.. فالتشكيل اذن هو سبب ظهور الكاميرا!!

وبعد فترات من الزمن متلاحقة أصبح فن التصوير الفوتوغرافي منافسا حقيقيا للرسم.. "ففي العالم الحديث حل التصوير الفوتوغرافي محل التصوير الزيتي والرسم كوسيلة أساسية لالتقاط الصور، التقاط صور دونوا حاجة الى مهارة الرسم". فأصبح بالإمكان تصوير المشاهد وخاصة المناظر الطبيعية   (Landscape)   بسهولة كبيرة وفي وقت يسير والأكثر من ذلك أن آلة التصوير ترسم معالم الأشياء بحذافيرها.. وبالتالي أصبحت آلات المصورين منافسا قويا لأدوات الرسامين وخاصة من أصحاب المدرسة الانطباعية والواقعية .بعد ذلك ظهرت مدارس أخرى في الفن التشكيلي ويرى البعض أن التصوير الفوتوغرافي سبب رئيسي في ظهور بعض المدارس الفنية كالتجريدية والسريالية، وذلك هروبا من منافسة المصورين فآلة التصوير كانت لا تستطيع أن تلتقط الا ما ترده أمامها.

ولكن مع ذلك.. وبعد التطورات الرهيبة التي حدثت في مجال التصوير الفوتوغرافي سواء في أجهزة الآلة أو الأفلام دخل المصور (الفنان) منافسا قويا من جديد حتى مع أصحاب المدارس الحديثة في الفن.. فمن خلال آلة التصوير وجهاز الحاسب الآلي (Computer) وبمهارة الإنسان الفنان يمكنك أن تلتقط صورة تجريدية أو سريالية بل إن البعض لا يمكن أن يفرق فيما يرده ما إذا كانت لوحة مرسومة أو صورة فوتوغرافية.. فالمعايير تداخلت الى حد كبير كما هو الحال بين الأجناس الأدبية.. والتطور المتلاحق ما زال مستمرا في عالم التصوير الفوتوغرافي.. فبعد اكتشاف التصوير الرقمي عبر الحاسب الآلي أصبح بالإمكان التلاعب بالصورة وكأنها رسمة فتغير فيها ما تشاء.

ولكن يبقى سؤال ملح وهو.. هل يمكن القول إننا في القرن القادم يمكن أن نستغني عن الرسم بالفرشاة والألوان ما دمنا وجدنا البديل في التصوير الفوتوغرافي ، خاصة إذا كان يحقق لنا نفس الاغراض ؟ سؤال قد يكون سابقا لأوانه ولكن بالتأكيد يحتاج الى وقفة ومناقشة. فهناك من يرى في أدواته البسيطة كالفرشاة والألوان قمة الإبداع وحتى في الوقت الذي يستغرقه لصنع اللوحة من رحم الألم والمعاناة.. ولا يستطيع أي جهاز مهما كان أن يتحداه ليقول؛"ها أنا أتحدى الكمبيوتر" اتحداه بما تملكه أدواتي البدائية البسيطة من قدرة على الحركة وتفجر الحياة". إلا أن البعض الآخر يجد في آلة التصوير وفي جهاز الكمبيوتر ما هو أفضل من الفرشاة والألوان ويمكن أن يحصل عل نتائج أفضل وفي وقت أيسر وابداع أكبر. ولكن البعض يرى أن كلا من الرسم والتصوير الفوتوغرافي جزئين مكملين لبعضهما.. فبعد أن كان أحدهما ابنا للآخر أصبحا توأما يدخلان تحت جناح الأب الأكبر (الفن ).. فليعبر كل بطريقه لكن المهم أن يكون المولود فنا.

الدكتور عبد الحميد الصائح

 

الاعلام وتشكيل الرأي العام .. حدود الحرية والمسؤولية .. احتفاء بصدور كتاب

احتفت مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2017 بصدور كتاب الاعلامي والشاعر العراقي د.عبد الحميد الصائح المعنون"الاعلام وتشكيل الرأي العام .. حدود الحرية والمسؤولية" الذي صدر مؤخرا عن الدار العربية للعلوم - ناشرون في بيروت، وهو في الاصل رسالته لنيل درجة الدكتوراة ، في أمسية ثقافية تحدث فيها الكتور الصائح عن كتابه الجديد.

الدكتور عبد الحميد الصائح شاعر عراقي ولد في الناصرية / سوق الشيوخ تخرج من أكاديمية الفنون الجميلة عام 1988، اكمل درسة الماجستير والدكتوراة في الاعلام من جامعة مصر الامريكية في القاهرة اصدر الكتب التالية:المكوث هناك – شعر – 1986 ،وقائع مؤجلة – شعر – 1992 ،نحت الدم – شعر – 1994،الخروج دخولا – مسرحيات- 1992،عذر الغائب – شعر – 1998،قصيدة العراق – شعر – 1998،الأرض أعلاه – نصوص- ‏2003‏. عمل صحفيا وناشطا في حقوق الانسان ، كما عمل  في مجال الأخبار في الصحافة والإذاعة والتلفزيون وقدم العديد من البرامج السياسية والثقافية في تلفزيون البغدادية منذ  تاسيسه عام 2005  وانجز مناهج تدريب لورشات عمل ومحاضرات في عدد من معاهد التدريب والتطوير الاعلامي .وعمِل رئيساً للتحرير في مركز البحوث والدراسات العربية في بريطانيا ورئيسا للجنة الاعلام والبحوث  في مشروع العدالة الانتقالية لجمعية الحقوقيين العراقيين في بريطانيا حتى اكتماله  نهاية عام 2002.   كما عمل رئيسا لتحرير صحيفة  إنسان، ورئيسا لتحرير مجلة  الضمير  الفصلية التي تصدرها المنظمة العربية لحقوق الانسان في بريطانيا.

دور الاعلام في حياتنا

ابتدأ الدكتور عبد الحميد الصائح امسيته بالحديث عن دور الاعلام في حياتنا اليوم قائلا؛ الجميع متفق بأن الإعلام يؤدي دوراً خطيراً في حياة الأمم، ليس في نقل الأخبار والأحداث فقط، وإنما في صياغة وتحديد توجهات الرأي العام. ومن هنا يصبح الدورالذي يمارسه الإعلام حالياً بمثابة صوت يتسلط على المتلقي لإحداث أكبر قدر من التأثير ايجابا او سلبا ..من هذه النقطة استعرض الدكتور عبد الحميد الصائح كتابه القيم عن الاعلام و تشكيل الرأي العام ..

ربما يتناول الاكاديميون موضوعا كهذا بمنهجية علمية و استعراض اكاديمي، لكن الخبرة الاعلامية المتراكمة لدى د. الصائح جعلته يتناول الموضوع من اكثر من جانب و ان يتعامل مع مفردات الاعلام الحديث المتأثر بالتكنولوجيا و انعكاساتها عليه، حديثا غنيا و ثريا بالمعرفة الممزوجة بالخبرة لتكون صوت عقل راق في التعبير عن كل مفردة تناولها الكتاب .

الاعلام كسلاح حديث

أوضح د. الصائح كيفية صيرورة الإعلام من أخطر الوسائل أو الاسلحة المستخدمة في الحروب والتي تستهدف عقول البشر، حيث تبدأ بالتشويش عليها لتصيبها في قناعتها، لصرف الأنظار عن حدث ما، أو تسعى لتغيير وجهات النظر باتجاه واقع غير موجود أصلاً وليس إلا وهماً، ثم تجسيده والدفاع عنه حتى يصبح حقيقة، وبالمقابل التشويش على واقع حقيقي، وتشويه القناعات بشأنه، حتى يصبح في وعي الشعوب غير حقيقي.فالهدف هو أن تغزو وسائل الإعلام العقل فتشكله ما استطاعت، وتحركه ما أرادت، وتوجه عناصر تفكيره إلى ما هدفت ..

ان سنوات الخبرة الطويلة للدكتور الصائح و خلفيته الثقافية و الفنية كانت مرجعية معرفية ممزوجة بالمهنية في التعامل مع الموضوع بحكمة و حنكة، وقد تطرق الدكتور الصائح الى حلقات الاعلام الحديث الذي لا يقتصر على الخبر و السياسة و الاجتماع فاشاد باهمية الاعلام التنموي في مجالات الصحة و التربية و الاجتماع .

الكتاب المحتفى بصدوره

اما فيما يتعلق بالكتاب المحتفى بصدوره ، فقد صدر قبل ايام عن الدار العربية للعلوم - ناشرون في بيروت كتابا بعنوان "الإعلام وتشكيل الرأي العام - حدود الحرية والمسؤولية" لمؤلفه الدكتور عبد الحميد الصائح وهو في الاصل رسالته لنيل درجة الدكتوراة في فلسفة الاعلام من الجامعة الدولية الامريكية في مصر تحت اشراف الدكتور سلمان الجميلي. ويَدرسُ الكتاب تأثيرَ وسائِل الإعلام الجديدة في تشكيل الرأي العام من خلال أثر الإعلام البديل أو الجديد وسماته الأساسية المتمثلة بحرية الرأي والتعبير وتداول المعلومات ودور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في ذلك، ثم مساهمة الرأي العام في صناعة المحتوى الإعلامي والتفاعل معه، حيث إن بمقدور الجمهور المشاركة في كلّ مراحل صناعة الخبر والمعلومة والرأي سواء من خلال جمع المادة أو تحريرها أو اختيارها أو ترتيبها أو تصنيفها أو التعليق عليها أو تحليلها أو اتخاذ قرار بإرسالها لآخرين أو حذفها. فيما ناقش موضوعة الانفجار الإعلامي العربي من خلال مقاربة إحصائية للفضائيات العربية التي بلغ عددها حسب تقرير اتحاد الإذاعات العربية لعام 2014 (1230) قناة تلفزيونية.

وأشار الكتاب إلى أن مشكلة الوطن العربي إزاء ثورة المعلومات ووسائلها الحديثة أنه لم يهيئ الأرضية الفنية والبشرية ليكون بمستوى تحوّلاتها، وحافظ على خطاب ومحتوى تقليدي وأساليب بدائية في التعليم والتشريعات والحريات والتعامل مع الأجهزة الحديثة. فظواهر مثل الفقر والأمية والفساد والنزاعات البينية بين الدول العربية أو بين مكونات شعب الدولة الواحدة، لم توفر لها البيئة النشطة التي تجعل من ثورة المعلومات ووسائلها مسارا جديدا للتنمية البشرية وقناة لتوفير الحلول المحلية الاختيارية المناسبة المقترحة شعبيا أملا بتبنيها لأجل علاج المشاكل بما يضمن الذهاب باطمئنان إلى المستقبل حسب ما جاء فيه.

انعكاس الواقع السياسي على الاعلام

كما يناقش الكتاب انعكاسات الواقع السياسي على الإعلام العربي حيث تطرق إلى المخاطر الخارجية والتحديات الداخلية، وما تفرزه من مشكلات للإعلام متمثلة بالتدخل الدولي واحتلال العراق وما تبعه من متغيرات. فقد بدت وسائل الإعلام العربية الرسمية مرتبكة مترددة بشأن دعم الحرب أو الوقوف ضدها، فهناك دول رأت من مصلحتها إسقاط النظام في العراق لكنّها في الوقت ذاته كانت تخشى من تأثير حرب العراق على وجودها، وهو ما اتضح في الخطاب الإعلامي لوسائل الإعلام التي تمثلها. كما ناقش الصراعات العربية البينية متمثلة بالحروب العربية العربية، وانعكاس ذلك كله على عمل الإعلام العربي. ثم تطرق الكتاب إلى المشكلات المباشرة المؤثرة؛ من حيث سيطرة رأس المال على الإعلام إلى فقدان المصداقية والتسييس وإعلام الأنظمة والفساد وتراجع الحريات.

كما ناقش الكتاب موضوعة مقاربة الفضائيات العربية لظاهرة الإرهاب والأنشطة والأعمال الإعلامية التي  ينتجها الإرهابيون،  حيث اعتمد البحث على مسح  أجري عن التقارير والأفلام والبرامج الخاصة التي تنتجها الفضائيات وتلك التي تنتجها التنظيمات الإرهابية، وتبين الفرق الشاسع بين إنتاج الفريقين لصالح الجماعات المتطرفة. كما ناقش الكتاب تناول الفضائيات العربية لموضوعات الدين والربيع العربي والعلاقات الدولية... وكانتامسية أثرتنا معرفة وأغنتنا بالمعلومة المفيدة ، قدمنا في نهايتها الشكر الجزيل للصديق المحتفى بأنجازه الدكتور عبد الحميد الصائح .

الدكتور عباس حسن عبد اللطيف

الدين والبرهان .. نظرية جديدة في الاعجاز العلمي في القرآن

ضيفت مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 25 اكتوبر 2017 المتفكر الدكتور عباس حسن عبد اللطيف في امسية ثقافية قدم فيها تعريفا بأطروحته حول الاعجاز العلمي في النص القرآني عبر تقديم نماذج من المعالم الحسابية للحروف المقطعة القرآنية .

 ولد الدكتور عباس حسن عبد اللطيف سنة 1947،اتم دراسته الثانوية والجامعية في بغداد .تخرج من كلية الطب جامعة بغداد عام 1970 ،هاجر الى المملكة المتحدة عام 1978،عمل في طب الأطفال في عدة مستشفيات في المملكة المتحدة،.أصبح استشاريا في طب الأطفال عام 1993وعمل في مستشفى رويال كلامورغان  في جنوب مقاطعة ويلز. وقد كان تخصصه الدقيق مرض التَّوَحُّد عند الأطفال .كتب اكثر من 31 بحثا في هذا الموضوع وفي طب الأطفال بشكل عام نشرت في مجلات طبية بريطانية وعالمية.أحال نفسه على التقاعد المبكر سنة 2011، بعدها تفرغ لدراسة القرآن الكريم بطريقة علمية حديثة و بصورة مختلفة تماماً عما هو شائع من الدراسات.نشر المجلد الأول من " موسوعة الشجرة العددية في القرآن الكريم"سنة 2016 وكان بعنوان " المعالم الحسابية للحفظ الإلهي للقرآن و السنة النبوية". صدرالمجلد الثاني من الموسوعة القرآنية  في شهر آب 2017 بعنوان " المعالم الحسابية للحروف المقطعة القرآنية ".

المقدمة

لقد عَلَّمنا القرآن العظيم مفهوم الحجة و البرهان على ما نقول و نفعل، و ألاَّ نبني عقائدنا في الأصول و الفروع على افتراضات ضنية بدون برهان. اي يجب ان نتوفر على دليل :

  • منطقياً فلسفياً عقلياً.
  • أو علمياً  استقرائياً يعتمد على الحس و التجربة و منهجه حساب الاحتمالات.
  • أو أن يكون دليلاً في أعلى مراتب اليقين و يحظى بثقة من الجميع، و هو الدليل الرياضي الذي يستعمل في مجال الرياضيات البحتة و يقوم هذا الدليل على مبدأ أساسي هو " مبدأ عدم التناقض" أي: أن " أ " هي " أ "  و لا يمكن أن لا تكون " أ "، كما ذكر ذلك السيد محمد باقر الصدر في كتابه " المُرْسِلْ – الرسول – الرسالة. بمعنى آخر أن 1 + 1 = 2، و لا يمكن أن تكون غير ذلك.

فكر و تفكر

ثم انتقل د.عباس حسن عبد اللطيف لشرح مفهوم الفكر والتفكر في القرآن ،فذكران هنالك 14 آية في القرآن الكريم يأمرنا الله فيها بأن نتفكر. 3 آيات بصيغة ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾، و 11 آية بصيغة ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ ، من ذلك نجد ان صيغة التفكر التي استعملها القرآن الكريم تدل على ضرورة بذل الجهد العقلي المناسب من أجل الوصول الى المعنى المراد من الآيات و من الكون المنظور.  كما جاء في قاموس المعاني عن معنى (تَفَكَّرَ) ما يلي؛ تَفَكَّرَ الشخص بمعنى تدَبَّرَ و اعْتَبَرَ و اتَّعَظَ. تَفَكَّرَ في الطبيعة بمعنى تأَمَلَ و أعمل العقل فيها ليصل الى نتيجة أو حَلْ. أعتقد بأن التَّفَكُّرْ بهذا المعنى هو أحد الجواهر المعرفية المهمة في القرآن العظيم.

ثم انتقل د.عبد اللطيف الى نقطة اخرى وهي اخبارنا من الله بأنه حافظ ما انزل من القرآن بقوله ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ سورة الحجر الآية 9 ، كما اخبرنا بأمر اخر مهم وهو تبيان ما انزل الله على رسوله ليفهمه البشر وذلك بقوله ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ﴾ سورة القيامة (75) الآية 19.هذا يعني أن الله تعالى قد وعدنا، بحفظ القرآن الكريم من حيث الرسم والقراءة الواحدة، و كذلك المعنى الواحد غير المتناقض، و ذلك من خلال حفظ السُّنة النبوية التي تَكَفَّلَتْ بمهمة بيان هذا المعنى. لكننا ازاء ما نلمسه في الموروث التاريخي  نجده لا يدُلُّ على تحقق الحفظ الكامل الذي نتوقعه من الكمال الإلهي المطلق، في ظِلْ وجود الاختلاف في الرسم و اللفظ القرآني، و كذلك الاختلاف الواضح بين المسلمين في بيان و تفسير آيات القرآن الكريم.

هذا التفكر بالموروث التاريخي يوصلنا إلى نتيجة حتمية لا مفرّ منها، و هي أنه من المستحيل أن يكون جميع الذي وصلنا من الكتاب و السنة، و خاصة من الأحاديث، التي يقال أنها صحيحة السند المنسوبة الى النبي (ص)، هي من الوحي الإلهي، لأنها متناقضة و متضاربة حتى في أصول الدين، ناهيك عن الفروع و الاحكام.ربما يعتقد البعض أن الإختلاف محصور فقط بين المذاهب السنية الاربعة و الشيعة الإمامية الاثني عشرية، و هذا وهم كبير،لأن الإختلاف في الأحكام الدينية موجود بشكل واضح حتى بين علماء المذهب و المعتقد الإسلامي الواحد،والدليل على ذلك هو أن أكثرية الأحكام الدينية التي نتعبد بها اليوم هي اجتهادية ضنية و ليست يقينية المصدر من الواحد الأحد. وبما اننا نعلم ان :

  • من مُسَلَّمَات معرفة الله سبحانه، الاعتقاد اليقيني بأنه لا يمكن أن يُخْلِفَ وعده، لأن خَلْف الوعد يلازم النقص، و يستحيل النقص عليه تعالى.
  • هذه المعرفة توصلنا بالضرورة الى الإيمان بأن الحكيم العليم قد جَعَلَ آلية علمية متقنة في القرآن ذاته مهمتها المحافظة عليه و على بيانه من التبديل و التحريف، و تكون بمستوى التحدي الإلهي المستمر، و مهما تطورت العلوم (المعجزة القرآنية) ، وهذا ماورد في القرأن الكريم ﴿قُل لئِنِ ٱجتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَ ٱلجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأتُواْ بِمِثلِ هَـٰذَا ٱلقُرءَانِ لا يَأتُونَ بِمِثلِهِۦ وَ لَو كَانَ بَعضُهُم لِبَعضٍ ظَهِيرًا﴾ سورة الإسراء 17، آية 88.

الحفظ الإلهي للقرآن و السُنَّة النبوية

وهنا ابتدأ الدكتور عباس حسن عبد اللطيف بشرح رؤيته لموضوع الحفظ الالهي للنص المنزل بقوله ؛ قد يسأل سائل و يقول: كيف حفظ الله سبحانه و تعالى كتابه العظيم من حيث المحتوى و الرسم القرآني، و كذلك من حيث المعنى و البيان تحقيقياً لقوله تعالى: ﴿إنَّا نَحنُ نَزَّلنَا ٱلذِّكرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ و قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُۥ (19)  سورةالقيامة (75)؟ والاجابة هي :أنَّ هذا الحفظ للمحتوى بكل تفاصيله من حيث الرسم القرآني المميز، و القراءة و اللفظ، و مجموع الآيات و السور، و كذلك حفظ المعنى، قد جاء عن طريقين:

الطريق الاول

تمثل بالوحي المقدس للنبي محمد (ص)، مدعوماً بالوعد الإلهي بالتسديد بعدم النسيان لكل التفاصيل المتعلقة بتنزيل القرآن في قوله تعالى في الآية السادسة من سورة الاعلى (87): ﴿سَنُقرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ﴾، و قوله: ﴿وَ مَا يَنطِقُ عَنِ ٱلهَوَىٰ (3) إِن هُوَ إِلاَّ وَحىٌ يُوحَىٰ (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلقُوَىٰ (5)﴾ سورة النجم (53). كما ان الحفظ الاول للقرآن قد تمثل بثلاثة أمور رئيسية:

1-    كتابة و تدوين جميع ما أُنزل من القرآن في حياة النبي. لهذا نراه قد اهتم كثيراً جداً بتدوين أدق التفاصيل مما أنزل عليه من رَبِّه، من حيث الرسم القرآني (الذي جاء مخالفاً للرسم الإملائي لقواعد اللغة العربية)،كذلك مواقع الآيات و السور، (التي جاءت أيضاً مخالفة لترتيب نزول هذه الآيات و السور)في اعتقادي أن أحدى الغايات الرئيسية من وراء هذا الاهتمام النبوي، كان لتوثيق الطريق الثاني للحفظ الذي يعتمد بالأساس على الرسم القرآني المتميز لكلمات و آيات الذكر الحكيم و مواقع الآيات و السور فيه.

2-    نَقِل ما أُوحِيَ اليه (ص) الى المسلمين كافة من خلال الأحاديث النبوية الشريفة و السلوك الشخصي لصاحب الرسالة.

3-   أراد الله تعالى لهذا القرآن أن يكون دليلاً للبشرية جمعاء مما يتطلب الحفظ التفصيلي للمحتوى و المعنى الى يوم يبعثون، و هذا لا يمكن عقلاً أن يتحقق إذا أوكلَ ذلك الحفظ التفصيلي للقرآن للبشر العاديين من أمثالنا فقط، و مهما كانت درجة تعبدهم و تقواهم، لأنهم عاجلاً او آجلاً سوف يختلفون في تأويل و تفسير ما نُقل إليهم من صاحب الرسالة. هذه هي طبيعة النفس البشرية المبنية على الاختلاف و التنافس.

لقد جَعَلَ الله تعالى مع الصادق الامين الاول، أمناء صادقين آخرين من أهل بيته، قد تكفل هو جلَّ شأنُهُ بان أذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيراً، في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ لكي يكونوا كالصادق الامين الاول مؤتمنين على الحفظ الكامل للرسالة الإسلامية بعد رحيل النبي، ثم نقلها للأجيال الإسلامية القادمة كما أرادها الله تعالى من غير تحريف بالمعنى و المحتوى، و ذلك من أجل أن تتجذر و تستقر جميع أصول و فروع أحكام الرسالة السماوية في ضمير الأُمة الإسلامية، و على مدى أجيال عديدة تمتد بالأعمار التي جَعَلَها الله تعالى لأهل البيت.

لقد وثق النبي (ص) هذا المعنى بأحاديث كثيرة و متواترة منها على سبيل المثال لا الحصر، حديث الثقلين المتواتر: روى بسنده عن زيد بن أرقم وحبيب بن أبي ثابت قالا: قال رسول الله (ص): إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، و لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما.

لقد علم الحق تعالى باختلاف المسلمين بعد رحيل النبي محمد (ص)، و أن الطريق الأول للحفظ الإلهي للكتاب و السنة لوحده سوف لا يحقق الحفظ الكامل الذي أراده الله تعالى. لذلك جعل العليم الخبير طريقاً ثانياً لتحقيق وعده بحفظ دينه الخاتم للرسالات السماوية تحقيقاً لقوله: ﴿إنَّا نَحنُ نَزَّلنَا ٱلذِّكرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ ،والطريق الثاني يعتمد على لغة كونية مادتها الارقام التي لا تقبل التأويل و الجدل العقيم الذي لا منفعة منه، لم ترتَسِم إطلاقاً بمادة التأريخ و المكان و الزمان كارتسام معجزات الرسالات السابقة، لأنها فوق التأريخ و المكان و الزمان.

 هذه اللغة الكونية قد تحققت من خلال التحكم المطلق برسم حروف و كلمات القرآن الكريم بطريقة متميزة بحيث لا تُخِلُّ بالمعنى الذي أراده الله تعالى من آيات الذكر الحكيم، مع المحافظة على الدوام على الإعجاز الرقمي الذي اودعه في تلك الحروف و الكلمات لإثبات ذلك المعنى.وهذا يعني أن الإشارة الى المعجزة العددية القرآنية التي أودعها الله تعالى لنا في كتابه الخاتم للرسالات السماوية قد تمثلت بالرسم المتميز لحروف و كلمات هذا الكتاب المقدس. 

الرسم القرآني و الرسم الإملائي

ولتبيان نظريته ابندأ الدكتور عباس حسن عبد اللطيف بتفسير ذلك بناءا على الفروقات بين الرسم القرآني والرسم الاملائي فقال؛ قسم العلماء الرسم الكتابي إلى قسمين رئيسين، الأول أطلقوا عليه اسم "الرسم القياسي"، و يقصدون به كتابة الكلمة كما تلفظ. أما القسم الثاني فأطلقوا عليه اسم "الرسم التوقيفي"، الذي هو الرسم الذي كُتبت به المصاحف. وقد خالف الرسم القرآني الرسم القياسي من بعض الوجوه، أهمها خمسة وجوه:

الوجه الأول .. الحذف: و هو كثير، و يقع في حذف الألف، و الواو، و الياء، و اللام، و النون.

  • حذف الألف: قوله تعالى: ﴿ٱلعَـٰلَمِينَ﴾ حيث حُذفت الألف بعد العين، و قد كُتبت كذلك في جميع مواضعها في القرآن، و الأصل في كتابتها حسب الرسم الإملائي (العالمين)
  • حذف الواو: قوله تعالى: ﴿ٱلغَاوُۥنَ﴾ سورة الشعراء الآية رقم 224، و الأصل فيها (الغاوون)
  • حذف الياء: قوله تعالى: ﴿ٱلنَّبِيِّـنَ﴾ سورة البقرة الآية رقم 61، و قد وردت كذلك في جميع مواضعها في القرآن، و عدد مواضعها ثلاثة عشر موضعاً، و الأصل في كتابتها (النبيين) ، المثال الثاني: كلمة ﴿إِبرٰهِـمَ﴾ في سورة البقرة الآية رقم 124، كتبت بدون الألف بعد الراء، و بدون الياء بعد الهاء 15 مرة، في سورة البقرة فقط، و في 12 آية من السورة، و هي المرة الاولى التي وردت فيها كلمة ﴿إِبرٰهِـمَ﴾ في القرآن الكريم، و الاصل في كتابتها (إبراهيم).
  • حذف اللام: قوله : ﴿ٱلَّيلِ﴾ سورة البقرة الآية 164، و قد كُتبت كذلك في جميع مواضعها، و عددها ثلاثة و سبعون موضعاً، و الأصل فيها (الليل).
  • حذف النون: قوله تعالى: ﴿نُـۨجِى﴾ سورة الانبياء الآية 88، و هو الموضع الوحيد في القرآن الذي حذفت فيه النون من ثلاثة مواضع وردت فيه الكلمة، و الأصل في رسمها (ننجي).

الوجه الثاني .. الزيادة: و تكون في الألف، و الواو، و الياء

  • الزيادة في الألف، قوله تعالى: ﴿وَ جِاْىٓءَ﴾ سورة الزمر الآية رقم 69، وردت في موضعين، و الأصل فيها (و جيء).
  • الزيادة في الواو، قوله تعالى: ﴿سَأُوْرِيكُم﴾ سورة الاعراف الآية رقم 145، وردت في موضعين، و الأصل فيها (سأُريكم)
  • الزيادة في الياء، قوله تعالى: ﴿بِأَييْدٍ﴾ سورة الذاريات الآية رقم 47، و هو الموضع الوحيد في القرآن، و الأصل فيها (بأَيْدٍ).

الوجه الثالث .. الهمز: حيث وردت الهمزة في الرسم القرآني الأول، تارة برسم الألف، و تارة برسم الواو، و تارة برسم الياء.

  • فمن أمثلة ورودها ألفاً، قوله تعالى: ﴿لَتَنُوٓأُ﴾ سورة القصص الآية رقم 76، و هو الموضع الوحيد، و الأصل فيها (لتنوء).
  • و من أمثلة ورودها واواً، قوله تعالى: ﴿يَبدَؤُاْ﴾ سورة يونس الآية رقم 4، و هي كذلك في مواضعها الستة من القرآن، و الأصل فيها (يبدأُ)
  • و من أمثلة مجيئها ياءً، قوله تعالى: ﴿وَ إِيتَآىِٕ﴾ سورة النحل الآية رقم 90، و هو الموضع الوحيد من ثلاثة مواضع، و الأصل فيها (و إيتاء).

الوجه الرابع.. البدل : و يقع برسم الألف واواً أو ياء.

  • فمن مجيئها واواً، قوله تعالى: ﴿ٱلصَّلَوٰةَ﴾ سورة البقرة الآية رقم 3، و هي كذلك في جميع مواضعها في القرآن، و الأصل (الصلاة) و مثلها (الزكاة)
  •  و من صور رسمها ياءً، قوله تعالى: ﴿يَـٰٓأَسَفَىٰ﴾ سورة يوسف الآية رقم 84، و الأصل فيها (يا أسفا) و من ذلك أيضاً، قوله تعالى: ﴿وَ ٱلضُّحَىٰ﴾ سورة الضحى الآية رقم 1، و لم ترد إلا في هذا الموضع، و الأصل فيها (و الضحا).

الوجه الخامس .. الفصل و الوصل : فقد رُسمت بعض الكلمات في المصحف القرآني الاول متصلة مع أن حقها الفصل، و رُسمت كلمات أخرى منفصلة مع أن حقها الوصل.

  • فمن أمثلة ما اتصل و حقه الفصل: (عن) مع (ما) حيث رسمتا في مواضع من القرآن الكريم متصلتين، من ذلك قوله تعالى: ﴿عَمَّا تَعمَلُونَ﴾ سورة البقرة الآية رقم 74، و قد وردت كذلك في جميع المواضع. (بئس) مع (ما) رسمتا متصلتين في مواضع، من ذلك قوله تعالى: ﴿بِئسَمَا ٱشتَرَواْ﴾ سورة البقرة الآية رقم 90، و هي كذلك في مواضعها الثلاثة. (كي) مع (لا) رُستما متصلتين في مواضع، من ذلك قوله تعالى: ﴿لِّكيلَا تَحزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكم﴾ سورة آل عمران الآية رقم 153، و هي كذلك في مواضعها الأربعة.
  • و من أمثلة ما انفصل و حقه الوصل ما يلي: قوله تعالى: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوٓاْ إِلَى ٱلفِتنَةِ أُركِسُواْ فِيها‌﴾ سورة النساء الآية رقم 91، و قد جاءت كذلك في ثلاثة مواضع، و جاءت متصلة على الأصل في خمسة عشر موضعاً. قوله: ﴿أَينَ مَا تَكُونُواْ يَأتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا‌﴾ سورة البقرة الآية رقم 148، و قد جاءت كذلك في ثمانية مواضع، و جاءت متصلة على الأصل في أربعة مواضع.

المعجزة القرآنية

ثم ذكر د. عبد اللطيف اننا اذا اردنا الحديث عن المعجزة القرآنية فأننا يجب ان ننتبه الى ما يلي :

  • الإعجاز العددي الذي أودعه الله سبحانه و تعالى في القرآن يجب أن يكون بمستوى الإعجاز الاصطلاحي، أي أن يعجز الآخرين أن يأتوا بمثله أبداً.
  • أن يكون فوق الزمان و المكان و مستمراً الى يوم يبعثون.
  • أن لا يكون عبثياً لا منفعة فيه (مثال ما قدمه الباحثون والذي اسميه انا العبث العددي).
  • أن يخضع على الدوام الى قانون الاحتمالات الرياضية.
  • يكون له هدف سامي و هو بيان المعنى الذي أراده الله تعالى من جميع آيات القرآن و بنفس الأنظمة و القوانين التي تتحكم فيه، بدون انتقائية في المعايير.
  • يؤيد و يدعم الطريق الاول للحفظ الإلهي و يكون مستمراً و متداخلاً معه.
  • يكون دليلاً واضحاً بيِّناً لا لبس فيه يؤكد بما لا يدع مجال للشك، الى الصحيح من السُنَّة النبوية و الصحيح من اللفظ و الرسم القرآني.
  • يرفض ما علق بالسُنَّة النبوية من أقوال وعَّاظ السلاطين، و ما أختلف فيه الصحابة و التابعين في القراءات المتعددة للذكر الحكيم.

لماذا الإعجاز العددي؟

ثم انتقل الدكتور عبد اللطيف للاجابة على السؤال المحوري في المحاضرة وهو (لماذا الاعجاز العددي؟)، فبين بالقول؛يقول العالم الفلكي المعروف غاليليو غاليلي ( Galileo Galilei 1564 م – 1642 م) عن أهمية الأرقام و الحساب في معرفتنا للكون الذي نحن فيه، ما ترجمته: " انه من غير الممكن قراءة الكون حتى نتعلم لغته، و تصبح مفردات اللغة التي كتب بها مألوفة لنا. إنَّ اللغة التي كتب بها الكون هي بلا شك لغة الرياضيات (الحساب)، و التي بدون معرفتها يبدو من غير الممكن للبشرية فهم كلمة واحدة بدونها و يبقى الواحد منا متخبطاً في متاهاتها المظلمة".

ان الأرقام ليست لغة عالمية فحسب، بل هي لغة كونية استعملها الله تعالى في كتابة الأبجدية الكونية التي بدون معرفتها و الألمام بها لا يمكن أن نفهم هذا الكون الشاسع الذي يمثل كوكبنا الصغير جزءأ ضئيلاً فيه. فإذا كانت قراءة الكون لا تتحقق إلا بمعرفة اللغة التي كتب بها، فكيف يمكننا التوصل الى معرفة القرآن العظيم، كلام الله جلَّ جلاله، خالق الاكوان و السماوات و ما فيهن و ما بينهن بدونها.

لقد حفظ الحق تعالى القرآن من التبديل و التحريف بنفس اللغة الكونية التي حفظ بها هذا الكون الشاسع، و جعلها معجزة عددية قطعية الحجية غير مرتبطة بالتاريخ و الزمان و المكان كارتباط المعجزات الأخرى، بعيدة عن تأثيرات  العواطف القومية و الدينية و المذهبية. وكما يقول البروفسور ماركس دي سوتوي، في كتابه: "خفايا الارقام": " إن العديد من علماء الرياضيات يؤمنون بأنَّ مع احتمال وجود اختلاف في علوم الفسلجة و الكيمياء، و حتى في علوم الفيزياء في عوالم أُخرى من الكون، تبقى علوم الرياضيات موحدة. "إن الشفرات الرقمية هي ليست فقط وسائل لحفظ الاسرار، و لكنها أيضاً للتأكُد من كون المعلومات المتبادلة تنتقل بدون أخطاء. هنا يأتي دور الرياضيات حيث يمكن استخدامها لإيجاد طرق عبقرية مبتكرة لضمان كون الرسائل المستلمة متطابقة مع الرسائل التي بُعثت، و هذا الموضوع في غاية الاهمية في هذا العصر للتبادل الالكتروني للمعلومات".

ان المرجع الديني السيد محمد باقر الصدر قد توصل الى نفس المعنى في أهمية الحسابات الرياضية لحفظ المعلومة و المحافظة عليها قبل أكثر من أربعين سنة في كتابه "الأسس المنطقية للإستقراء" الذي قال فيه: " أن القضايا الرياضية و المنطق تبدو يقينية بدرجة لا يمكن أن نتصور إمكان الشك فيها، على عكس قضايا العلوم الطبيعية " "أن الحقيقة الرياضية صادقة على أي عالم نتصوره، و أن التعميم في القضية الرياضية يتخطى حدود الكون المعاش، و يشمل كل ما يمكن أن يُفترض من أكوان".

الحروف المقطعة القرآنية

وهنا وصل د.عباس سن عبد اللطيف الى جوهر الموضوع وقدم ادلته العملية على سياقه النظري الذي قدمه قائلا؛ ان السور القرآنية التي وردت فيها الحروف المقطعة و حسب تسلسلها في الكتاب المجيد هي :

1-    ﴿الم (1) ذَلِكَ ٱلكِتَـٰبُ لاَ رَيبَ‌ فِيهِ‌ هُدًى لِّلمُتَّقِينَ (2)﴾ سورة البقرة (2)

2-   ﴿الم (1) ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلحَىُّ ٱلقَيُّومُ (2)﴾ سورة آل عمران (3)

3-   ﴿المص (1) كِتَـٰبٌ أُنزِلَ إِلَيكَ فَلاَ يَكُن فِى صَدرِكَ حَرَجٌ مِّنهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَ ذِكرَىٰ لِلمُؤمِنِينَ (2)﴾ سورة الأعراف (7)

4-   ﴿الر‌ۚ تِلكَ ءَايَـٰتُ ٱلكِتَـٰبِ ٱلحَكِيمِ (1)﴾ سورة يونس (10)

5-   ﴿الر ‌ۚ كِتَـٰبٌ أُحكِمَت ءَايَـٰتُهُ ۥ ثُمَّ فُصِّلَت مِن لَّدُن حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)﴾ سورة هود (11)

6-   ﴿الر ‌ۚ تِلكَ ءَايَـٰتُ ٱلكِتَـٰبِ ٱلمُبِينِ (1)﴾ سورة يوسف (12)

7-   ﴿المر ‌ۚ تِلكَ ءَايَـٰتُ ٱلكِتَـٰبِ ‌ۗ﴾ سورة الرعد (13)

8-   ﴿الر‌ ۚ كِتَـٰبٌ أَنزَلنَـٰهُ إِلَيكَ لِتُخرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذنِ رَبِّهِم إِلَىٰ صِرطِ ٱلعَزِيزِ ٱلحَمِيدِ (1)﴾ سورة إبراهيم ( 14).

9-   ﴿الر ‌ۚ تِلكَ ءَايَـٰتُ ٱلكِتَـٰبِ وَ قُرءَانٍ مُّبِينٍ (1)﴾ سورة الحجر (15)

10-                  ﴿كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2)﴾ سورة مريم (19)

11-                  ﴿طه (1) مَا أَنزَلنَا عَلَيكَ ٱلقُرءَانَ لِتَشقَىٰ (2)﴾ سورة طه (20)

12-                  ﴿طسم (1) تِلكَ ءَايَـٰتُ ٱلكِتَـٰبِ ٱلمُبِينِ (2)﴾ سورة الشعراء (26)

13-                  ﴿ طس ‌ۚ تِلكَ ءَايَـٰتُ ٱلقُرءَانِ وَ كِتَابٍ مُّبِينٍ (1)﴾ سورة النمل (27)

14-                  ﴿طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ ٱلكِتَـٰبِ الْمُبِينِ (2)﴾ سورة القصص (28)

15-                  ﴿الم (1) أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُترَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَ هُم لاَ يُفتَنُونَ (2)﴾ العنكبوت (29).

16-                  ﴿الم (1) غُلِبَتِ ٱلرُّومُ (2)﴾ سورة الروم (30)

17-                  ﴿الم (1) تِلكَ ءَايَـٰتُ ٱلكِتَـٰبِ ٱلحَكِيمِ (2)﴾ سورة لقمان (31)

18-                  ﴿الم (1) تَنْزِيلُ ٱلكِتَـٰبِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)﴾ سورة السجدة (32).

19-                  ﴿يس (1) وَ ٱلقُرءَانِ ٱلحَكِيمِ (2)﴾ سورة يس (36)

20-                  ﴿ص ‌ۚ وَ ٱلقُرءَانِ ذِى ٱلذِّكرِ (1)﴾ سورة ص (38)

21-                  ﴿حم (1) تَنزِيلُ ٱلكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلعَزِيزِ ٱلعَلِيمِ (2)﴾ سورة غافر (40)

22-                  ﴿حم (1) تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ (2)﴾ سورة فصلت (41)

23-                  ﴿حم (1) عسق (2)﴾ سورة الشورى (42)

24-                  ﴿حم (1) وَ ٱلكِتَـٰبِ ٱلمُبِينِ (2)﴾ سورة الزخرف (43)

25-                  ﴿حم (1) وَ ٱلكِتَـٰبِ ٱلمُبِينِ (2)﴾ سورة الدخان (44)

26-                  ﴿حم (1) تَنزِيلُ ٱلكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلعَزِيزِ ٱلحَكِيمِ (2)﴾ سورة الجاثية (45)

27-                  ﴿حم (1) تَنزِيلُ ٱلكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلعَزِيزِ ٱلحَكِيمِ (2)﴾ سورة الأحقاف (46)

28-                  ﴿ق‌ ۚ وَ ٱلقُرءَانِ ٱلمَجِيدِ (1)﴾ سورة ق (50)

29-                  ﴿ن ‌ۚ وَ ٱلقَلَمِ وَ مَا يَسطُرُونَ (1)﴾ سورة القلم (68).

لقد اختلف المفسرون من القدماء و المتأخرين في تفسيرها و قد نقل عنهم الفضل بن الحسن الطبرسي (ت سنة 548 ه) في (مجمع البيان في تفسير القرآن) أحد عشر قولاً في معناها:منها أنها من المتشابهات التي استأثر الله بعلمها لا يعلم تأويلها إلا هو، أن كلا منها أسم للسورة التي وقعت في مفتتحها، أنها أسماء القرآن، أن المراد بها الدلالة على أسماء الله تعالى فقوله: ﴿الم﴾ معناه أنا الله أعلم، و قوله: ﴿المر﴾ معناه أنا الله أعلم و أرى، أنها من قبيل تعداد حروف التهجي و المراد بها أن هذا القرآن الذي عجزتم عن معارضته هو من جنس هذه الحروف التي تتحاورون بها في خطبكم، و هكذا.

كما ذكر " مركز الأبحاث العقائدية " ؛والحق أن شيئاً من هذه الأقوال لا تطمئن إليه النفس، و يستفاد من ذلك أن هذه الحروف رموز بين الله سبحانه و بين رسوله (ص) خفية عنا لا سبيل لأفهامنا العادية إليها إلا بمقدار أن نستشعر أن بينها و بين المضامين المودعة في السور ارتباطاً خاصاً. و لعل المتدبر في مشتركات هذه الحروف و قايس مضامين السور التي وقعت فيها بعضها إلى بعض تبين له الأمر أزيد من ذلك. (الم الم المص الر الر الر المر الر الر كهيعص طه طسم طس طسم الم الم الم الم يس ص حم حم حم عسق حم حم حم حم ق ن) لذلك نجد من جمع الحروف المقطعة في قوله : صراط علي حق نمسكه، أو صح طريقك مع السنة، أو طرق سمعك النصيحة، أو سر حصين قطع كلامه، أو صن سراً يقطعك حمله، أو من حرص على بطه كاسر، أو نص حكيم قاطع له سر، أو ألم يسطع نور حق كره.

وذكر د. عبد اللطيف ان أغرب ما قرأت حول الحروف المقطعة هو قول طه حسين: أن الحروف المقطعة القرآنية لصقت بالسور على مرور الزمان. و قد أخذ هذا الرأي من المستشرق "رودويل" حيث ظن أن هذه الحروف المختلفة رموز إلى جامعي القرآن، مثلا: "كهيعص" رمز إلى مصحف ابن مسعود، و "حم عسق" رمز لمصحف ابن عباس، و "طس" رمز لمصحف ابن عمر، و هلم جرا، ثم ألحقها مرور الأزمان بالقرآن.

كما ان بعض المستشرقين ومنهم المستشرق بلانشو (Blanchot)، و تبعهم صاحب كتاب "النثر الفني" الدكتور زكي مبارك: قالوا أنها بيانات و إشارات موسيقية يتبعها المرتلون، و قد كانت الموسيقى القديمة بسيطة يشار إلى ألحانها بحرف أو حرفين أو ثلاثة،وكان ذلك كافيا لتوجيه المغني أو المرتل إلى الصوت المقصود.ففي أثيوبيا يوجد اصطلاح موسيقي مشابه لذلك، فإن رئيس المرتلين يبدأ الصوت بالحروف التي تذكر ب‍ ﴿الم﴾ في القرآن أو (I - O - A) في نشيد "رولان"، و استظهر الدكتور تأييدا لذلك: أن ﴿الم﴾ تقرأ هكذا: الف، لام، ميم، فهي ليست رموزا لغوية و لكنها رموز صوتية. 

ثم اضاف د.عباس حسن عبد اللطيف ؛واناأقول: بعد التدبر بكل هذه الآراء و التفاسير التي أوردناها من افكار العلماء المتقدمين و المتأخرين، و كذلك ما نقل من آراء بعض الصحابة و التابعين، تيقنت بإنَّ وجود الحروف المقطعة في بعض سور القرآن لا يمكن أن يكون من الغيبيات التي لا يجب أن نفهمها أو نخوض في معانيها. لقد وصف اللَّه تعالى القرآن بأنه ﴿تبيان لكل شي‏ء﴾، و هذه الصفة لا تتفق و الخفاء و الاستئثار، فلا يمكن إلا أن يكون مبيناً للبشر ما عدا الذي صرح القرآن ذاته باستئثار المولى تبارك و تعالى بعلمه دون خلقه.

نحن نؤيد أيضاً ما ذكره السيد جعفر مرتضى العاملي بانَّ للقرآن ظهراً و بطناً، و لعل لاختلاف الأزمنة، و تقدم الفكر و العلم، تأثير كبير في فهم الكثير من المعاني الأخرى، التي يمكن أن تكون هذه الأحرف مشيرة إليها، أو دالة عليها، بنحو من أنحاء الإشارة و الدلالة". هذا الاتجاه معني بإعطاء تفسير للحروف المقطعة و الكشف عن بعض مضامينها.

 وبعد بحث معمَّق للحروف المقطعة في افتتاحيات السور القرآنية التسعة و العشرون، و دراسة طريقة تكرار هذه الحروف في السور، و عدد الحروف غير المكررة منها، و طريقة تسلسلها في سور القرآن، تبين لي بأن هذه الحروف القرآنية هي عبارة عن شفرة رقمية عظيمة تستطيع أن تقرأ حروف القرآن الكريم رقمياً، و ذلك من أجل المحافظة عليه من التغيير و التأويل و  تكون دليلاً بيِّناً لا لبس فيه مُبيَّنْ بأرقام و معادلات حسابية واضحة، على الرسم القرآني الواحد و المعنى الواحد لآيات الكتاب المقدس، و كما أوحاها الله تعالى لنبيه الكريم.

الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية

الم الم المص الر الر الر المر الر الر كهيعص طه طسم طس طسم الم الم الم الم يس ص حم حم   حم عسق حم حم حم حم ق ن  مجموع الحروف المقطعة في القرآن الكريم = 78.

لقد جعل الله تعالى مجموع هذه الحروف 78 حرفاً، ثم اختار من الأبجدية العربية المكتوبة نصفها أي: 14 حرفاً غير مكرر، و جَعلَ هذا النصف من الأبجدية مرآةً للنصف الآخر منها، و كما بين ذلك العلامة الزمخشري (467 ه – 538 ه) في كتابه " الكشاف ".الترتيب الهجائي للحروف العربية المكتوبة هو (الحروف المقطعة القرآنية مؤشرة باللون الأحمر):

ا   ب   ت   ث   ج   ح   خ   د   ذ   ر   ز   س   ش   ص   ض   ط  ظ   ع   غ    ف   ق   ك   ل   م   ن   ه   و   ي

وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع): " أن لكل كتاب صفوة و صفوة هذا الكتاب حروف التهجي" (في معجم المعاني الجامع، صفوة كل شيء: ما صَفا منه و خَلُصْ، أحسنُهُ و خِيارُه) ،قال الإمام محمد بن علي بن الحسين الباقر (ع): ان في حروف القرآن المقطعة لعلماً جماً، ثم قال: و تبيانه في كتاب الله في الحروف المقطعة إذا أعددتها من غير تكرار.

الحروف المقطعة الأربعة عشر غير المكررة من الابجدية العربية التي اختارها الله تعالى و حسب تسلسلها في سور القرآن الكريم هي:

ا    ل   م    ص   ر   ك   ه   ي   ع    ط   س    ح    ق     ن

الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية تعتمد بالأساس على القيمة الرقمية لتكرار كل حرف من الحروف الأربعة عشر التي اختارها الله تعالى من الابجدية العربية لكتابة الحروف المقطعة في افتتاحيات بعض السور القرآنية، و حسب تسلسل هذه الحروف في السور.

فمثلاً: حرف الالف ﴿ا﴾ قد تكرر في الحروف المقطعة 13 مرة، فيعطى القيمة الرقمية 13، كذلك حرف اللام ﴿ل﴾، و حرف الميم ﴿م﴾ قد تكرر 17 مرة فيعطى القيمة الرقمية 17، و هكذا الى حرف النون ﴿ن﴾ الذي ذكر مرة واحدة فقط في الحروف المقطعة، فيعطى القيمة الرقمية 1، و هكذا.

 ا     ل     م      ص     ر     ك    ه      ي    ع       ط    س     ح     ق      ن

13  13   17     3      6     1    2      2     2      4     5      7    2       1

أما عن الحروف الأربعة عشر الأخرى للأبجدية العربية، فكل حرف منها يعطى القيمة الرقمية صفر، و كما هو موضح أدناه.

ب       ت      ث     ج      خ     د     ذ      ز     ش      ض     ظ     غ    ف    و  

0       0      0     0       0    0     0     0      0       0      0     0    0    0 

وعن اهمية وتاريخ الصفر تحدث د.عباس حسن عبد اللطيف قائلا ؛ ان مخترع مفهوم الصفر هو العالم الهندي براهما غوبتا، الذي ولد في مولان سنة 589 و توفي بها سنة 688 م، وهو عالم رياضيات و فلك هندي،وهو أول من شرح استخدام الصفر في العالم، من خلال ذكره في كتابه "سيندهانتا" في القرن السابع الميلادي، و بيَن أن الصفر هو حاصل طرح العدد من العدد المساوي له، و هو أيضا حاصل ضرب أي رقم آخر به.ويذكر أن الكلمة الهندية "سونيا" تشير إلى الصفر و معناها "خالي أو فارغ"، و بعد ذاك ترجمت الكلمة و نقل لفظها صوتيا إلى اللغة العربية و أصبحت " صفر" . وان كتاب "سيندهانتا" كان قد نقل إلى عاصمة الخلافة العباسية بغداد، و ترجم إلى العربية وسمي كتاب (السند هند) وقيل ان الترجمة كانت بأمر من الخليفة المنصور العباسي 714 – 775 م (95 – 158 هجرية) و قيل بل هو المأمون من امر بالترجمة(786 – 833 م) (170 – 218 هجرية).

اما عالم الرياضيات محمد بن موسى الخوارزمي (781 – 847 م)  "رسالة الخوارزمي عن الأرقام الهندية"  شارحا من خلالها استخدامات الصفر، و تعرف منها الغرب على النظام الحسابي العربي " النظام العشري"، الذي عرف بنظام الأرقام الخوارزمية. و كانت تتضمن هذه الرسالة ما يلي:

"في عمليات الطرح، إذا لم يكن هناك باق نضع صفرا و لا نترك المكان خاليا، لكيلا يحدث لبس بين خانة الآحاد و العشرات، و الصفر يجب أن يكون من يمين العدد، لأن الصفر من اليسار لا يغير من قيمة العدد". وقد اخترع الخوارزمي أيضا مجموعة أخرى من الأرقام التي تعرف اليوم باسم الأرقام العربية بالإعتماد على الزوايا، و لكنها لم تحظ بانتشار واسع في دول المشرق العربي، و قام العرب باستخدامها لاحقا في الأندلس و المغرب العربي، قبل أن تنتشر في أوروبا و أنحاء العالم على الشكل المستخدم حاليا.

وعن وصول الصفر الى أوربا ذكر الدكتورعبد اللطيف ؛بما أن رمز الدائرة "0"  كان يعد من رجس الشيطان في العصور المظلمة في أوروبا، فإن استخدام الصفر تأخر في أوروبا و بقي الحال كذلك حتى قام عالم الرياضيات الإيطالي ليوناردو فيبوناتشي بيزا، بنشر كتاب عام 1202  حمل عنوان Liber Abaci  يشرح من خلاله الحساب و أهمية الصفر.كان بيزا قد تلقى تعليمه في مدينة بجاية الجزائرية، التي كانت زاخرة بعلماء الرياضيات، و تعلم الأرقام العربية و نقل استخدامات الصفر إلى نظام الحساب الأوروبي، و كتبه باللاتينية "Cipher"، إلى أن تطور اللفظ فيما بعد و تغير ليصبح Zero  في القرن الخامس عشر.

الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية

لم الم المص الر الر الر المر الر الر كهيعص طه طسم طس طسم الم الم الم الم يس ص حم حم   حم عسق حم حم حم حم ق ن  مجموع الحروف المقطعة في القرآن الكريم = 78.

     ا     ل     م      ص     ر      ك    ه     ي     ع      ط    س     ح     ق      ن

13  13   17     3      6     1    2      2     2      4     5      7    2       1

أما عن الحروف الأربعة عشر الأخرى للأبجدية العربية، فكل حرف منها يعطى القيمة الرقمية صفر، و كما هو موضح أدناه:

ب       ت      ث     ج      خ     د     ذ      ز     ش      ض     ظ     غ    ف    و  

0       0      0     0       0    0     0     0      0       0      0     0    0    0 

بهذه الطريقة المبهرة أصبح لدينا شفرة رقمية عظيمة تستطيع قراءة آيات القرآن الكريم عددياً على مستوى الحرف الواحد و كذلك على مستوى الكلمة الواحدة، و المقطع من الآية ذات المعنى المحدد، و كذلك الآية أو الآيات القرآنية ذات المعنى المشترك، أو السورة القصيرة ذات المعنى الواحد.

إني على يقين بأن القرآن العظيم قد كتب بهذا الرسم المتميز بالعلم الإلهي بهذه القِيَمْ الرقمية للأبجدية العربية التي جعلها في كتابه الخاتم للرسالات السماوية ليكون على أعلى مستويات اليقين القطعي للحفظ الإلهي للكتاب المقدس من التحريف و التأويل، تصديقاً لقوله تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ سورة الحجر آية 9.

أمثلة عملية لتطبيقات الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية

أولاً: القيمة الرقمية للحروف باستعمال الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية

الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية

   أ      ل      م     ص    ر     ك    ه     ي      ع     ط     س    ح     ق      ن

13    13   17    3     6     1    2      2      2     4     5     7     2      1

1-    القيمة الرقمية لحروف لفظ الجلالة ﴿الله﴾ سبحانه و تعالى:    ا     ل    ل    ه

                                                                         13  13  13   2

عند صف هذه الاعداد على طريقة السلاسل العددية العشرية، و حسب تسلسل حروف لفظ الجلالة من اليمين الى اليسار، نحصل على العدد 2131313، و هذا العدد يمثل القيمة الرقمية لحروف لفظ الجلالة باستعمال الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية.

2-   القيمة الرقمية لحروف كلمة ﴿القرآن﴾    ا     ل    ق    ر    ا    ن

                                    13  13   2    6   13  1  

عند صف هذه الاعداد على طريقة السلاسل العددية العشرية، و حسب تسلسل حروف كلمة القرآن من اليمين الى اليسار، نحصل على العدد 113621313، و هذا العدد يمثل القيمة الرقمية لحروف كلمة القرآن باستعمال الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية.

3-   القيمة الرقمية لحروف اسم النبي الثنائي محمد بن عبد الله (ص):

 الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية

 أ       ل     م     ص    ر      ك   ه      ي     ع      ط    س    ح      ق     ن

13    13   17    3     6     1    2      2      2     4     5     7     2      1

     م   ح     م    د     ب   ن    ع    ب    د     ا      ل     ل     ه

    17  7   17   0    0    1    2    0    0   13   13   13    2

عند صف هذه الاعداد على طريقة السلاسل العددية العشرية، و حسب تسلسل حروف اسم النبي محمد بن عبد الله من اليمين الى اليسار، نحصل على العدد 213131300210017717، و هذا العدد يمثل القيمة الرقمية لحروف اسم النبي الثنائي باستعمال الشفرة الرقمية للحروف المقطعة.

4-   القيمة الرقمية لحروف آية البسملة: ﴿بِسمِ ٱللهِ ٱلرَّحمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾

 أ       ل     م     ص    ر      ك   ه      ي     ع      ط    س    ح      ق     ن

13    13   17    3     6     1    2      2      2     4     5     7     2      1

﴿ بِسمِ          ٱللهِ             ٱلرَّحمَـٰنِ               ٱلرَّحِيمِ﴾

 0 5 17    13 13 13 2    13 13 6 7 17 1     13 13 6 7 2 17

عند صف هذه الأرقام على طريقة السلاسل العشرية، و حسب تسلسل حروف آية البسملة من اليمين الى اليسار، نحصل على العدد 17276131311776131321313131750، و هذا العدد يمثل القيمة الرقمية لحروف آية البسملة باستعمال الشفرة الرقمية للحروف المقطعة.

5-   القيمة الرقمية لحروف سورة الفاتحة:

﴿بِسمِ ٱللهِ ٱلرَّحمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ (1) ٱلحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلعَـٰلَمِينَ (2) ٱلرَّحمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ (3) مَـٰلِكِ يَومِ ٱلدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعبُدُ وَ إِيَّاكَ نَستَعِينُ (5) ٱهدِنَا ٱلصِّرٰطَ ٱلمُستَقِيمَ (6) صِرٰطَ ٱلَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِم غَيرِ ٱلمَغضُوبِ عَلَيهِم وَ لا ٱلضَّالِّينَ (7)﴾

الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية

 أ       ل     م     ص    ر      ك   ه      ي     ع      ط    س    ح      ق     ن

13    13   17    3     6     1    2      2      2     4     5     7     2      1

 ﴿بسمِ            ٱللهِ                ٱلرَّحمَـٰنِ                ٱلرَّحِيمِ

0 5 17    13 13 13 2    13 13 6 7 17 1     13 13 6 7 2 17  

     ٱلحَمدُ            لِلَّهِ            رَبِّ                  ٱلعَـٰلَمِينَ     

 13 13 17 0   13 13 2      6 0         13 13 2 13 17 2 1  

    ٱلرَّحمَـٰنِ                      ٱلرَّحِيمِ            مَـٰلِكِ          يَومِ            ٱلدِّينِ

13 13 6 7 17 1     13 13 6 7 2 17    17 13 1    2 0 17     13 13 0 2 1

        إِيَّاكَ              نَعبُدُ       وَ            إِيَّاكَ                  نَستَعِينُ

 13 2 13 1    1 2 0 0    0      13 2 13 1       1 5 0 2 2 1

       ٱهدِنَا              ٱلصِّرٰطَ                    ٱلمُستَقِيمَ

  13 2 0 1 13    13 13 3 6 4        13 13 17 5 0 2 2 17

  صِرٰطَ           ٱلَّذِينَ                   أَنعَمتَ                عَلَيهِم

 3 6 4     13 13 0 2 1      13 1 2 17 0        2 13 2 2 17  

 غَيرِ            ٱلمَغضُوبِ                عَلَيهِم            وَ       لا                 ٱلضَّالِّينَ ﴾

0 2 6    13 13 17 0 0 0 0     2 13 2 2 17   0     13 13     13 13 0 13 13 2 1

عند صف هذه الأرقام على طريقة السلاسل العشرية، و حسب تسلسل حروف و كلمات سورة الفاتحة من اليمين الى اليسار، نحصل على العدد:

121313013131313017221320000171313620172213201721131201313463172205171313463131313102131220511132130002111321312013131702113171727613131177613131217132131306213130177131317276131311776131321313131750

هذا العدد يمثل القيمة الرقمية لحروف سورة الفاتحة باستعمال الشفرة الرقمية للحروف المقطعة.

ثانياً: القيمة الرقمية للكلمات باستعمال الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية

الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية

    أ      ل     م     ص    ر     ك    ه     ي      ع     ط     س    ح     ق      ن

13    13   17    3     6     1    2     2      2     4     5     7     2      1

1-    القيمة الرقمية لكلمة لفظ الجلالة ﴿الله﴾ سبحانه و تعالى:    ا      ل      ل    ه

                                                                13 + 13 + 13 + 2 = 41

عند جمع هذه الارقام، نحصل على العدد 41، و هذا العدد يمثل القيمة الرقمية لكلمة لفظ الجلالة باستعمال الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية.

2-   القيمة الرقمية لكلمة ﴿القرآن﴾       ا      ل     ق    ر     ا     ن

                                        13 + 13 + 2 + 6 + 13 + 1 = 48

عند جمع هذه الارقام، نحصل على العدد 48، و هذا العدد يمثل القيمة الرقمية لكلمة القرآن باستعمال الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية.

3-   المصفوف العددي للقيمة الرقمية لكلمات اسم النبي الثنائي محمد بن عبد الله (ص):

  م     ح      م     د           ب   ن         ع     ب    د         ا       ل     ل     ه

 17 + 7 + 17 + 0 = 41   0 + 1 = 1   2 + 0 + 0 = 2  13 + 13 + 13 + 2 = 41

عند صف الاعداد المؤشرة باللون الأحمر، و حسب تسلسل كلمات اسم النبي من اليمين الى اليسار، نحصل على العدد 412141، و هذا العدد يمثل المصفوف العددي للقيمة الرقمية لكلمات اسم النبي محمد بن عبد الله (ص) باستعمال الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية.

بنفس الطريقة يمكن أن نحصل على قيمة رقمية للاسم الثنائي للنبي محمد بن عبد الله، عندما نجمع الاعداد التي تمثل القيمة الرقمية لكلمات الاسم المؤشرة باللون الأحمر، و كما يلي:

41 + 1 + 2 + 41 = 85، فيكون هذا العدد يمثل القيمة الرقمية للاسم الثنائي للنبي محمد بن عبد الله (ص) بالحروف المقطعة القرآنية.

4-    المصفوف العددي للقيمة الرقمية لكلمات آية البسملة: ﴿بِسمِ ٱللهِ ٱلرَّحمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾

الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية

 أ       ل     م     ص    ر      ك   ه      ي     ع     ط     س    ح      ق      ن

13    13   17    3     6     1    2      2      2     4     5     7     2      1

﴿        بِسمِ                                       ٱللهِ                                 

     0 + 5 + 17 = 22               13 + 13 + 13 + 2 = 41 

             ٱلرَّحمَـٰنِ                                               ٱلرَّحِيمِ﴾    

13 + 13 + 6 + 7 + 17 + 1 = 57           13 + 13 + 6 + 7 + 2 + 17 = 58

عند صف الاعداد المؤشرة باللون الأحمر، و حسب تسلسل كلمات آية البسملة من اليمين الى اليسار، نحصل على العدد 58584122، و هذا العدد يمثل المصفوف العددي للقيمة الرقمية لكلمات آية البسملة باستعمال الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية.وبنفس الطريقة يمكن أن نحصل على مجموع القيمة الرقمية لآية البسملة، عندما نجمع الاعداد التي تمثل القيمة الرقمية لكلمات الآية المؤشرة باللون الازرق، و كما يلي: 22 + 41 + 57 + 58 = 178، فيكون هذا العدد يمثل مجموع القيمة الرقمية لآية البسملة بالحروف المقطعة القرآنية.

القرينة الحسابية الأولى

عن عبد الله بن عجلان قال سألت الامام محمد بن علي بن الحسين عن معنى الآية ﴿وَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَستَ مُرسَلاً‌ ۚ قُل كفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَا بَينِى وَ بَينَكم وَ مَن عِندَهُ عِلمُ ٱلكِتَـٰبِ﴾ سورة الرعد (13) الآية 43 فقال: نزلت في علي بعد رسول الله (ص) و في الأئمة بعده و علي عنده علم الكتاب. عن بريد بن معاوية قال: قلت للإمام محمد بن علي بن الحسين: ﴿قُل كفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَا بَينِى وَ بَينَكم وَ مَن عِندَهُ عِلمُ ٱلكِتَـٰبِ﴾؟ قال: إيانا عنى، و علي أولنا و أفضلنا و خيرنا بعد النبي صلى الله عليه و آله. 

أن مجموع حروف الآية هو العدد 63، و هذا العدد متطابق مع القيمة الرقمية لاسم الامام علي بن أبي طالب باستعمال الشفرة الرقمية للحروف المقطعة.

﴿وَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَستَ مُرسَلاً ‌ۚ قُل كفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَا بَينِى وَ بَينَكم وَ مَن عِندَهُ عِلمُ ٱلكِتَـٰبِ﴾ مجموع حروف الآية = 63

الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية

    أ       ل     م    ص     ر    ك    ه     ي     ع     ط     س     ح     ق      ن

13    13   17    3     6     1    2      2      2     4     5      7     2      1

علي بن أبي طالب

ع     ل    ي    ب    ن      أ     ب   ي     ط     ا      ل     ب

2 + 13 + 2 + 0 + 1 + 13 + 0 + 2 + 4 + 13 + 13 + 0 = 63

المصفوف العددي للقيمة الرقمية لحروف الآية 43 في سورة الرعد، مع القيمة الرقمية لحروف الأسماء الأولى للمعصومين الأربعة عشر، باستعمال الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية.

الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية

    أ       ل     م    ص     ر     ك    ه      ي      ع     ط     س     ح     ق      ن

13    13   17    3     6     1    2      2      2     4     5      7     2      1

﴿وَ      يَقُولُ                ٱلَّذِينَ               كَفَرُواْ          لَستَ             مُرسَلاً ‌ۚ

 0    2 2 0 13     13 13 0 2 1    1 0 6 0 13    13 5 0     17 6 5 13 13

  قُل       كفَىٰ             بِٱللَّهِ               شَهِيدَا           بَينِى        وَ          بَينَكم

2 13   1 0 2    0 13 13 13 2    0 2 2 0 13     0 2 1 2    0     0 2 1 1 17

وَ      مَن       عِندَهُ           عِلمُ           ٱلكِتَـٰبِ﴾               

0    17 1   2 1 0 2    2 13 17    13 13 1 0 0

محمد             فاطمة           علي              الحسن             الحسين

17 7 17 0   0 13 4 17 2    2 13 2      13 13 7 5 1   13 13 7 5 2 1

  علي              محمد          جعفر            موسى         علي             محمد

2 13 2       17 7 17 0    0 2 0 6      17 0 5 2     2 13 2     17 7 17 0  

   علي              الحسن              محمد

2 13 2      13 13 7 5 1      17 7 17 0  

عند صف هذه الارقام، على طريقة السلاسل العددية العشرية و حسب تسلسل حروف و كلمات الآية و حروف أسماء المعصومين الأربعة عشر من اليمين الى اليسار، نحصل على العدد:

0177171571313213201771721322501760200177172132125713131571313213221741300177170011313171322012117017112002120130220213131302011321313561705131306011201313130220

أولاً: من مضاعفات العدد 114 مجموع سور الكتاب (القرآن الكريم) التي تشير اليه الآية الكريمة ﴿وَ مَن عِندَهُ عِلمُ ٱلكِتَـٰبِ﴾

177171571313213201771721322501760200177172132125713131571313213221741300177170011313171322012117017112002120130220213131302011321313561705131306011201313130220  ÷ 114 =

1554136590466782471681765986857545615589229229172922206765905379138081580501491327308520368527342255368439650265089588871070274748364576360800929922818536230

ثانياً: هو من مضاعفات العدد 57 مجموع حروف الأسماء الاولى للمعصومين الأربعة عشر.

177171571313213201771721322501760200177172132125713131571313213221741300177170011313171322012117017112002120130220213131302011321313561705131306011201313130220 ÷ 57 =

3108273180933564943363531973715091231178458458345844413531810758276163161002982654617040737054684510736879300530179177742140549496729152721601859845637072460

محمد، فاطمة، علي، الحسن، الحسين، علي، محمد، جعفر، موسى، علي، محمد، علي           الحسن، محمد مجموع الحروف = 57

ثالثاً: أن مقلوب هذا العدد الكبير هو أيضاً من مضاعفات العدد 57 مجموع حروف الأسماء الأولى المعصومين الأربعة عشر.                                      

22031313102110603131507165313123110203131312022031021200211710711210223171313110071771003147122312313175131317521231271771002067105223127177102312313175171771  ÷ 57 =

386514264949308826868546759879352810581251088105807389477398433530003915286194913539842160475830040582019847675811074943350913457986370652229865128301318803

في هذه القرينة سوف يتبين مرة أخرى عظمة و دقة الإعجاز العددي الذي جَعَلَهُ الله جلَّ و علا في القرآن العظيم، و في الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية بالذات، و ذلك من أجل بيان مكانة الامام علي بن أبي طالب (ع)، عنده تعالى و عند رسوله (ص)، و كذلك علاقته بالقرآن العظيم منذ بداية نزوله على النبي المصطفى و الى آخر ما نزل عليه.قال الشّيخ الوحيد الخرّاساني في رسالته العمليّة (منهاج الصّالحين) ما نصّه: قال النبيّ (ص): "عليّ مع القرآن و القرآن مع عليّ لن يتفرقا حتى يردا على الحوض". و قد اعترف بصحّة سنده كبار أئمة الحديث من العامة و الخاصة.أهم مصدر نقل هذا الحديث من مصادر المسلمين هو الحاكم النيسابوري في كتابه المشهور "المستدرك على الصحيحين" و هو محمد بن عبد الله بن حمدون أو حمدويه ابن نعيم بن الحكم الضبي النيسابوري. أبو عبد الله، الشهير بالحاكم النيسابوري. (321 ه – 405 هـ).

المصفوف العددي لمجموع القيمة الرقمية لكلمة ﴿القرآن﴾ مع مجموع القيمة الرقمية لاسم الامام الثنائي علي بن أبي طالب (عليهما السلام)، باستعمال الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية.

الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية

   أ       ل     م     ص    ر     ك    ه      ي      ع     ط    س    ح     ق     ن

  13    13   17    3     6     1    2      2      2     4     5     7    2     1

﴿القرآن﴾    ا      ل     ق    ر     ا      ن

            13 + 13 + 2 + 6 + 13 + 1 = 48

عليّ بن ابي طالب   ع      ل    ي   ب    ن     أ      ب   ي    ط     ا      ل     ب

                     2  + 13 + 2 + 0 + 1 + 13 + 0 + 2 + 4 + 13 + 13 + 0 = 63

عند صف العددين المؤشرين باللون الأحمر، و حسب التسلسل أعلاه من اليمين الى اليسار، نحصل على العدد 6348، و هذا العدد الصغير في مراتبه الرقمية، المذهل حقاً في مدلولاته و مكنوناته، هو:

أولاً: من مضاعفات العدد 23، الذي هو مجموع سنين نزول القرآن الكريم، لأن الامام علي بن أبي طالب هو إزاء القرآن المجيد، و قد رافق بداية نزوله على النبي المصطفى (ص) و الى انتهاء الوحي المقدس، و هو القائل: فوالذي خلق الحبّة و برء النسمة لو سألتموني عن آية آية في ليلة نزلت، أو في نهار اُنزلت، مكيّها و مدنيّها، سفريها و حضريّها، ناسخها و منسوخها، و محكمها و متشابهها، و تأويلها و تنزيلها، إلاّ أخبرتكم.

الأمر الآخر الذي يُحيِّر العقول، هو أن العدد 6348، يقبل القسمة على العدد 23، لمرتين بصورة متوالية، ليكون ناتج القسمة العدد 12 بالذات، الذي هو مجموع حروف اسم الامام الثنائي علي بن أبي طالب (ع)، و هو أيضاً من مضاعفات الرقم 3 مجموع حروف اسمه الأول، و كذلك من مضاعفات الرقم 6 مجموع حروف كلمة القرآن موضوع البحث.

6348  ÷ 23  ÷ 23  = 12

ثانياً: العجيب هو أن مقلوب هذا العدد الصغير (8436)، هو من مضاعفات العدد 114، مجموع سور ﴿القرآن﴾ الكريم موضوع البحث، و لأن الامام علي بن أبي طالب هو الذي كُلِّف من قبل الرسول الكريم بجمع القرآن من بعده، ثم تبليغ و بيان تفاصيل معاني و مقاصد الكتاب المقدس الى المسلمين و البشرية جمعاء بعد وفاة النبي محمد (ص)

8436  ÷ 114 = 74

ثالثاً: أن مقلوب العدد هو من مضاعفات العدد 12، مجموع حروف الاسم الثنائي للإمام علي بن أبي طالب موضوع البحث.

8436  ÷ 12 = 703

قد يسال سائل و يقول: هل ان هذا القرآن الذي الامام علي هو معه و هو مع الامام، هو نفسه المتكون من 114 سورة و 6236 آية مرقمة مع آية البسملة العامة غير المرقمة (المجموع 6237 آية) في بداية سور الكتاب المقدس الذي بين أيدينا الآن بقراءة حفص عن عاصم؟ من أجل إثبات ذلك، فقد جَعَلَ الله تعالى إعجازاً عددياً مبهراً آخر من خلال القيمة الرقمية لكلمة القرآن و مجموع سوره و آياته مع القيمة الرقمية للاسم الثنائي للإمام علي بن ابي طالب (ع).

المصفوف العددي لمجموع القيمة الرقمية لكلمة ﴿القرآن﴾ و مجموع سوره و آياته، مع مجموع القيمة الرقمية لاسم الامام الثنائي علي بن أبي طالب، باستعمال الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية.

الشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية

   أ       ل     م    ص     ر     ك    ه     ي      ع     ط     س    ح     ق     ن

  13    13   17    3     6     1    2      2      2     4     5     7    2     1

﴿القرآن﴾    ا      ل     ق    ر     ا    ن

            13 + 13 + 2 + 6 + 13 + 1 = 48

مجموع سور القرآن           مجموع آيات القرآن (الآيات المرقمة مع البسملة العامة غير المرقمة)

         114                                                6237

عليّ بن ابي طالب   ع      ل    ي    ب    ن     أ     ب   ي    ط     ا      ل     ب

                     2  + 13 + 2 + 0 + 1 + 13 + 0 + 2 + 4 + 13 + 13 + 0 = 63

عند صف الأعداد ، و حسب التسلسل أعلاه من اليمين الى اليسار، نحصل على العدد 63623711448، و هذا العدد هو:

أولاً: من مضاعفات العدد 114 مجموع سور القرآن المجيد و لمرتين على التوالي، المرة الأولى لأن علي مع القرآن، و المرة الثانية لأن القرآن مع علي !!!.

63623711448  ÷ 114 ÷ 114 = 4895638

ثانياً: هو من مضاعفات الرقم 6، مجموع حروف كلمة ﴿القرآن﴾ و لمرتين أيضاً، لنفس السبب.

63623711448  ÷ 6  ÷ 6  = 1767325318

ثالثاً: هو من مضاعفات الرقم 3، مجموع حروف اسم الإمام علي و لمرتين أيضاً.

63623711448  ÷3  ÷ 3  = 7069301272

رابعاً: هو من مضاعفات العدد 12، مجموع حروف اسم الإمام الثنائي علي بن أبي طالب.

63623711448  ÷ 12  = 5301975954

خامساً: هو أن مقلوب هذا العدد هو من مضاعفات العدد 23، مجموع سنين نزول القرآن الكريم.

84411732636  ÷ 23  = 3670075332

سادساً: أن مقلوب هذا العدد هو من مضاعفات الرقم 6، مجموع حروف كلمة ﴿القرآن﴾ و لمرتين.

84411732636  ÷ 6  ÷ 6  = 2344770351

سابعاً: أن مقلوب هذا العدد هو من مضاعفات الرقم 3، مجموع حروف اسم الإمام علي و لأربعة مرات متوالية.

63623711448  ÷ 3  ÷ 3  ÷ 3  ÷ 3  = 1042120156

ثامناً: أن مقلوب هذا العدد هو من مضاعفات العدد 12، مجموع حروف علي بن أبي طالب.

84411732636  ÷ 12  = 7034311053

تاسعاً: أن مقلوب هذا العدد هو من مضاعفات العدد 63، مجموع القيمة الرقمية لحروف اسم الإمام الثنائي علي بن أبي طالب بالشفرة الرقمية للحروف المقطعة القرآنية موضوع البحث.

84411732636  ÷ 63  = 1339868772

   أ       ل     م    ص     ر      ك    ه     ي      ع     ط     س    ح    ق     ن

  13    13   17    3     6     1    2      2      2     4     5     7    2     1

عليّ بن ابي طالب   ع      ل    ي    ب    ن     أ     ب   ي    ط     ا      ل     ب

                     2  + 13 + 2 + 0 + 1 + 13 + 0 + 2 + 4 + 13 + 13 + 0 = 63

عاشراً: الأمر الذي يكاد ألاَّ  يصدق لولا علمنا اليقيني الثابت بأنه من تدبير العليم الحكيم ربنا العظيم، هو أن مقلوب هذا العدد هو من مضاعفات العدد 6237، مجموع الآيات القرآنية المرقمة مع آية البسملة العامة غير المرقمة.

84411732636  ÷ 6237  = 13534028

قال تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾

الاستاذ سعد الخزرجي

مقتل الامام الحسين (ع) .. قراءة نقدية مقارنة

استضافت مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 4 اكتوبر 2017 الاستاذ سعد الخزرجي الباحث في الشأن التاريخي في أمسية ثقافية قدم فيها رؤيته للثورة الحسينية كنبراس اصلاح ووهج ثوري ممتد تأريخيا عبر قراءته المقارنة للمصادر التاريخية التي تناولت حادثة استشهاد الامام الحسين (ع) لدى المتقدمين والمتأخرين.  الأستاذ سعد الخزرجي،باحث في التاريخ الاسلامي ،ولد عام 1959 م نشأ ودرس في بغداد ثم انتقل الى  بيروت ليستقر اخيرا في لندن ،لديه العديد من البحوث التاريخية والمحاضرات .وعدد من المؤلفات بعضها قيد الطبع منها :-     الدولة الاسلامية في عهد الخليفة عثمان بن عفان، وصلح الامام الحسن (ع) .. دراسة تاريخية استقرائية، والهاشميون وموقفهم من واقعة الطف.

المدخل

ابتدأ الاستاذ الخزرجي محاضرته بالقول ؛ كل عام تمر ذكرى استشهاد الامام الحسين (ع) وتتجدد فاجعتها ،لان واقعة الطف من اكثر الحوادث اسى وحزنا على مر التاريخ. وقد تركت تلك الواقعة اثرا بليغا في الفكر الانساني ومن جميع الديانات حيث يعيش الحسين في ضمير الانسانية مهما حاول البعض ان يتجاهله او من اراد من البعض الاخر ان يحصره في مساحات جغرافية ضيقة،لان ثورة الحسين (ع) على طغاة بني امية حملت الكثير من المفاهيم الانسانية والقيم الاخلاقية السامية ،ولانها واحدة من الثورات الفريدة في التاريخ وليس لها نظير وهي النبراس لكل الاحرار.

روايات المقتل

انتقل الاستاذ سعد الخزرجي الى تناول موضوع الرواية التاريخية لحادثة مقتل الامام الحسين فبين ؛ ان رواية المقتل قد كتبها العديد من الاخباريين والمؤرخين ،ولكن اكثر المقاتل القديمة لم يبق منها الا الاسم فقط ،فقد حرفت وسرقت واتلفت ،وذلك لئلا يبقى للحسين اسم ورمز يسير عليه من يريد الحرية والاباء .والذي وصل الينا من المقاتل القديمة الشيء القليل او ما نقل عنها في كتب التاريخ.

عدد المقاتل

ان عدد الذين كتبوا مقتل الامام الحسين من المتقدمين والمتأخرين بلغ 77 كتاب مقتل ،27 منها بالعربية ،20 بالفارسية ،والبقية بلغات اخرى .

كذلك تم ذكر المقتل في كتب التاريخ مثل :

  1. اليعقوبي ت 284 هـ
  2. الطبري ت 310هـ
  3. ابن الاثير ت÷ 630 هـ
  4. ابن اكثم الكوفي ت 314هـ
  5. المسعودي ت346هـ
  6. ابو الفرج الاصفهاني ت 366هـ
  7. الواقدي ت 207 هـ

اما اشهر هذه المقاتل فهو ما عرف بمقتل ابي مخنف ،وهو الذي وصل الينا عبر كتب التاريخ لوفرة من نقل عنه من كتاب ومؤرخين في نقل حوادث معارك الطف عام 61 هـ.

ابو مخنف .. صاحب رواية المقتل الاشهر

هو لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم بن الحارث بن عوف بن ثعلبة بن عامر بن ذهل بن مازن بن ذبيان بن ثعلبة الأزدي الغامدي الأزدي، كان جده مخنف بن سليم صحابياً ومن أصحاب الإمام علي وقتل وهو يقاتل إلى جانبه في حرب الجمل، لابي مخنف بعض الاخبار في تاريخ الطبري ، تُرجم لابيه ترجمهُ ، ابن حجر في " الإصابة في تمييز الصحابة، وقال عنه ابن النديم: إنّ مخنفاً هذا(جد لوط بن يحيى) كان من أصحاب علي بن أبي طالب، وقد ورث أبو مخنف من جده. مات سنة 157هـ. قال عنه ابن النديم في الفهرست: قالت العلماء: أبو مخنف بأمر العراق وفتوحها وأخبارها، والمدائني بأمر خراسان والهند وفارس، والواقدي بالحجاز والسيرة، وقد اشتركوا في فتوح الشام.

أما مؤلفاته فقد زادت على الثلاثين رسالة بقليل، وكلها في التاريخ عن حوادث مختلفة وقعت في إبان القرن الأول للهجرة؛ ولاسيما في العراق أو عن شخصيات سياسية عاشت في تلك الحقبة. ومعظم هذه الكتب أو الرسائل مفقود. وقد حفظ البلاذري في «فتوح البلدان» والطبري في تاريخه كثيراً من محتويات تلك الكتب، ويُذكر منها: كتاب «الردّة»، «فتوح الشام»، «فتوح العراق»، كتاب «الجمل»، كتاب «صفين»، كتاب «النهروان»، «مقتل عثمان بن عفان»، «مقتل علي بن أبي طالب»، «مقتل الحسين»، «الأزارقة»، «الضحاك الخارجي»، «الخوارج والمهلب»، «أخبار المختار بن أبي عبيد الثقفي» وهذا الكتاب الأخير مطبوع.

ويشير ابن النديم في الفهرست الى قائمة كتب ابي مخنف ،ويبين ان جهده كان موجها الى التصنيف في اخبار الشيعة وفي اخبار الكوفة بالخصوص وليس فيها اخبار بني امية او بني مروان مما يستدل منه علة توجهه السياسي. ومن مؤلفاته كتاب الجمل ،كتاب صفين،كتاب الحكمين ،كتاب النهروان ،مقتل محمد بن ابي بكر، مقتل الامام علي،مقتل حجر بن عدي،كتاب اخبار زياد بن ابيه،مقتل الحسين،كتاب اخبار التوابين،كتل المختار ومحمد بن الحنفية ،كتاب مطرف بن المغيرة.

كتاب واقعة الطف لابي مخنف

لقد جمع ابو مخنف ما دار في واقعة الطف من افواه الرواة واودعها كتابا اسماه (مقتل الامام الحسين) ،وبحسب العامل الزمني لرواة تلك الواقعة،نفترض انه بدأ بسماع احاديث تلك الرواية وجمعها في العشرين سنة الاخيرة من حياته اي بحدود عام 80 هـ ،ويستدل عد الخزرجي على ذلك مما يلي :

  • من خلال روايته اما مباشرة او باسناد واحد فقط.
  • ان اغلب من روى عنهم كانوا ممن شهد الواقعة وكانوا على قيد الحياة.

لكن يجب ان نقول انه كتابتها في ذلك الزمان امر مستبعد،لان تدوين التاريخ والحديث كان يعد مكروها جدا في تلك الفترة ،بل حتى ممنوعا. لذلك نرى انه ربما بدأ بكتابتها في مطلع القرن الثاني الهجري بعد سماح الخليفة عمر بن عبد العزيز (ت101هـ) في تدوين الحديث. لكن من المستبعد ان يكون املاه على الناس حينذاك في زمن السلطة الاموية المتشددة تجاه المعارضة الهاشمية ،لذلك يبقى الاحتمال الاقرب انه دون كتابه المشار اليه بحدود 120 هـ وهو عهد بداية ضعف السلطة الاموية لكثرة الثورات والصراعات داخل البيت الاموي.

مصادر ابي مخنف في روايته

الملاحظ في اخباره المتناثرة في كتب التاريخ ولاسيما الطبري انه يروي كثيرا عن ابيه يحيى او عمه او احد بني عمومته او اشياخه مثل حميد بن مسلم من حي الازد في الكوفة،ويبدو الاهتمام بالشأن السياسي واضحا في هذا الحي الكوفي الذي سكنته قبيلة الازد اليمانية،ومما يميز ابي مخنف ان رواياته اختصت بالكوفيين حتى اعتبره المؤرخون المحدثون صاحب مدرسة الروي العراقية.

المقتل النتداول حاليا والمنسوب لابي مخنف

اشار الاستاذ سعد الخزرجي الى ان الايدي اليوم تتداول كتاب مقتل الامام الحسين المنسوب زورا لابي مخنف ،فمن الواضح من مراجعة هذه النسخة انها منحولة ومنسوبة كذبا لابي مخنف والدليل على ذلك يكمن في :

1-   اخطاء السنين : حيث يذكر المتأخرين مثل محمد بن السائب (ت 206 هـ) او الكليني (ت329هـ) بأنهم حدثوا ابي مخنف المتوفي بحدود( 157هـ).

2-   استعمال مفردات من اللغة العامية بالتأكيد لم تكن مستعملة في زمن ابي مخنف.

3-   ذكر مقتل اشخاص مع الحسين (ع) مع العلم انهم لم يحضروا واقعة كربلاء كالطرماح بن عدي .

4-   نسب ابيات شعرية قالها شعراء متأخرون للامام الحسين (ع).

5-   وجود اخطاء كثيرة في التواريخ ،وعدم دقة في ذكر تفاصيل الواقعة.

الرواية والقص

ويذكر الاستاذ سعد الخزرجي ان الروي او القص مهنة ولها رجالها خصوصا في القرن الاول او الثاني،من ذكر وقائع العرب قبل الاسلام وبعده،وحتى عهود قريبة،فيها الكثير من الصحيح وفيها القليل من الخيال ،والرواة انواع ،منهم من يحضر المعركة وينقل ما يدور فيها،وننشبههم بزمننا الحاضر بالمراسلين الحربيينوفيهم القصاصونالذين يحضرون المعارك ويثيرون عزيمة المقاتلينبذكر وقائع رسول الله ،كما جرى في معارك عين الوردة عام 65هـاو معارك ابن الاشعث مع الحجاج عام 81-83هـ.

وهنالك من نقل اخبار الشعوب الاخرى كالفرس مثل النضر بن الحارث قبل الاسلام،كما يذكر المؤرخون بعض اهل المدينة ممن تلقى ما عند اهل الكتاب من اليهود ونقل عنهم قصص الانبياء والمرسلينمثل سويد بن الصمتالذي نقل عنه الطبري ومحمد بن اسحاق الذي دون احاديث ما قبل الاسلام والتي تنتهي سنادها بعبارة بعض اهل العلم من اهل الكتاب الاول.

مقارنة مقتل ابي مخنف مع باقي المقاتل

تناول الاستاذ الخزرجي بالمقارنة مقتل ابي مخنف مع بقية المقاتل من عدة نواحي :

1-   عدد القتلى:ورد في مقتل ابي مخنف المذكور في تاريخ الطبري طبيعة المعركة من مبارزة وارتجاز الاشعار والحملات من الطرفين ،وفي رواية ابي مخنف يذكر اسم من تقدم للقتال وان كان من الهاشميين ام من انصار الحسين ويذكر هذه الجملة (قاتل قتالا شديدا حتى قتل)او (قاتل قتال الابطال حتى قتل) ولم يذكر عدد من قتل من الجانب الاخر سوى في بعض المواضع. وقد توافق الخوارزمي في مقتله مع ابي مخنف مع بعض الفوارق القليلة ،لانه اخذ عن ابن اكثم في كتاب الفتوح ،وابن اكثم كما هو معلوم كان قد استند الى رواية ابي مخنف.

2-   ذكر المتأخرين منرواة المقتل معجزات حدثت بعد مقتل الامام الحسين لم يذكرها ابي مخنف مثل ذكر الخوارزمي عن ابن اكثم ؛ارتفعت في السماء غبرة شديدة مظلمة فيها ريح حمراء ،لايرى فيها عين ولا اثر حتى ظن القوم ان لعذاب قد جاءهم فلبثوا في ذلك ساعة ثم انجلت عنهم،بينما نجد الامر روي بشكل مختلف لدى المتأخرين كما في الملهوف لابن طاووس الذي ذكر وصف مقتل عبد الله الرضيع في حجر والده الحسين (تلقى الدم بكفه حتى امتلأت ،ورمى به نحو السماء وقال اهون علي ما نزل بي انه بعين الله ،واضاف قال الباقر ،فلم يسقط من لك الدم قطرة الى الارض) كما ذكر الصدوق في الامالي وهنا نحن نتحدث عن نهاية القرن الرابع الهجري (381هـ)قال(لم يرفع في بيت المقدس حجر على وجه الارض الا وجد تحته دم عبيط،وابصر الناس الشمس على الحيطان حمراء كانها الملاحف المعصفرة،الى ان خرج علي بن لحسين بالنسوة ورد رأس الحسين الى كربلاء) وهنا يمكن ان نلاحظ بتقادم الزمن كيف يمكن ان تتحول عاصفة ترابية حمراء ،وهو امر منطقي الحدوث في منطقة شبه صحراوية مفتوحة ،تتحول هذه العاصفة الى وجود الدم وكانما شبه الغبار الاحمر بالدم التناثر في كل مكان.

3-   كما يجب ان نؤكد على ظهور موضوع الكرامات في الروايات المتأخرة لحادثة مقتل الامام الحسين مثال ذلك ما رواه المجلسي عن البحار ؛(برز من معسكر عمر بن سعد رجل يقال له تميم بن حصين نادى الحسين ،اما ترى الى الماء الفرات يلوح كأنه بطن السماء ،والله لا ذقتم منه قطرة حتى تذوقوا الموت جزعا،فقال الحسين اللهم اقتله عطشا في هذا اليوم،فخنقه العطش حتى سقط عن فرسه فوطأته الخيل بسنابكها فمات.

الخاتمة

مما سبق يتضح لنا اهمية تناول التراث ،ومفاصله حتى الحساس منها بعين نقدية ،والعمل على غربلة النصوص بطريقة علمية تقوم على فهم ودراسة وقائع التاريخ والعوامل السياسية والفقهية وحتى الاقتصادية والاجتماعية والطقوسية التي تسببت في اعادة  تشكيل العقلية التي تنتج روايات متجددة بعد مئات السنين لنفس الحادثة التاريخية ،وهذا لايعني باي شكل من الاشكال اننا ننتقص من قيمة ما ذكر في المصادر التاريخية ،وانما يجب ان نتعامل بحذر ووعي مع الروايات التاريخية لكي نصل الى نتائج تقربنا الى الحقيقة العلمية التاريخية ولا  تجعلنا نسير ونحن مغلقي العيون باتجاه التعصب والافكار المنغلقة التي قد تسيء الى حاضرنا ومستقبلنا.

    


 

استضافت مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 11 تشرين اول/اكتوبر 2017 الدكتور عادل الموسوي في امسية ثقافية للحديث عن الجوانب النفسية للترابط في المجتمع والارتباط بالوطن حيث تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في وقتنا هذا الذي نرى فيه محاولات دائبة لتفتيت الاوطان والمجتمعات. الدكتور عادل الموسوي استشاري في الطب النفسي واكاديمي يعمل في مستشفيات لندن منذ سنوات. عمل أستاذا زائرا في جامعة هارتفورد شاير وايضاّ كاستشاري في الطب النفسي في مستشفى نورثويك بارك التعليمي في لندن. وهو رئيس عيادة امراض الذاكرة في مدينة هارو وكذلك يرأس فريق الصحة النفسية في جنوب المدينة. له بحوث منشورة في الطب النفسي في المجلات  المتخصصة وكذلك مساهمات في المؤتمرات العلمية.

حاول البروفيسور عادل الموسوي في هذه المحاضرة تسليط الضوء على قضية هامة قد تبدو كما قال في بداية حديثه وكأنها قضية إجتماعية في حين أنَّها تتَّصل بشكل وثيق بقضايا النفس. فأوضح كيف أنَّ العنوان الذي تم إختياره للمحاضرة يثير في النفس عادة معاني الوطنية والحنين الى الوطن والعلاقة بالمجتمع. وهو ما يدعو في رأيه الى محاولة تناول الموضوع بقليل من التفصيل فيما يتعلق بالإنتماء الى المجتمع وقضية الهوية الإجتماعية.

وبدأ بمحاولة استعراض الحاجات النفسية التي تقوم عليها قضية الترابط الإجتماعي وقال بأنَّ الدراسات تُشير الى وجود تسع حاجات نفسية رئيسية يحتاجها الانسان في حياته بالعادة وقال: في تصوري فإنَّ هناك سبعة أمور نفسية تعمل كمحددات لقضية الترابط الإجتماعي وهي التالية:

قضية الحاجة الى الانتماء الى مجتمع.

تحديد هوية اجتماعية. وهو ذلك الجانب النفسي المتعلق بالإنتماء.

النشأة الإجتماعية والتعوُّد.

التعاطف والتفهم النفسي، وهما الأمران الأهم بين جميع هذه العوامل. لذا لا بدَّ               من محاولة تسليط ضوء أكثر عليه والبدء به قبل غيره.

القيم الانسانية الأخلاقية من الناحية النفسية.

الوازع الديني، سيما في منطقتنا الاسلامية.

العامل الآخر هو ما حبَّذ البروفيسور الموسوي ان يطلق عليه عامل خلق التوازن بين الضعفاء والأقوياء.

بعد ذلك بدأ الدكتور بالحديث عن مسألة التعاطف والتفهم النفسي (Empathy)وأوضح أنَّه أمر مختلف عن العطف والشفقة، إذ في قضية التعاطف النفسي يحاول الانسان أن يضع نفسه في موقع الآخر ليتمكن من الشعور بأحاسيسه وتلمّس طريقته في التفكير ومواجهة الواقع في مثل الظروف التي يكون فيها.

وأضاف: بأنَّ انعدام هذا النوع من المشاعر الإنسانية لدى البعض - وهي حالة موجودة ولكن بنسبة ضئيلة - يعكس أولاً حالة من التدهور في الصحة النفسية لأولئك الأفراد الذين قد يكون لهم شأن في مجتمعاتنا.

ثم تعرض الى أنواع التعاطف النفسي وقال بأنَّ هناك خمسة أنواع منه، الأولان هما الأساسيان والبقية كأنَّها فروع ثانوية تتفرع منها وهي:

التعاطف النفسي الوجداني. وهو يعكس حالة من الشعور بما يعاني منه الآخر سواء كان ألماً نفسيا أو معاناة أو ما شابه ذلك.

التفهم النفسي (Intellectual empathy)، وفيه يتفهم الإنسان ما يعاني منه الآخر ولكن بدون التفاعل النفسي العاطفي.

الثالث، وهو نوع أقرب إلى التعاطف العضوي والذي يطلق عليه العملاء المختصون (عدوى الألم) (Pain contagion) وفيه ينتقل الألم بما يُشبه العدوى. فمثلا لو وضع زوجين تحت اختبار وربطت مجسات بجسم الزوج ثم جرى تقريب إبره بالقرب من يد زوجته سيشعر هو بالوخز حتى قبل أن يتم وخزها هي.

الرابع، هو ما يُطلق عليه (تعاطف الرحمة) (Compassion) وهي مجموعة من الصفات التي تتجلى لدى بعض الناس الطيبين الرحيمين غير القادرين على القسوة أو الإعتداء وإلحاق الأذى بالآخر. فهؤلاء الناس يتعاطفون أيضاً مع مشاعر الرحمة وبما قد يصل الى حد البكاء أو فيض الاعين من الدمع كما يصفه القرآن الكريم في الآية (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83المائدة5)).

وقال البروفيسور الموسوي بأنَّه يعتقد بأنَّ هذا النوع من التعاطف قد دخل الثقافة العربية بعد نزول القرآن، فما ينقله التاريخ قد يوحي بأنَّ العرب كانوا يعتبرون الدمع نوعا من الضعف وربما الجبن.

ولفت هنا الى الموروث في الثقافة الإجتماعية من الخلط بين مفهومي الشجاعة والقسوة واعتبار الأخيرة نوعا من الشجاعة، والحال أنَّ هناك فرقاً جوهريَّاً بينهما.

النوع الخامس من أنواع التعاطف هو التمثيل أو تقمص الأدوار، وهي موهبة نفسية قد لا يتمكن منها الإنسان العادي. فهي قد تكون متعبة إذا ما حاول الإنسان غير الموهوب القيام بها تكلفاً. ولكنَّ الممثلين المقتدرين وأولئك الثُلة التي تفوز بجوائز الاوسكار عادةً يوحي لك تصرفهم في تقمص الادوار وكأنَّهم يعانون حقاً وانَّهم لا يمثلون أدوار المعاناة وإنّضما يعيشونها.

والممثل الناجح هو ذلك القادر على أن يعيش الدور ويتلبسه موظِفاً ما لديه من الخزين الفطري الخاص به من التفهُّم والتعاطف.

والبعض قد يصف قدرات بعض الممثلين في هذا الميدان على أنَّها قدرات في مجال التنويم المغناطيسي والتي قد يلمسها الداخل الى دار العرض السينمائي حينما يرى الناس وهي مندمجة بشكل كبير مع المعروض عليهم نتيجة قدرات بعض الممثلين على التقمص ولبس الادوار بشكل عميق.

ولذلك كان للمسرح وللتمثيل والشعر وسرد الحكايات أدوار كبيرة في حياة المجتمعات منذ القدم، واليوم صار الإعلام الممنهج، يعتمد بقسط وافرٍ منه على هذا النوع من التعاطف.

وتاتي عملية صياغة الأخبار في وسائل الإعلام ضمن هذا السياق، فقد تصف وسيلة الإعلام وفاة البعض مقتولين بأنَّهم فقدوا حياتهم أو يذكرهم كرقم مجردٍ من الضحايا اذا كان يهدف الى التخفيف من شدَّة وقع الأمر على المتلقين، بينما اذا اراد إستثارة تعاطفهم فإنَّه يُشير الى موتهم قتلا بطريقة ما، أو يدخل في تفاصيل شخصيات المتعرضين للحادث بأن يلتقي ذويهم أو يعرض عوائلهم وأطفالهم ليزيد من توظيف القدرة البشرية لدى المتلقي على التقمص والتفاعل والتعاطف.

وهذا ما يدفع الى القول بأنَّ على العاملين في ميدان الإعلام أن يكونوا متمكنين من هذا الجانب لما في الاعلام من الحاجة الى التضليل أحياناً.

وعلى هذا الاساس تجد أن هناك نخبة من المتخصصين النفسيين يعملون في بعض وسائل الإعلام الكبرى لبناء الخبر بطريقة معينة تحقق أهداف وسيلة الإعلام ومن يقف ورائها. والبحوث المنشورة حول هذا المجال مذهلة.

وتابع البروفيسور الموسوي الحديث حول هذا الموضوع المتعلق بحياة الناس بشكل جوهري فقال بأنَّ الدراسات والبحوث في مجال التعاطف وأنواعه بدأت منذ سنين قليلة ولكنَّها تطورت بسرعة فائقة وتسارعت بشكل واضح، بحيث أصبح العلماء الآن قادرين على تحديد المناطق أو الشبكات الدماغية العاملة في تكوين هذا التعاطف النفسي.

بعد ذلك طرح البروفيسور الموسوي سؤالاً فقال:

هل يمكن أن يحصل نوع من الإنسداد في التعاطف النفسي لدى الناس؟

وفي معرض الإجابة على هذا السؤال قال: لو بدأنا بالقضايا البيولوجية سنقول نعم يحصل ذلك، فبعض الناس يأتون الى الدنيا هكذا كما في إضطراب التوحُّد التطوري، فالمصابين يعانون من ضعف في قضية التفهم النفسي.

فالطفل المصاب يبدأ شبه طبيعي خلال السنتين الأولى من حياته ثم تبدأ علامات الإنحدار باللغة تظهر عليه، سيما اللغة الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي. والدراسات أظهرت بأنَّ لدى الطفل المصاب بهذا النوع من الإعاقة نقص في طرف معين من التعاطف أو التفهم النفسي.

النوع الآخر من الإصابات هم بعض الناس الموصوفين بالشخصيات المعتلَّة أو الشخصيات (ضد الاجتماعيَّة/ الضد مجتمعيَّة) (Antisocial/Dissocial ) وهذا النوع من الشخصيات تعاني من النقص الشديد في التعاطف النفسي الوجداني الذي أُشير اليه سابقاً مع قدرتهم على التفهّم النفسي، فهم يفهمون المعاناة والألم ويفهمون عدم صحة القسوة على طفل أمام والديه مثلاً ولكنَّ الواحد منهم يكون مستعدا للقيام بذلك من أجل الابتزاز او انتزاع اعتراف او ما شابه.

أو قد يصل الأمر الى حالة انعدام هذا التعاطف بالمرَّة وهو ما يبدو لدى تلك الفئات المصابة بعطب كبير والتي تُدعى بالشخصيات العدائية وهم الشخصيات المصابة بإضطراب الشخصيَّة العدائي:

(Psychopathic personality disorder )

ومن هذه الفئة يكون المجرمون والقتلة، بل ومنهم - وعلى غير ما يتوقع الكثيرون - القادة والسياسيون ورجال الأعمال الناجحون، إذ في العادة يكون القادة في المجتمعات من بين تلك الفئة الا ما ندر.

ثُمَّ عرَّج البروفيسور الموسوي على ذكر أمثلة تطبيقية فاشار إلى أحد مرضاه من الناجحين في حياتهم المهنيَّة بل والمهمين في مجال عملهم والذي كان أهله يشكون من عدم مراعاته لوضع ابنته المصابة بالكآبة..

وحينما سُئل عن ذلك وابتدأ الحديث عن جوانب القضية من وجهة نظره أعرب عن إستغرابه من بعض ما يسمعه من الآخرين وقال بأنَّه لا يشعر بما يصفونه أمامه مما يسمونه (دفء العائلة) او (الشعور بالتعاطف مع الاولاد) وامثال ذلك، إذ نفى أن يكون شعر بإيٍّ من ذلك مطلقاً، وأكَّد بأنَّه يشعر بالإختلاف عن الباقين.

وأوضح الأستاذ عادل، بأنَّ هذا النوع من الإصابة لو تمَّ قياس درجته بالوسائل العلمية فسيشير الى إصابة عالية للغاية بما اطلقنا عليه سابقاً  (إضطراب الشخصيَّة العدائي) (Psychopathic personality disorder )

فهو يفهم المشاعر وما تعنيه ولكنَّه لا يشعر بها في نفسه، وهو قد يُشعركَ بأنَّه إنساني الى أبعد الحدود ووطنيٌّ ومتعاطفٌ مع الفقراء بدرجةٍ كبيرة دون أن يكون لايٍّ من ذلك وجود حقيقي في داخله.

وهذا النوع يكون خطراً للغاية لقدرته على التأثير بالآخرين وتحريك مشاعرهم دون أن يتأثر هو بذلك.

والملفت بأنَّ من هؤلاء فئة قادرة على القيام باعمال توصف بأنَّها لا إنسانية ولكن المجتمع بحاجة لهم أو لهذا النوع من الأعمال، لذا فهم غالباً ما يوصفون بانَّهم الشجعان البسلاء وأصحاب الشهامة بينما هم يفتقدون الى الإنسانية، فمن يقتل إنساناً آخراً بدمٍ بارد لا شك أنَّه يعاني من نقص في إنسانيته.

ورغم حاجة المجتمع أحياناً لبعض من هذه الانواع ولكن ينبغي أن يقوم الأمر على متابعة وتوجيه وتربية لهم بالإستفادة من عامل الإنتماء الإجتماعي أو الهوية الإجتماعيّة التي يمكن أن تكون غير مستندة لدى أمثال هؤلاء على التعاطف وانما على جوانب نفسيَّة أخرى.

عليه يمكن تدريب وتوجيه هؤلاء لأن يكونوا عناصر نافعة للمجتمع كالجندي المخلص او القائد المحنَّك أو ما شابه ذلك، ولكن الخطر يبقى قائما في إمكانية تحوّل هؤلاء الى قتلة ساديين، واذكركم هنا بمجزرة سبايكر مثلا وهي مما لا انصح احدا في مشاهدة المشاهد المسربة عنها.

أو بقضية أجهزة كشف المتفجرات التي استخدمت لفترات طويلة في العراق واكتُشف لاحقا بأنها لا تعمل بالمطلق، فرغم أنَّ الحكومة البريطانية القت القبض على صاحب الشركة التي باعت تلك الاجهزة للعراق وحاكمته وحكمت عليه بعشر سنوات سجن، إلا أنَّ الإجهزة ظلت سنوات بعد ذلك موجودة في نقاط التفتيش.

وهنا يتساءل المرء لو أنَّ التفجيرات التي كانت تحصد أرواح الآلاف نالت من عوائل المتورطين في تلك الصفقة ما كان سيكون شعورهم؟.

ثم قارن الأستاذ الموسوي بين ما يمكن أن يؤدي اليه التقمُّص الضيق الموجود لدى هؤلاء النفر نتيجة امكانية وجود حالة التعاطف الضيق المختص بالعائلة او الاولاد او المقربين وبين المصابين بالتوحّد الذين لا يمتلكون التفهّم النفسي او انَّه موجود لديهم ضعيفا للغاية بينما هم يمتلكون التعاطف.

وهذه القضية تكون ظاهرة بجلاء لدى الاطفال المصابين بالتوحد، فالطفل المصاب بالتوحد والذي يتعرض بالعادة الى تنمُّر الاطفال الآخرين عليه، حينما يُسأل لماذا لا يرد أو يُدافع عن نفسه، فإنَّه يقول ببراءة: لا استطيع فربما يؤدي ذلك الى تعريض الاطفال الآخرين للأذى.

واوضح أنَّ هذا الامر قد اكتُشِفَ حديثاً من قبل علماء النفس والباحثين في هذا المجال فقد ثبت بأن الاطفال المصابين بالتوحد لا يفتقدون جانب التعاطف النفسي الوجداني مع الآخرين، ولكنَّهم يفتقرون الى التفهّم النفسي وهو ما يمكن تسميته بـ (التعاطف النفسي العقلي- Intellectual empathy).

واضاف: قد يحصل نوع من التشابك بين حالتي الاصابة بالإعتلال من جهة والتوحُّد من جهة ثانية، وهو امرٌ اكتُشف مؤخرا أيضا وتمَّ تصنيفه على انَّه عارض وراثي أطلق عليه (Alexithymia) وهو ما يمكن أن نسميه بالعربية (جمود المشاعر) أو (العجز عن وصف المشاعر) وفي مثل هذه الحالة فإنَّ الانسان لا يقدر على التعاطف.

وحاول البروفيسور الموسوي استعراض بعض الأمثلة لفهم كيف تؤدي الإصابات المشار اليها إلى اضعاف الترابط الإجتماعي.

وبدأ بمثال من العاملين في مجال الرعاية الصحيَّة لأهميتها، كالاطباء مثلاً وذكر تجربة إحدى الصحفيات التي عاشت فترات متفاوتة في كردستان وسائر محافظات العراق والتقت بكثير من الاطباء المشاركين في بعض المؤتمرات والورشات الطبية في مختلف البلدان.

وتعرضت في تقريرها الى الكثير من الظواهر السلبية في ممارسات الاطباء العراقيين.

واشار الى أحدى الظواهر التي تحدث بكثيرة في العراق وهي قيام الاطباء سيَّما  الإختصاصيين بإدخال أكثر من مريض للمعاينة في المرَّة الواحدة وهذا يحدث حتى بالنسبة لأمراض المسالك البولية او الامراض النسائية.

وقال بأنَّه تعرض لذكر هذا الموضوع أمام عدد من الاطباء العراقيين الذين ردوا عليه بالقول بأنَّه عاطفي أو أنَّه يحاول التفلسف في هذا الأمر، وهو ما يعني - برأيه - القول: انَّك ساذج وغير دقيق.

والحال ان القضية تبقى مستهجنة وغير صحيحة باعتبار أنَّ المريض يعرض أمورا غاية في الخصوصية امام الطبيب.

وربما لا يقبل أي طبيب من هؤلاء بان يتم التعامل مع ذويه او اهل بيته بنفس هذه الطريقة من قبل طبيب آخر.

هذه الممارسة تتوقف حينما تدخل العلاقات الاجتماعية في البين، وبمجرد ان يعرف الطبيب الشخص القادم مرافقا للمريض على أنَّه طبيب مثله مثلاً فإنَّه يمنع من دخول آخرين.

فما هو السبب في هذه الممارسة ياترى؟

ذكر الاستاذ عادل الموسوي إحتمالين:

الاول: ان يكون الاطباء يعانون من نقص نفسيٍّ معين، وهم ربما يفسرون الأمر على انَّه نتيجة طبيعية لقلة عدد الأطباء مع ضغط المراجعين الشديد، ولكنَّ الامر في الحقيقة ينجم عن حالة من التعود نتيجة تكرار الأمر حتى يُصبح امرا عاديا.

وقال إنَّ سؤال السمكة عن الماء قد يلقى جواباً ملؤه التعجب والإستغراب لأن السمكة منذ ان فتحت عينيها وهي تعيش في هذا المحيط المائي فهو لا يلفت نظرها بالمرَّة.

واضاف: في الحقيقة إنَّ هذا التعوَّد على الافق المحيطي هو الذي يجعل المجددين والمصلحين والانبياء موضعا للسخرية والإتهام بالسحر، كونهم يقدمون رؤية جديدة مختلفة عما هو سائد في المجتمع من مألوفات وأعراف.

الثاني: هو عدم إهتمام أو قلَّة تدريب.

واشار الى البرامج التي يتم تطبيقها على الاطباء في بريطانيا وسائر الدول المتقدمة مثل كندا التي عمل فيها البروفيسور عادل استاذا في احدى الجامعات، وفي امريكا والمانيا.

فبرامج التدريب على عملية (التفكُّر النفسي) تبدأ مع طالب كلية الطب من الصف الاول أو الثاني وتستمر معه لحين تخرجه وعمله كمتدرب.

فالهيئات المختصَّة تحاول تدريب الطبيب على عملية التقمص والتعاطف النفسي، في مسعى لتثبيت وتعزيز هذا الجانب لديه. بل حتى لدى الكوادر المختلفة التي تعمل في المجال الصحي.

وهذا النوع من التدريب يعتبر من الانواع الإلزاميَّة المفروضة على الطبيب أو ما يسمى (Mandatory training).

وهذا ما يؤكد بأنَّ هذا الامر يمكن تطويره في النفس الإنسانية إن كان في مستويات متدنيَّة.

فالغالبية تمتلك هذا التعاطف بشكل طبيعي رغم انَّ البعض - وهم قلَّة - لا يمتلكونه مطلقاً.

في جانبٍ آخر من الموضوع، أشار البروفيسور الموسوي إلى أنَّ هذا التعاطف ومثل ما يمكن تنميته وتطويره فإنَّ من الممكن كبحه وتقليصه وتعريضه للإنسداد نتيجة بعض التأثيرات الإجتماعية والمحيطية سيَّما عملية التعود الناتجة عن التكرار.

فالأطباء في العراق وربما في أماكن أخرى يقعون في سقطات تعتبر كارثية في بعض الأحيان، من قبيل التفكُّه أو تناول معلومات وشؤون المرضى أمام الآخرين أو في وسائل التواصل الاجتماعي.. والأمر قد يمتد الى ذكر تصرفات وسلوكات ذوي الاحتياجات الخاصة والمعاقين والمتخلفين عقلياً او المصابين بامراض نفسية.

وهذا نوع من التخلف الحضاري والخُلُقي، ولو أنَّنا نظرنا في القرآن الكريم ترى أنَّه يُشير الى تكريم ذوي الاحتياجات الخاصة وحث المجتمع على تقديمهم ورفع الحرج عنهم كما في قوله (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61النور24)).

والحال ان مجتمعاتنا في الواقع الحالي قد تعاير المعاق او المريض بعاهته او عوقهِ وهو أمرٌ يؤدي بالانسان الى السجن لو أنَّه فعله في المجتمعات المتحضرة المتقدمة بتكرار واصرار مثلاً.

فالمجتمع في الغرب لديه معايير ومقاييس تحول دون ذلك وتعتبر هذا التصرف نوعا من اللا إنسانية واللا أخلاقية، فترفضهُ وتضع القوانين الخاصة والصارمة لحماية تلك الفئة من المجتمع.

فالنظرة الانسانية الى ذوي الاحتياجات الخاصة تبقى لازمة وضرورية لوضعهم في مرتبة واحدة مع سائر البشر فهم بالنتيجة اناس لهم حقوقهم في الحياة وينبغي حمايتهم.

وختم الموضوع بالقول: بأنَّ هذه الممارسات تبيِّن كيف يحصل الإنسداد في قضية التفهُّم والتعاطف النفسي لدى الناس وهو ما يستشعره ذوي وأهالي المعاقين وذوي الإحتياجات الخاصة فهم أقدر الناس على رؤية الممارسات اللاحضارية واللا إنسانية التي يتعرض لها أفراد منهم من ذوي الاحتياجات الخاصة.

ولاكمال الفكرة ورؤية القدر الكبير الذي تمثله شريحة المصابين أو المرضى الذين قد يواجهون من قبل البعض بالاستهزاء والتفكُّه وما شابه ذلك، أورد الدكتور عادل إحصائيات رسمية عن نسبة عدد المصابين بأمراض نفسية الى إجمالي عدد السكان، فطرح اولا السؤال الذي قال انه يطرحه على الطلاب او اعضاء الكوادر الصحية المتدربين لديه وهو:

ما هي نسبة المصابين بالامراض النفسية في تصوركم؟ وهل تعتقدون انَّها أقل أو أكثر من نسبة المصابين بمرض البول السكري الذي يمثل نسبة قد تصل الى 15% ؟ او: هل تعتقدون بأنَّ الامراض النفسية اكثر نسبيا او أمراض الربو؟

وقال ان الاغلبية تجيب على هذا السؤال بالقول: بأنَّ الامراض النفسية هي الاقل في مختلف تلك الحالات.

والحال أنَّ الأمراض النفسية هي الأكثر! فهي تمثّل نسبة الخُمس أو الربع من السكان في أغلب المجتمعات! بل أن دراسات امريكية ونيوزلندية حديثه تشير الى أنَّ النسبة هي اعلى حتى من نسبة الربع.

واعرب الموسوي عن اعتقاده بأنَّ المرجَّح ان تكون النسبة اعلى في مجتمعاتنا، ولكن عدم وجود دراسات واحصائيات علمية تجعلنا لا ندري عن النسبة الحقيقية لهذه الاصابات.

في العموم فإنَّ عدم التفهم والسخرية والتفكُّه حول ذوي الإحتياجات الخاصة تدلل على:

قلَّة أو عدم معرفة أو نقص خبرة، سواءاً بالحياة عموما او مهنيَّاً.

ضعف نفسي في قابلية التعاطف النفسي مع اولئك الفئة من ذوي الاحتياجات الخاصة وذويهم.

بعد ذلك انتقل الدكتور الموسوي للحديث عن امور اخرى تؤدي إلى تضعيف التعاطف النفسي، وقال:

من الامور الاخرى التي تؤدي الى إضعاف التعاطف النفسي هو الضغط النفسي والصدمات.

فطريقة ومنهجية التعامل مع ضغوط الحياة والصدمات تعتبر قضية مركزية في شخصية الانسان وقدرته على مواصلة الحياة.

واغلب الضغط النفسي يأتي من الآخرين وهو ما يعبر عنه القرآن الكريم بأنَّه (فتنة)، فالانسان إجتماعي بالطبع ولا يتمكن من العيش منفرداً ولكن الحياة مع الجماعة قد تكون مهمة صعبة للغاية.

فالإنسان الذي يحمل قلقاً (Worry) حول أمرٍ ما ولديه توتر نفسي أو لديه وجس (Anxiety)، هذا الانسان يصعب عليه التعاطف مع شخص آخر، فالامر بحاجة الى قوة نفسية ورباطة جأش وتماسك للقيام به.

كذلك الامر مع الصدمات النفسية، فالمعروف انَّها تسبب خللاً في التعاطف النفسي أو تضعفهُ، فالمصاب بالصدمة النفسية عادة ما يحاول بمرور السنين أن يسد المنافذ أمام الألم في نفسه فيشيح بنفسه عن الذكريات أو الاشخاص او الاماكن ما سيؤدي الى عزلة ثُم إلى خلل في التعاطف النفسي.

واعرب الاستاذ عادل عن اعتقاده بان المجتمعات التي تمر بأزمات طاحنة كالمجتمع العراقي، وما شهده من سحق وتهشيم للنفوس، قد تُصاب بشكل عام بحالة (جمود العواطف المكتسب).

فأمثال هذه الصدمات لها ثمن باهظ، تجعل قضية التعاطف مع الآخرين أمراً صعباً على المتعرضين لأمثال هذه الصدمات، والامر اشبة بوجودك في سفينة تغرق بشكل تدريجي وتتناوشك المشاعر المتضاربة بين ان تنقذ نفسك او تفكر في انقاذ آخرين، او الترجيح بين انقاذ إبنك او طفل آخر هو اقرب اليك وهكذا! وهذا ما يُطلق عليه علمياً بـ (متلازمة السفينة الغارقة).

والمجتمع العراقي يعيش هذا الظرف منذ سنين سيَّما وهو تعرض إلى عامل مهم آخر من عوامل تهشيم النفسية الاجتماعية وهو (الاستبداد) الذي يؤدي الى تقليل الترابط الإجتماعي نتيجة الحد من أثر التعاطف النفسي.

فقضية كتابة التقارير التي شهدها العراق في فترة الحكم الاستبدادي هي من مصاديق هذا الأثر فهي تؤدي الى ما نصطلح عليه في العراق بعملية (كسر رقبة) وهو مصطلح مناسب فالعملية قد تؤدي الى إنهاء حياة انسان.

بذا فإن الطغيان والاستبداد ومرور السنين يؤدي الى اضعاف هذا الجانب النفسي لدى الناس وهذا اخطر نتائج الاستبداد.

ونقل قصة الحكيم الصيني الذي اراد تعليم تلامذته درساً في الاخلاق فاخذهم الى خارج المدينة حيث وجدوا امراة تبكي وجنبها عظام بشرية.

وطلب من طلابه ان يسألوا المراة عما اصابها هنا فاجابت بان هذه العظام تعود لزوجها وابنها اللذين تعرضها لهجوم الضواري.

فكان السؤال الطبيعي الآخر: اذا كان الامر كذلك فلماذا انت باقية هنا؟

فاجابت: بانها باقية هنا لعدم وجود حكام مستبدين او ظلمة في هذه المنطقة!.

فقال الحكيم: تذكروا هذا واحفظوه جيداً وهو: ان الحكام الظلمة او المستبدين هم شرٌّ من الوحوش الضارية.

وعلَّق الاستاذ عادل بالقول: والامر صحيح جدا لأن الدمار الذي تخلفه الحكومات المستبدة الظالمة من الصعب إحصاؤه او ترميمه او تعويض الناس عنه. والنتيجة الحتمية هو انَّه يفتت المجتمع.

من العوامل الاخرى التي تؤدي الى اشغال الانسان بنفسه وتحول بينه وبين التعاطف النفسي مع الآخرين هي عملية التخويف المستمر ما يدفعه الى التفكير بمحاولة البقاء على قيد الحياة هو اطفاله وعياله والاكتفاء بالانشغال بذلك فقط.

ومن العوامل الاخرى: التعرض للخيانة والغدر، وذكر في هذا السياق كلمة للفيلسوف الفرنسي الجزائري مالك بن نبي التي يقول فيها: ان الاستعمار يجعل المجتمع خائنا للفرد والفرد خائنا للمجتمع.

وقال البروفيسور عادل بأنَّه شخصياً يرجح ان يستبدل لفظة (الاستعمار) بلفظة (الاستبداد) لتكون العبارة شاملة لقطاع اوسع. وتابع القول بأنَّ (الفساد المالي والاداري) في المجتمع هو نوع من انواع الخيانة والغدر.

ثم انتقل للحديث عن (الكراهية) وقال: تسود مجتمعاتنا حالياً انواع مختلفة من الكراهية، واخطر انواعها السائدة الآن هي الكراهية المبنية على اساس سياسي أو مذهبي او عرقي او طائفي او مزيج منها.

هذه الكراهية لها اساس نفسي وآخر فكري يدير شبكة من الاخبار والتمثيليات والافلام والمسرحيات التي تعزز هذا النوع من الكراهية والتفريق الطائفي او المذهبي ويدق اسفيناً في المجتمع.

وأوضح بأنَّ اتعس ما في هذا النوع من الكراهية هو أنَّها تخلخل ميزان العدالة في النفس.

فقضية القيم في الحقيقة هي قضية وجدانية، فكل انسان يمتلك ميزاناً للعدالة يكون هو الاساس لأغلب القيم الاخلاقية، فرجحان الصدق على الكذب والانصاف على غير الانصاف وغير ذلك كلها متعلقة بميزان العدالة الموجود في النفس.

كذلك فإنَّ قضية الانتماء والهوية الاجتماعية لا تقوم فقط على مشتركات مبنية على التشابهات في اللغة او في المظهر او في الجغرافية وإنَّما تقوم أيضا على قضية القيم.

وقضية الكراهية تُخلخل هذا الميزان وتحول بين الانسان وبين إنصاف الآخر. وهذا اصعب واخطر ما فيها، والخطورة ستكون اكبر اذا دخل العامل الديني في الامر، وهو اقوى من العامل السياسي الذي يشمل الحكم وعملية الولاء للحاكم وربما الانتماء للوطن وما شابه ذلك.

ذلك لأنَّ دخول العامل الديني في بناء الكراهية يحولها الى قضية دينية مقدسة، فتجعل في كراهية الآخر نوعاً من الثواب، وكثير من الادبيات لدينا تحمل هذا الطابع.

والحقيقة ان الامر غير مقبول سيَّما وان القرآن لا يُشير الى مثل هكذا امور ولا يقبل بها.

القرآن يشير إلى اربعة انواع من الكراهية، فيشير مثلاً الى نوع منها وهو (الشنئان) فيقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8المائدة5)) فيدعو الى الانصاف والى محاولة تجنب عدم انصاف الآخرين نتيجة هذا النوع من الكراهية.

الامر الآخر الذي اراد الاستاذ الموسوي الاشارة اليه كعامل من العوامل التي تؤثر في قضية التعاطف هو قضية (التشفّي) أو (الشماتة).

واوضح بالقول: ان التقسيمات الموجودة في مجتمعاتنا تقوم على اساس القيم والانتماء، وهي قضية نفسية ايضاً لأنَّها تتعلق بالهوية الإجتماعية، والموازنة بينهما، ويحدث احيانا ان تؤدي هذه التقسيمات الى أن يطغى جانب الهوية على جانب التعاطف، خاصة بعد مرور الزمن على تلك الممارسة.

لذلك فإنَّ على الانسان حينما يوغل في سلوك معين ان ينتبه الى امكانية ان يؤدي سلوكه ذاك الى تدمير ميزان القيم النفسية القائم على اساس العدل في داخله.

فتارةً وحينما يسمع بعضنا بكارثة حلت بقومٍ ما، يتبادر الى ذهنه أنَّ هؤلاء القوم ليسوا من قومه او جماعته! وقد يشعر بداخله بالتشفي اذا كانت الاوضاع السياسية ليست لصالح اولئك القوم نسبياً.

وقال: هنا لا بدَّ لي من الإشارة الى قضية مهمة في هذا الاطار فالانسان عليه ان يراقب نفسه ازاء ظهور هكذا علامات في نفسه .. فاذا شعر ايّ منا بأنَّه لم يتمكن من التعاطف مع قضية انسانية واضحة كقضية الطفل السوري الذي رماه الموج على الشاطئ والذي حرك مشاعر الملايين حول الكرة الارضية، او قضية التونسي الذي اضرم النار ببدنه او ذلك الشاب الذي القى بنفسه في حاوية القمامة .. مثل هذه الاحداث اذا لم تحرك الانسان او أنَّها أشعرته بدلا من ذلك بسؤال عن طائفة هذا الشخص وهل هو من قومه او لا؟ او أنَّه شعر بنوع من التشفي.. فهذا مؤشر خطير يؤشر الى وجود خلل ينبغي على الانسان ان يبادر الى معالجته.

لأنَّ ذلك يُشير الى نقص في قضية انسانية اساسية هي قضية التعاطف والفهم النفسي.

وختم الاستاذ عادل حديثه بالاشارة الى قضية (الأخلاق) التي قال ان الدراسات النفسية عكفت على دراستها منذ مائة عام تقريباً وشهدت تلك الدراسات اوج تطورها خلال العقدين الماضيين.

وقال: كيف يمكن أن يتوضح للإنسان أنَّ قضية الاخلاق هي قضية نفسية؟ فأجاب بالقول: دعونا نأخذ مثالا على ذلك من الواقع وهي قضية النهب (الفرهود) التي تحصل في بعض المناسبات في مختلفا لمجتمعات، أو ما يسمى بـ (الشراء الهلعي).

فقد لاحظ العلماء بأنّه وحينما تقع بعض الكوارث فإنَّ الميل للشراء الهلعي او النهب يقع مباشرة بعد تلك الكوارث، ولاحظوا ايضا أن الذي يبادر اليه هم فئة معينة من الناس ثم أن الامر يزداد ويتسع.

وقال بأنَّ الناس تنقسم ازاء النهب الى عدَّة فئات قياساً الى القيم الاخلاقية ومدى التمسك بها:

الفئة الاولى هم المجرمون الذين يوقفهم القانون: فالفرد من هؤلاء هو سارق بطبيعته ويلجأ الى السرقة ما لم يجد قيداً او حاجزا قانونيا يحول بينه وبين السرقة. هؤلاء هم اول ناس يبدأون بالنهب ولو تصورنا رسما توضيحيا فإنَّهم يقعون مثلاً على يسار الرسمة.

الفئة الثانية هم الذين لا يفكرون بالنهب ابداً وهم يقعون على الجهة المقابلة لأولئك المنتمين الى الفئة الاولى - اي على يمين الرسمة - وهم المتمسكون بالأخلاق بقوة والذين لا يساومون على مبادئهم. وهؤلاء هم الذين لا يمكن شراؤهم تحت ظل ايَّةِ ظروف كانت، والذين لا يلجأون الى السرقة حتى وإن أمِنوا جانب القانون.

بقية الناس هم الموجودون بالوسط بين الفئتين الأولى والثانية.

ولكن كيف تبدأ عملية النهب بالتصاعد؟

قال الاستاذ الموسوي مجيباً: في الحقيقة ان هناك قاعدة في قضية الاخلاق وهي أنَّ الانسان غالبا ما يقارن نفسه بالآخرين في القضية الإخلاقية، فاذا أجاز العرف قضية معينة فإنَّ الغالبية من الناس تمارسها بدون حرج.

فقضية العرف هنا تعمل كطاقية الاخفاء فهي تخفى سوءات كثيرة. وكثير من الممارسات الشائنة تخفيها الثقافة المجتمعية، وكثيرون لا يرونها شائنة الا ان ياتي شخص من خارج تلك الثقافة او يمتاز عنهم بأنَّه يتملك عين ثاقبة وثقافة اخرى أرقى ويشير اليها وينبههم عليها.

عليه فالانسان في الغالب ينظر الى السلوك الاجتماعي ويقارن نفسه معه، فاذا شاهد بونا بينهما حاول التقرب من السلوك الإجتماعي، وبذا فان الناس الاقرب الى الفئة الاولى يبدأون بالاقتراب منهم وممارسة نفس الدور بالنهب، بينما يعاني الاقرب بقيمهم الى الفئة الثانية، كثيرا قبل ان يدخلوا في المجموعة وبذا فالمعيار هو القرب من إحدى الفئتين وهو الذي سيحدد سلوك الافراد.

وهكذا كلما مارس الانسان الخطأ تحول لديه الى سجية وكلما مارس السلوك الصحيح تحول لديه الى (مَلَكَة) كما يقول العرفاء الذين يتعرضون في المجمل الى قضايا الاخلاق والسلوك الاخلاقي.

والنظر اليوم في بعض الممارسات التي اصبحت طبيعية في مجتمعاتنا يكشف عن عمق الخلل الذي اصاب المجتمع ومدى التدهور في التركيبة النفسية للافراد.

والامثلة على ذلك كثيرة، كحفلات الاعدام الجماعي للعشرات او المئات من الناس لمجرد انهم خالفوا سلطة او رفضوا برامج معينة للسلطة او خالفوا عقائد معينة او ما شابه ذلك.

واعرب الاستاذ عادل عن استغرابه انه كان يرى مثل هذه الامور يجري تداولها بين بعض المتعلمين والاطباء تداول الحكاوي والقصص دون الاحساس بانها مخالفات اخلاقية كبرى، والسبب في ذلك على ما يبدو هو تأثير الجماعة والعقل الجمعي على نفسية الانسان.

محمد الربيعي:لماذا حدثت أسوأ كارثة تربوية في التاريخ؟
أظهرت نتائج الامتحانات العامة ان نسبة الرسوب في امتحان الدور الأول للفرع الاحيائي كانت 72% وهي نتيجة اطلق عليها احد خبراء التربية المحدثين الدكتور أحمد الجعفري "اسوأ نتيجة في تاريخ الامتحانات العامة في العراق"، ولربما وحسب اعتقادي كانت أسوأ نتيجة في تاريخ الامتحانات العامة في العالم، رغم ما ذكرته الوزارة بلسان وزيرها بان هذه النسبة  فيها "إيهام" وان "النسب الكلية تحسب بعد الدور الثاني"!تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي هذه النتيجة الكارثية، وتمت مناقشتها، وتبادلت حولها الآراء واتفقت واختلفت الأسباب، ودار معظمها حول ضعف التحصيل الدراسي للطالب، وضعف التكوين المعرفي للاستاذ، وهزال طرق التدريس، وحرارة الجو اثناء الامتحانات، ونسب التأجيل العالية للدور الثاني، ودخول التعليم الأهلي كمنافس للتعليم الحكومي، وفساد المسؤولين، وأوضاع المناطق التي احتلتها داعش، وعدم وجود دوافع اجتماعية، او وظيفية كافية للطلاب، وسوء المناهج والأوضاع المزرية للمدارس.. الخ من الأسباب التي اعتدنا على سماعها، ولم نعتد على مناقشتها بصورة علمية، ولا الى توفير الدراسات حولها، وتقديم العلاجات الناجعة لها.احد الأسباب الغربية والتي ذكرها أحد المطلعين على أمور التربية والتعليم تعود الى مأزق "الكلية الطبية" الذي وقعت فيه الوزارة بعد تقسيم الفرع العلمي الى احيائي وتطبيقي. وكما يبدو فأن الوزارة لم تجد طريقة أفضل من وضع أسئلة لا تتناسب مع مستوى التحصيل الدراسي للطالب للتقليل من اعداد الطلبة المتوقع حصولهم على معدلات عالية تؤهلهم للقبول في الكلية الطبية والذين سيصعب استيعابهم في الجامعات العراقية.

القدرات العقلية للطالب العراقي  
لربما أهم الأسباب التي لم تحظ بالاهتمام الكافي، تكمن في ضعف القدرات العقلية المبنية على الحفظ والاجترار عند الطالب العراقي، بدلا من إمتلاكه لقدرات عقلية مبنية على التفكير الناقد. بما ان الامتحانات في العراق مبنية بالأساس على تقييم قابليات الحفظ واجترار المعلومات، وعلى امتحان الذاكرة قصيرة المدى، فإنها بهذه الطريقة غير ملائمة لقياس ملكة الذكاء للطالب العراقي ومعلوماته. عقلية العراقي لربما تكون في جوهرها وطبيعتها مبنية على ملكة التفكير والفهم والتساؤل والتجريب والنقد، وهي مستويات معرفة عقلية عليا لا تقيسها الامتحانات العراقية ولا يشجع نموها النظام التربوي العراقي. وما يؤيد هذا الرأي هو تجربة العراقي في الدول الغربية حيث تتمثل في نجاحه وتفوقه وإبداعه في المدارس والجامعات الغربية، حيث تتبنى هذه المؤسسات التربوية نهج التفكير النقدي، وفيها تم نبذ نهج التلقين والحفظ الببغاوي منذ بدايات القرن الماضي. ولي في هذا المجال اقتراح بسيط : تخلصوا من نهج التلقين، واعتمدوا نهج التفكير الناقد لتحصلوا على نسبة نجاح عالية جدا و اكثر، ولتبنوا جيلا من المبدعين والمفكرين والقادة الحقيقيين.   ومهما كانت نسبة المؤجلين للدور الثاني، والتأجيل كما يبدو أسلوب شائع في العراق غرضه بسط فترة الامتحانات لزيادة فترة الاستذكار والمراجعة، فان ذلك لا يعفي النظام التربوي من الخطأ الذي يرتكبه في الاعتماد على التلقين واجترار المعلومات السطحية خلال امتحان لا تزيد فترته عن ساعتين او ثلاث يتم فيه تقييم معلومات ومعارف وفهم الطالب وقدراته الذكائية وتحصيله الدراسي كاملا. أليس من المعقول ان يتم معاقبة الفاشل في النجاح في الدور الأول بدلا من مكافئته كما كان معتادا عليه في السابق حيث تخصم من معدل الطالب التراكمي خمس درجات من كل درس نجح فيه في الدور الثاني، أو ان تحسب درجة النجاح الصغرى مهما حصل الطالب الناجح من درجة اعلى او لربما احتساب "المعدل التراكمي" لسنوات الدراسة الثانوية ولربما المتوسطة أيضا. لكن هذا لن يغير كثيرا من الواقع الحالي لنظام التربية، ولن يُحسن من اساليب التعليم والتعلم فهو بأحسن الاحوال لن يوفر لنا إلا ترتيب اكثر عدالة لقابليات الطلبة الببغاوية وتقييم للذاكرة القصيرة المدى. ما هو مطلوب من الدولة وبصورة عاجلة هو معالجة الأزمة التي يمر بها النظام التربوي موضوعيا لتكون نتيجة هذه المعالجة برنامجا اصلاحيا شاملا من خلال الوقوف عند مختلف جوانب مسببات هذه الأزمة وباعتبار هذه المعالجة موضوعا اجتماعيا وسياسيا يهم مستقبل العراقيين، ومستقبل تقدم العراق بشكل عام. ان مسألة اصلاح التعليم بالعراق لم تعد مسألة تقنية تربوية بحتة، بل هي مسألة سياسية، أي انها ليست مجرد مسألة اصلاح الأدوات والبرامج والأنظمة الإدارية، فحال التعليم حاليا هو انعكاس لما وصل اليه الوضع السياسي والاجتماعي العام في العراق. وكجزء من هذه المعالجة أدعو وزارة التربية الى عقد مؤتمر تربوي عام يركز على تطوير المناهج والامتحانات الرسمية، والهدف منه هو أن نضع مشكلاتنا امامنا ونرسم خطة عملية لمعالجتها، ثم ألا يجب معالجة موضوع الجودة وتطبيقه على المدارس لكي نتمكن من تطبيق المناهج الحديثة ومن ثم الوصول الى تصنيف للمدارس، كما هي عليه الجامعات، لكي نرتفع بالمستوى التعليمي والإداري والبيئي للمدرسة.

جلسة احتفاء بمدينة الموصل

ضمن نشاطاتها الثقافية ،دعت مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 27 ايلول/سبتمبر 2017 الى امسية ثقافية احتفاء بعودة الموصل الى حضن العراق بعد اتمام تحرير محافظة نينوى من براثن داعش الارهابي وتحدث في الامسية علمين من ابناء الموصل الحدباء هما الاستاذ عزيز عبدالنور والبروفيسور اسماعيل الجليلي متناولين جغرافية المدينة وتراثها ومعالمها الحضارية .

الاستاذ عزيز عبد النورولد في الموصل،ودرس في جامعتي الموصل ولندن وتخصص في علم الاحياء المجهرية،وهو مهتم بالتاريخ والتراث والتعايش في مدينة الموصل،له عدة دراسات وبحوث نشرت في دوريات متخصصة، كما صدر له كتاب عن (المطران المغيب) سنة 2016،وسينشر قريباً موسوعة ببلوغرافية الموصل،  تشمل كتب واطاريح ومقالات، ومعاهدات ووثائق تاريخية ودبلوماسية بعدة لغات عن الموصل. اما الاستاذ الدكتور اسماعيل الجليلي،فهوأستشاري طب العيون في بريطانيا ، ولد في دمشق عام 1947 لوالد عراقي وأم سورية، ونشأ في الموصل، ودرس في بغداد،تخرج في جامعة بغداد - الكلية الطبية عام 1970،كما حصل على دبلوم جراحة العيون من جامعة القاهرة 1971. اكمل بعدها دراسته التخصصية وحصل على الماجستير والدكتوراة في بريطانيا وعمل في العديد من المستشفيات في المملكة المتحدة. شغل منصب رئيس الجمعية الطبية العراقية في المملكة المتحدة، ورئيس الجمعية الطبية العربية البريطانية، والرابطة الوطنية للعرب البريطانيين.

المدخل

ابتدأ الحديث الدكتور اسماعيل الجليلي عارضا مجموعة كبيرة من الصور والخرائط شارحا تفاصيل المعلومات التاريخية والحضارية عن مدينة الموصل ،ام الربيعين قائلا؛

مدينة الموصل هي مركز محافظة نينوى وثاني أكبر مدينة في العراق من حيث السكان بعد بغداد حيث يبلغ تعداد سكانها حوالي 2 ونصف مليون نسمة. وتقع الموصل شمال غرب بغداد بمسافة تقارب حوالي 400 كلم. تشتهر بالتجارة مع الدول القريبة مثل سوريا وتركيا. ويتحدث سكان الموصل اللهجة الموصلية التي تتشابه بعض الشيء مع اللهجات السورية الشمالية، ولهذه اللهجة الموصلية الدور الأكبر في الحفاظ على هوية المدينة، وأغلبية سكان الموصل عرب مسلمين من طائفة السنة وفيها طوائف متعددة من المسيحيين الذين ينتمون إلى كنائس عدة وأقلية من الأكراد والتركمان والشبك لا يشكلون سوى 20% من مجموع سكان الموصل .

ولم يكن للدولة العراقية الحديثة أن تتشكل في بداية العشرينيات من القرن العشرين لو لم تلحق بها الموصل التي ظلت موضوع تجاذب حاد بين بريطانيا وفرنسا منذ الحرب العالمية الأولى، وبين سلطات الانتداب الفرنسي وتركيا التي لم تتنازل عن الموصل إلا عام 1926، بعد التوقيع على معاهدة مع تركيا.

اصل التسمية

كلمة موصل هي من كلمة (أصل) وينشأ من ظرف مكان الفعل وصل. وكلمة "موصل" يعني مكان فيها يصل كل شيء التجارة والمعاشرة والبيع. ولا يعرف بالتحديد معنى تسمية نينوى، وهو اسم المدينة في زمن الأكديين غير أنه يرجح أن يكون له علاقة بالآلهة عشتار إله الخصوبة في بلاد الرافدين وكون اسمها القديم كان نينا. وفرضية أخرى ترجع اسم المدينة إلى الآرامية حيث تعني كلمة نونا (נונא) السمك. ولا تزال المدينة بأكملها تعرف أحيانا بنينوى (ܢܝܢܘܐأو آشور (ܐܬܘܪلدى السريان. يعود أول ذكر للتسمية الحديثة إلى كسينوفون، المؤرخ الإغريقي، في القرن الخامس قبل الميلاد حيث ذكر وجود مستوطنة صغيرة تحت اسم مبسيلا (باليونانيةΜέπσιλα). غير أن كون هذه التسمية تعود لنفس المدينة الحديثة مشكوك به كونها كانت تقع على الضفة الشرقية لدجلة.ويرجح من جهة أخرى أن تكون الكلمة ذات أصل عربي بمعنى "ما يوصل بين شيئين" كونها وصلت بين ضفتي نهر دجلة لدى بنائها، وقيل بين الجزيرة والعراق، وقيل لأنها تصل بين نهري دجلة والفرات.

كما للمدينة عدة القاب تعرف بها مثل أم الربيعين لاعتدال الطقس بها في الربيع والخريف، والحدباء لاحتداب دجلة لدى مروره بها أو لاحتداب منارة الجامع النوري.

تاريخها

وأضاف د. الجليلي موضحا نبذه عن تاريخ المدينة قائلا؛ يعود تاريخ الاستيطان البشري في المنطقة إلى ما قبل العصر الحجري (6،000 ق.م.) حيث استوطن البشر في السهل الممتد شرقي الموصل وخاصة ملتقى نهري الخوصر ودجلة وذلك لخصوبتها ومرور القوافل التجارية بها. ولا يعرف بالضبط تاريخ بناء المدينة فأول ذكر لمدينة نينوى جاء حوالي 1800 ق.م. حيث عرفت عبادة الإلهة عشتار في تلك المنطقة، فذاع صيت المدينة آنذاك وانتشرت أخبار معجزات الإلهة عشتار في مدينة نينوى في العديد من أنحاء العالم القديم. ويعزو المؤرخ الإغريقي قطيسياس والذي كان طبيباً للملك الأخميني أحشيروش الثاني بناء المدينة إلى القائد الآشوري الأسطوري نينوس بناءً على معلومات استقاها من دراسته الوثائق الملكية الآشورية.

بالرغم من توسعات الإمبراطورية الآشورية الحديثة إلى أن المدينة ظلت مهملة فعلياً وذلك لكون ملوكها قد فضلوا الإقامة في مدينة آشور ومن ثم بكالح. إلا أن الوضع تغير بمجيء آشور بانيبال الثاني (حكم ما بين 883 - 859 ق.م.) فقام الأخير بتوسيع المدينة عمرانياً، كما قام خلفاه ببناء العديد من القصور والمعابد. ويعتبر سنحاريب هو الملك الذي أوصل المدينة إلى أوج مجدها حوالي 700 ق.م. فقام ببناء قصر ضخم مكون من 80 غرفة من الرخام والطوب استعمل فيه أكثر من 160 مليون قطعة طابوقة وزين بتماثيل لثيران مجنحة بلغ وزن الواحد منها ما بين 9 إلى 27 طن. كما صمم سنحاريب قنوات لجلب المياه إلى المدينة وقام بتبليط الشوارع بالرخام. وبلغت مساحة نينوى في أوج عظمتها حوالي 7 كم مربع وقطن بها أكثر من 100،000 نسمة ما جعلها أكبر مدينة بالعالم آنذاك. ويعتقد بعض الباحثين المعاصرين ان الجنائن المعلقة التي عدت احدى عجائب الكون القديمة ليست في بابل كما هو شائع في الدراسات القديمة ،انما هي في نينوى وقدموا بعض الادلة التاريخية والاثارية على ذلك.

بدأت الإمبراطورية الآشورية بالوهن بعد وفاة آشور بانيبال حوالي 627 ق.م.، فقامت حروب أهلية بين خلفائه للسيطرة على مقاليد الحكم بها فاستغل البابليون والميديون هذا الضعف فعقدوا تحالفاً وهاجموا نينوى وأسقطوها في 612 ق.م. بعد حصار دام عامين كاملين، كما قاموا بقتل معظم سكانها وحرق المدينة بكاملها فلم ينق منها سوى بعد أسوارها.

في مطلع الألفية الأولى بدأت قوة روما تتعاظم في الغرب فلجأ الأشكانيون إلى دعم الحكام المحليين في تخومها الغربية لدرء خطر الرومان فنشأت مملكة حدياب إلى الشرق من الموصل والحضر إلى الجنوب الغربي. إلا أن الإمبراطور الروماني تراجان شن حملة على بلاد ما بين النهرين عام 116 تمكن خلالها من السيطرة على الموصل وما حولها.واستمرت الاشتباكاتخلال السنوات اللاحقة بين الأشكانيين والرومان حتى ضعف الإمبراطورية الرومانية فسيطر الساسانيون على المنطقة بعد انهيار الدولة الأشكانية عام 224 م.اتسم الساسانيون بعدائهم للغرب فقاموا بجعل الزرادشتية ديانة رسمية للدولة وحاولوا فرضها بالقوة، إلا أن المسيحية أصبحت الأكثر انتشاراً في تلك الأنحاء،وغالباً ما لجأ الساسانيون إلى ارتكابالمذابح لمعاقبة سكان المدينة من المسيحيين، فبعد هزائمه المتكررة أمام البيزنطيين قام شابور باضطهاد عنيف استهدف مسيحيي نينوى في الفترة 341 -346 فقتل أسقفها سمعان بار صباعي إلى جانب العديد من أهلها.

النسطورية في نينوى

أصبحت نينوى مركزاً هاماً للفرع النسطوري من الكنيسة السريانية بعد انفصالها بعد مجمع أفسس عام 431 كما انتشر الرهبان في جبل الألفاف الواقع 25 كم شرقي الموصل واشتهرت المنطقة المحيطة بها بكثرة الأديرة التي شيدت منذ القرن الخامس ومنها دير مار بهنام ومار إيليا ومار متي ودير مار اوراها. وسقطت المنطقة تحت سيطرة البيزنطيين بعد الحرب الساسانية-البيزنطية بأوائل القرن السابع.

وبحسب رواية ذكرت في مخطوطة سعرت التي تعود إلى القرن العاشر فإن أول من أستوطن غرب دجلة كان راهباً نسطورياً يدعى مار إيشوعياب. وتذهب الرواية أن إيشوعياب نذر أن لا يأكل لحماً غير أنه نقض نذره عندما دعي لأكل لحم من قبل رعاة أثناء ترحاله، فصغر في عين رفاقه الرهبان فعبر دجلة وذلك بأن ألقى معطفه على النهر ومشى عليه برفقة رهبان آخرون وقام ببناء دير له على الضفة الغربية بجانب إحدى الجنائن. وقد كبر الدير وازدهر بعد أن لجأ إليه عدة عوائل هرباً من غارات البدو. كما بنى خسرو الثاني مباني حول الجنينة.

الخلافة العربية الإسلامية

بعد انتصار المسلمين على الساسانيين في معركة القادسية توجه قسم منه وشن حصاراً على تكريت التي كانت تحت سيطرة البيزنطيين وتمكنوا من دخولها واتجه ربعي بن الأفكل التغلبي إلى الموصل (عرفت في المصادر الإسلامية بالحصنين آنذاك) وفتحها، وهناك اختلاف على تاريخ استسلام المدينة، فيروي البعض أن ربعي بن الأفكل دخلها عام 637 (16 هـ) بينما يرجئه آخرون حتى 641 (21 هـ).كما تختلف المصادر التاريخية في هوية حاكمها الأول فهناك من المصادر الإسلامية من يذكر أن عتبة بن فرقد السلمي كان أول حكامها حيث قام بقتال أهل نينوى (الجانب الشرقي) وفتحها عنوة ثم عبر دجلة فصالحه أهل الحصن الآخر على الجزية والإذن لمن أراد الجلاء ، ويرى آخرون أن ربعي بن الأفكل أو عبد الله بن المعتم أو حفرجة بن حرثمة كان أول من حكمها.وبغض النظر عن هوية فاتحها أو أول حاكمها فإنه من المسلم به أن الموصل لم تكن سوى ثغر من ثغور الكوفة وظلت تابعة لها طول فترة الخلفاء الراشدين، ولم تكن هناك مستوطنة ذات أهمية على الجانب الغربي من دجلة.

وقام هرثمة بن عرفجة البارقي بتوطين قبائل عربية من أزد وطي وكندة وعبد قيس بالضفة الغربية, وبنى داراً للامارة والمسجد الجامع وهو أول جامع بناه المسلمون في الموصل، والذي بقي حتى سنة 1148. إلا أن المدينة لم تزدهر حتى النصف الثاني من القرن السابع الميلادي عندما تولاها الأمويون فجعلوا منها مركزاً لمنطقة الجزيرة. ازدادت مساحة الموصل في عهد سعيد بن عبد الملك بن مروان حيث قام بتعميرها وتحصينها وأحاطها بسور ورصف طرقها بالحجارة. كما نصّب لها مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين جسراً وبنى قلعتها. وشق الحر بن يوسف الأموي نهراً عرف بنهر الحر وكان يمر قرب سور نينوى وتقع عليه بوابة المسقى. واستمرت هجرة القبائل العربية في هذه الفترة وهي قبائل تغلب وربيعة وشيبان وطيء.

الإمارات الموصلية

اتسم اواخر القرن التاسع الميلادي بالصراع بين الحكام العباسيين والخوارج فاستعان الخليفة بحسين ابن حمدان الذي أدى نجاحه في القضاء على الخوارج سنة 896 إلى زيادة حضوة الحمدانيين. ازداد اعتماد العباسيين على الحمدانيين في العقد اللاحق بازدياد غارات الأكراد على أطراف المدينة، وبدورهم أعتمد الحمدانيون على التغالبة، الذين شكل بنو حمدان أحد بطونهم في إخضاع الأكراد. حكم الحمدانيون الموصل كمندوبين للخليفة وزادت استقلاليتهم تدريجيا بضعف العباسيين حتى أصبحت الموصل إمارة مستقلة بشكل فعلي بوصول ناصر الدولة حسن لسدة الحكم سنة 929. حكم العقيليون، أحد بطون بنو كعب، الموصل في الفترة 996 - 1096 م. ويعتبر حسام الدولة المقلد المؤسس الفعلي لهذه الإمارة التي امتدت جنوبا حتى شملت داقوق والكوفة في أوج قوتها.

أدت سيطرة الحمدانيين والعقيليون إلى ازدهار الموصل فازداد بنيانها وحسن منظرها، فوصفها ابن حوقل بأنها مدينة جميلة ذات ريف خصب واصفا أغلب سكانها بالأكراد. كما زارها المقدسي وصفها بأنها مبنية على شكل نصف دائرة وبها قلعة داخل أسوارها عرفت ب-المربعة (باشطابيا)، كما حوت أسوار المدينة سوق الأربعاء وجامع رئيسي. على الضفة الشرقية من دجلة وقعت مدينة نينوى القديمة التي هجرها أهلها بعد توسع الموصل، غير أنها حوت قصر الخليفة على نهر الخوصر.

سيطر السلاجقة على المدينة سنة 1096 اتسم حكمهم بإهمال المدينة التي أصبحت شبه مهجورة حتى تمكن عماد الدين زنكي من الاستقلال بها سنة 1127. ويعود إليه الفضل في إعادة إعمار الموصل حيث رمم أسوارها ومبانيها ونسق الجنائن حول المدينة. خلال فترة حكم خلفه عز الدين مسعود الأول حاصر صلاح الدين الأيوبي المدينة مرتين في 1182 و-1185 دون جدوى. غير أن الصراع بين الزنكيين والأيوبيين اضطر عز الدين إلى الاعتراف بسيادة الأيوبيين مقابل استمراره حاكما على الموصل. يروي ابن جبير لدى زيارته للمدينة قبيل بناء جامع النوري أن المدينة المحصورة داخل السور الخارجي انقسمت إلى جزئين علوي وسفلي ربطهما شارع عريض، وحوت على مارستان (مشفى) وقيصرية (سوق مسقف). بينما انتشت الضواحي المأهولة على مرمى البصر وشملت العديد من المساجد والخانات والحمامات. بنيت معظم المباني من الرخام الذي جلب خصيصا من جبل مقلوب شمال شرق المدينة، كما عرف عنها شكلها المقبب المميز. توسعت المدينة أوائل القرن الثالث عشر وقام الوزير مجاهد الدين قيمز ببناء مساكن في الضاحية الجنوبية، وحكم ابنه بدر الدين لؤلؤ كوزير للزنكيين قبل أن يستقل بالمدينة ابتداء من 1234 م. كما استسلم بدون قتال لهولاكو سنة 1244 ورافقه في حملاته غير أن المغول الإيلخانيين نهبوا المدينة سنة 1261 بعد أن تحالف ابنه الملك الصالح إسماعيل مع الظاهر بيبرس ضدهم.

امارة آل الجليلي

أدت سيطرة آل الجليلي على ولاية الموصل في القرن الثامن عشر إلى انتشار الأمان في المنطقة كما قام هؤلاء بالعديد من الأعمال الإعمارية كبناء حوانيت وقيصريات (أسواق مغلقة). كما قام آل الجليلي بتقسيم القرى المتواجدة بالمناطق السهلية الخصبة المحيطة بالمدينة على إقطاعيين عملوا على جمع الضرائب والمحاصيل الزراعية منها. فكانت قرة قوش وبرطلة ملكاً لعائلة الجليلي بينما امتلكت عائلة العمري مدينة كرمليس. فأصبحت الموصل من أهم مصدري الحبوب في المنطقة وقام تجارها بتصدير معظم هذه المحاصيل إلى المدن الكبرى القريبة كبغداد وحلب وديار بكر. وبالمقابل استوردت الموصل الفستق والصوف من جبال كردستان والحديد من ديار بكر،ولقد ظهر خط تجاري جديد في النصف الثاني من القرن العشرين وهو خط نهري بواسطة نهر دجلة يمتد من الموصل إلى البصرة عبر بغداد، حيث كانت المنتوجات المصنوعة والمستوردة إلى هذه المدن وخاصة الصوف والقطن تصدر عبر البصرة إلى أوروبا والهند. كما ساعد افتتاح قناة السويس عام 1870 ووصول سفن بخارية بريطانية إلى تطور هذه التجارة بشكل سريع.

عرفت الموصل كأحد مراكز تصدير النفط في الشمال بعد الاحتلال الإنكليزي للعراق. كما اتجه العديد من أهلها من تربية الماشية والمهن الحرفية إلى قطاع الخدمات. توسعت الزراعة فيها وتنوعت بعد إنجاز بعض مشاريع الري على سد الموصل ونهر الزاب الكبير وأصبحت تزرع فيها محاصيل الصناعية مثل الذرة والقطن تحت منظومات الري التقليدية والحديثة.

ثم تحدث الاستاذ عزيز عبد النور عن مدينة الموصل عارضا مجموعته من الصور والمخطوطات والخرائط ،فتحدث قائلا؛ 

العرقيات والأديان

يشكل العرب السنة معظم سكان مدينة الموصل، وينتشر بها أقلية من الأكراد الذين ينتمون للمذهب السني في الغالب ويتواجد جميعهم في الجانب الشرقي في المدينة أو مايسمى بالساحل الأيسر، أما بقية الطوائف من تركمان مسلمون، أو ديانات آخرى تشمل المسيحيون والصابئة المندائيون واليزيديون والشبك فيشكلون بمجموعهم نسبة قليلة لا تتجاوز 5٪ من مجموع سكان الموصل.

كانت الموصل قلعة صغيرة نشأت قديماً على الساحل الأيمن من دجلة، في المكان الذي يُعرف بمحلة القلعة. وقد عُرفت هذه المحلة في السريانية باسم "حصنا عبرايا"، أي الحصن العبوري. توسع هذا الحصن في العصر الإسلامي وباتت الموصل المعبر الذي يمر به كل قاصد. وهي حلقة الوصل بين بلاد الرافدين ومحيطها.

كانت مدينة نينوى التاريخية مركزا هاما لتجمع السريان الذين انتموا في الغالب إلى الكنيسة الكلدانية وكنيسة المشرق الآشورية والكنيسة السريانية الأرثوذكسية وكذلك بعض الأرمن. حيث زاد تعدادهم بعد الحرب العالمية الأولى فيها، غير أن أعدادهم قلت منذ الثمانينات بسبب الهجرة إلى خارج القطر، كما أدت موجات من العنف بعد حرب العراق إلى نزوح أغلبية من تبقى إلى داخل وخارج العراق ولم يتبقى سوى الفي سرياني في الموصل وقد فضلوا الرحيل لكردستان العراق.

يعود الوجود اليهودي في مدينة نينوى التاريخية إلى فترة سبيهم من قبل الآشوريين في القرن السابع قبل الميلاد، واستمر وجودهم حتى القرن العشرين فوصل تعدادهم في مطلعه إلى 1100 نسمة. غير أنهم نزحوا بشكل جماعي إلى إسرائيل في أوائل الخمسينات.

ازدهرت الموصل كمركز تجاري في القرن السادس عشر وذلك بحكم العلاقات التي ربطتها مع البلدات المجاورة. فاستوردت المواد الغذائية من مدن زاخو وأربيل وكركوك، كما اشتهرت باستيراد الصوف من غيلان في بلاد فارس ولفترة محددة اثناء حكم الصفويين على مناطق واسعة من العراق حتى حصن كيفا. غير أن سيطرة العثمانيين عليها غير مسار التجارة فأصبحت تستورده من بعلبك وتصدر الأقمشة المصنوعة منه إلى أوروبا حيث عرفت بالموسلين نسبة إلى المدينة. وتزامن هذا الازدهار التجاري بزيادة عدد السكان بنسبة 30% الهجرة. أدى ظهور حلب في سوريا كمركز لتصدير الحرير إلى أوروبا إلى قيام تجار الموصل بزيادة الضرائب على الحرير الإيراني المصدر عبرها. وخلال فترة الحرب الصفوية العثمانية التي استمرت منذ أواخر القرن السادس عشر حتى عام 1639م، عانت السهول المحيطة بالموصل من وجود الجيوش العثمانية التي تمركزت في تلك المناطق. كما تغير نوع الاقتصاد فأصبحت الموصل مركزاً لتمويل الجيش بمستلزماته المعيشية.وعلى العموم فإن تلك الفترة شهدت انحطاطاً في الاقتصاد الموصلي كان أحد عوامله تسليح العثمانيين للقبائل العربية والكردية من أجل محاربة الصفويين فقام هؤلاء بالإغارة على القوافل التجارية التي كانت ترتاد الموصل.

مشاهد من المدينة

للموصل خمسة جسور تربط ضفتي المدينة يعود تاريخ أقدمها إلى العهد الإنكليزي، وقد أعلنت مديرية طرق وجسور محافظة الموصل أنها ستباشر قريبا ببناء جسر سادس.كما يـوجد في الموصل مطار الموصل الدولي الذي يبعد عن مركز المدينة بحوالي 5 كم أنشئ في عام 1920م من قبل سلاح الجو الملكي البريطاني, يشغل المطار الحكومة العراقية وهو أحد مقرات شركة الخطوط الجوية العراقية.

واشتهرت الموصل منذ العصر الإسلامي بكونها أحد أهم مراكز الموسيقى في الدولة الأموية والعباسية. فيها نشأ إسحاق الموصلي وزرياب ويعتقد أن فيها نظمت الموشحات العربية أول مرة متأثرة بموسيقى الكنسية السريانية. وعرفت المدينة بالعديد من المقرئين الذين برعوا في المقامات في أوائل القرن العشرين مثل الملا عثمان الموصلي وأحمد عبد القادر الموصلي وحنا بطرس. كما اشتهر الأخوة جميل ومنير بشير بعزف العود والمقامات في النصف الثاني من القرن ذاته وحققا شهرة عالمية.وفي الساحل الأيسر للمدينة، تقع جامعة الموصل والتي اسست عام 1967 م. وافتتح في العام 1994 م كلية الحدباء الجامعة.كما توجد في مدينة عدة مكتبات، منها مكتبة الأوقاف التي تحوي على الكثير من المخطوطات والمكتبة المركزية العامة التي يعود تاريخها إلى عام 1921 م.

جوامع الموصل

يعتبر مرقد الامام يحيى ابو القاسم في حي الشفاء من المعالم الدينية الأثرية في مدينة الموصل قبل تفجيره من قبل تنظيم داعش ، ويعود تاريخ الجوامع إلى بداية العهد الإسلامي وتحديدا سنة 16 هـ الموافق 637 م حيث تم الجامع الأموي من قبل عتبة بن فرقد السلمي، ويسمى الجامع اليوم الجامع العتيق نظرا لقدمه. ثاني جامع بني في الموصل هو الجامع الكبير الذي بناه العادل نور الدين وانتهى من بنائه سنة 568 هـ الموافق 1172 م، ولم يبقى من الجامع الأصلي سوى مئذنة الحدباء والتي تعتبر أشهر معالم المدينة.

كنائس الموصل

تعتبر كنيسة مار توما الرسول للسريان الأرثوذكس التي تنسب إلى مار توما أقدم كنيسة في المدينة إذ يرجع أقدم ذكر لها إلى القرن السادس الميلادي، وقد كانت مقرا لمطرانية الموصل للسريان الأرثوذكس حتى نقلها إلى كاتدرائية مار افرام في الجهة اليسرى من دجلة.ومن الكنائس السريانية الأرثوذكسية القديمة كذلك كنيسة مار أحودامة التي شيدها التكارتة النازحين إليها في القرن التاسع. وأقدم كنيسة للكلدان هي كنيسة مار فثيون والتي يعود ذكرها إلى القرن العاشر. ومن الكنائس التاريخية كذلك كنيسة القديسة مسكنتة والتي تعود إلى العهد الساساني وكذلك كنيستان للكلدان والسريان الأرثوذكس تعرفان بالطاهرة التحتانية بسبب انخفاضهما عن مستوى الشارع.ولعل أهم الكنائس الحديثة كنيسة الساعة والتي أسسها الآباء الدومنيكان عام 1873 م. وتشتهر هذه الكنيسة ببرج ساعتها الذي كان الأول من نوعه في المنطقة.

الفترة العثمانية

كانت الموصل ضمن ولايات الدولة العثمانية لفترة طويلة وأستولى عليها السلطان سليمان القانوني عام 1534، وولى عليها حاكماً يدعى محمد باشا بكلربكي ومن بعدهِ حديد سليمان المحمدي وتولى بعدهِ عدة ولاة حتى سنة 1730 حيث تولاها أحد أبناؤها وهو حسين باشا بن إسماعيل باشا الجليلي. وفي عهده حاول الصفويون بقيادة نادر شاه الأستيلاء على ولاية الموصل سنة 1733، والتي كانت في تلك الفترة نقطة دفاع مهمة للجبهة الشرقية لدولة آل عثمان ضد الدولة الصفوية، لكن المحاولة بائت بالفشل بعد أن قُتل القائد الصفوي نركزخان على أيدي قبائل من البدو في قرية الغزلاني.

المملكة العراقية

استمرت الهيمنة العثمانية على الموصل حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. وكانت بريطانيا وفرنسا قد عقدتا أتفاقية سرية عرفت باسم اتفاقية سايكس بيكو تمت فيها تقسيم الولايات العثمانية العربية بين الدولتين، فكانت ولاية الموصل جزئاً من منطقة النفوذ الفرنسي. احتلت بريطانيا الموصل في 7 تشرين الثاني 1918 وذلك بالرغم من عقد الهدنة مع العثمانيين في 30 تشرين الأول. وبعد اكتشاف النفط في ولاية الموصل تمنت بريطانيا من إقناع فرنسا بالتنازل عن الموصل في معاهدة سيفر سنة 1920, غير أن تركيا استمرت بالمطالبة بأحقيتها حتى سنة 1925 عندما قررت عصبة الأمم عودة الموصل إلى العراق.انضمت الموصل رسمياً إلى المملكة العراقية عند إعلانها في 3 تشرين الأول 1932. وقد شهدت المناطق عدة أحداث منها عصيان البرزنجي أوائل الثلاثينات ومجزرة سميل التي لجأ بعدها أعداد كبيرة من الآشوريين إلى مخيم للاجئين داخل الموصل قبل نزوحهم إلى سوريا سنة 1934.

الجمهورية العراقية

بعد ثورة 1958 أعلن عبد الكريم قاسم قيام الجمهورية العراقية وكانت من أولى قراراته تأمين المؤسسات غير الحكومية وإلغاء النظام الإقطاعي، وقد أدى هذا بالإضافة إلى نهجه المعادي للقوميين العرب والمقارب من الشيوعيين إلى قيام عصيان قاده عبد الوهاب الشواف قائد الفيلق الخامس بالجيش العراقي بالتحالف مع شيوخ عشيرة شمر والإقطاعيين الذين فقدوا أراضيهم، فأعلن الشواف في 8 آذار 1959 من خلال راديو الموصل العصيان على عبد الكريم قاسم ودعى الشعب إلى حمل السلاح ضده. فقام عبد الكريم بتجنيد الكوادر الشيوعية في الموصل للرد على هذا العصيان وقد عاونهم في ذلك العمال والحرفين في الموصل والفلاحين في القرى المسيحية المحيطة بها. وبالرغم من النجاح الأولي للقوميين غير أن الشيوعيين قاموا بهجوم مضاد قتل خلاله الشواف واستمرت المعارك الدموية كما قامت القوات الجوية العراقية بقصف ثكنات الفيلق الخامس وجابت الدبابات شوارع المدينة. استمرت المعارك الطاحنة بين القوميين والعشائر العربية والكردية وملاك الأراضي من جهة والقوميين والمسيحيين والطبقات الفقيرة من العرب والأكراد عدا أيام انتهت بهزيمة القوميين، فقام الشيوعيون بإعدامات استهدفت أعضاء الأحزاب القومية راح ضحيتها المئات. تركت هذه الأحداث أثرها العميق في الموصل ونزح العديد من سكانها إلى بغداد هرباً من الانفلات الأمني الذي اتسمت به الفترة التي تلت الثورة.

حرب العراق

استطاعت طلائع البيشمركة الكردية بالتعاون مع الفرقة المظلية 101 من الجيش الأمريكي من احتلال المدينة في 21 نيسان أبان 2003 الاحتلال الأمريكي للعراق وذلك بعد استسلام القوات العراقية في المدينة. وشهدت الأيام الأولى من الأحتلال نهب العديد من المصارف والمنشآت الرسمية بها. كما تم تعيين أول مجلس للمحافظة في 5 أيار وسط اتهامات أطراف متعددة للأكراد بمحاولة الأستئثار بالسلطة. وعين أسامة كشمولة لاحقا محافظا لنينوى غير أنه اغتيل من قبل مجهولين في أيلول 2003 فاستلم ابن عمه دريد كشمولة منصب المحافظة وسط اعتراض عدد من وجهاء العرب السنة الذين انسحبوا بشكل شبه كامل من مجلس المحافظة. كما تدهور الوضع الأمني بالموصل عندما تمكنت مجموعات إسلامية أصولية تنسب إلى تنظيم القاعدة من فرض سيطرتها على أجزاء من المدينة ما دفع الحكومة العراقية إلى إرسال لواء الذيب إليها كما دارت معارك شرسة بين المسلحين وقوات أمريكية اواخر 2004.

سقوط مدينة الموصل

سقطت المدينة بالكامل بيد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وقوات محلية متحالفة معها يوم 10 حزيران 2014 خلال حملها شنها بشمال العراق. وشهدت المدينة موجة نزوح نتيجة المعارك التي حدثت حيث اقتحم الآلاف من مقاتلي تنظيم داعش مطار الموصل وقواعد ومعسكرات عسكرية ومقر محافظة نينوى مما أدى إلى إنيهار جنود الجيش العراقي وانسحاب القوات إلى كردستان. وتمكن التنظيم من السيطرة على مدينة وأغلب مدن محافظة نينوى ومن ضمنها المنشئات الحيوية في المدينة من أهمها مبنى محافظة نينوى والمطار، والقنوات التلفازية، وأعقب ذلك إطلاق ثلاثة آلاف سجين من السجون والمعتقلات في الموصل، وسيطر التنظيم على كامل محافظة نينوى واطلق على المعارك التي خاضها اسم غزوة أسد الله البيلاوي واطلق على محافظة نينوى أسم ولاية نينوى، انسحبت البيشمركة من بلدات سنجار وزمار ووانة وربيعة بعد القتال وسيطر عليها تنظيم داعش ، ومع بداية عام 2015 أعلنت قوات التحالف عن شن ضربات جوية على مدينة الموصل والمناطق التي يسيطر عليها المتطرفون، وقبل ذلك قام تنظيم داعش بإزالة بعض الأضرحة والمراقد في مدينة الموصل وباقي المناطق التي يسيطر عليها، مثل جامع النبي يونس ومتحف الموصل، مما أعتبر ارهاباً فكرياً، ونفذت هذه العمليات بما يتماشى مع العقيدة السلفية للتنظيم وحسب ايديولوجية التنظيم التي تعتبر هذه الأضرحة والمراقد أماكن تعبد لغير الله، وكانت المدينة منذ الحرب الطائفية قد حصلت فيها عمليات تغيير ديمغرافي للمسيحيين والشيعة والايزيديين وباقي الأقليات .

تحرير المدينة

أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي يوم 17 أكتوبر انطلاق معركة استعادة الموصل من قبضة تنظيم داعش، بقيادة قوات الجيش العراقي وبمشاركة قوات البيشمركة الكردية وبإسناد من قوات الحشد الشعبي وكذلك بإسناد جوي من طائرات قوات التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة، وبعد حملة استمرت لنحو تسعة أشهر وفي 10 يوليو 2017 أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي تحرير الموصل من سيطرة تنظيم داعش بالكامل.اعلنت وزارة الدفاع العراقية عن تحرير الموصل في يوم الخميس 29 حزيران 2017 وعن نهاية وجود قوات داعش في مدينة الموصل بعد وصول وحدات من الجيش العراقي إلى جامع النوري الكبير الذي هدم وفجرت منارته الحدباء الشهيرة في يوم 21 حزيران 2017، أثر حدوث معارك طاحنة بينه وبين قوات داعش وقد راح ضحيتها العديد من أفراد الجيش العراقي، وذكر قائد عسكري عراقي أن قواته سيطرت على مجمع الجامع النوري الشهير والمناطق المحيطة به. علما ان زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي كان قد أعلن في عام 2014 عن إقامة دولة "الخلافة" على أراض تشمل مناطق من سوريا والعراق من خطبة له من على منبر الجامع النوري.

 

نهايةالبراغماتيةالكردية

 

حيـدر سعيـد

 
 
 

مافتئالساسةالكردالعراقيونيذكّرونبأنهماختاروا،غداةإسقاطنظامصدامحسين،الاتحادَ الفيدراليشكلاللعلاقةالتيتربطكردستانبالحكومةالمركزيةفيبغداد،وأنهمعملواعلىتثبيتهذافيالدستورالعراقيالدائملسنة2005،الذيكانواطرفارئيسافيصناعته،وأنهمـيقولونـ لميلجؤواإلىالأسلوبالذيلجأإليهزعماءُجنوبالسودان،حينوضعوا،فياتفاقيةنيفاشاسنة2005التيأنهتالحربالأهليةفيالسودان،مدةزمنيةتجريبية (ستسنوات)،يقرّربعدهاأبناءُجنوبالسودانمصيرَهمومصيرإقليمهمفيماإذاكانواسيبقونوسيبقىجزءًامنالسودانالموحّدأملاوبالفعل،انفصلجنوبالسودانسنة2011،بعدالسنواتالستالتينصّتعليهاالاتفاقية،لتنشأجمهوريةُجنوبالسودان،فيعمليةسلسة،احترمتهاالأطرافجميعا.

اتفاقيةنيفاشاللسلامالدائموالدستورالعراقيالدائموُضعافيالوقتنفسهتقريباولذلك،كانالساسةُالكردالعراقيونيشيرونإليهالإيضاحالأسلوبالمختلفالذياعتمدوه،فهملميعمدواولميقترحواوضعَ مدةتجريبية،كماالسوداناختارالساسةُالكردالاتحادَالفيدرالياختيارادائما،هذامعأنالاستقلالحلمللكرد جميعا،يمتزجبتفاصيلحياتهم،وتكادتجدهفيثقافتهموأغانيهم،فيرقصاتهموملبسهمكلُّماعلىأرضكردستانيحلمبالاستقلال.وهوفكرةراسخةوعريقة،تبدأحتىقبلأنيكونثمةكيانسياسياسمه "العراق"،فحركةُالشيخمحمودالحفيد،الذيقديكونالأبَالفعليلفكرة "الاستقلالفيالتراثالسياسيالكردي،انطلقتسنة1919،قبلقيامالمملكةالعراقيةبسنتينوهذاالتحديدُيعنيأمرًاشديدالأهمية،فيتقديري،وهوأناستقلالكردستانلميكنتمرداعلىالعراق،أومطلباحرّكهالظلمُوالاضطهادوعسفالدولةفيإدارةماسيُعرفمنذتلكاللحظةبـ "المسألةالكردية"،وإنكانكلهذاصحيحاوحقيقيا،فإنماحرّكفكرةَاستقلالكردستانهورغبةهذهالقوميةالصاعدةفيأنتكتسبإطارَهاالسياسيالخاصوقدأنتجتحركةُالكردلاكتسابوتحقيقهذاالإطارالخاص،مابعدرسمالخريطةالسياسيةالحديثةللمنطقةفيالربعالأولمنالقرنالعشرين،تصدعاتٍ دامية،فيكلالبلدانالتييتوزععليهاالكرد.

كانتمسيرةُالكردداميةومؤلمة،بكلتأكيد،لاتقفعندمحمودالحفيدفقط،بلتمربالشيخسعيدبيران،وجمهوريةمهابادوالملامصطفىالبارزاني،وثورةأيلول/ سبتمبر 1961،وَعَبَدالرحمنقاسملووَعَبداللهأوجلان،والأنفالوحلبچة،إلىآخرسجلالعذابالكردي،الذيتورطتسائرُدولالمنطقةفيه.

أصبحتفكرةاستقلالكردستانكالأفكارالمقدسةلدىمعتنقيها،ذلكأنهاغُمّستبالدماء.

 

استكمال مقومات الدولة

ومعذلك،ومعأنالكردعاشواوضعاخاصافيالعراقمنذعام1991،إثرانسحابالسلطةالمركزيةفيبغداد،والحمايةالتيوفّرهاالتحالفُ العسكري الغربيللمناطقالكردية،لميختارواأنيطوّرواهذاالوضعَالخاصإلىدولةمستقلة،أوفيالأقل،وضعبرنامجزمنييفضيإلىالاستقلال،واختارواـفيدستور2005ـ الاتحادالفيدراليالدائم.

هلتنكرالساسةُالكردلفكرةالاستقلال،آنئذ؟

يسيطرشعورعامعلىعربالعراق (وسواهم،بكلتأكيد)،بأنبقاءالكردفيالعراقبقاءموقت،وأنهمسيختارونالاستقلالمتىأتتاللحظةُالمناسبةو"اللحظةالمناسبة"،هنا،تعبيرمكثفعنتقاطعحزمةعوامل،كردية،وداخلية (في العلاقة مع الحكومة المركزية في بغداد)، وإقليمية، ودولية.

ومع ذلك، باشر الساسةُ العرب العراقيون بتصميم نظام "تقاسم السلطة"، مع الكرد، في إطار ما يُعرَف بـ"الديمقراطية التوافقية"، بغض النظر عن تقييمنا لهذا النظام وكفاءته ومدى نجاحه ومدى إيمان الساسة العرب العراقيين بأن "يتقاسموا السلطة"، في ظل ثقافة ومشاعر وتاريخ (وأحيانا إيديولوجيا) بأن هذا البلد عربي، هوية، وسياسة، وروحا، وتوجها، ورموزا، وذاكرة.

ومن ثم، كان الساسةُ العرب العراقيون يمارسون شيئا من الازدواجية: إحساسهم بأن بقاء الكرد بقاء موقت وأن استقلال كردستان قادم لا محالة، والعمل على نظام دائم لتقاسم السلطة.

بالنسبة لي، بوصفي مثقفا عربيا، تحمل هذه الازدواجيةُ (فضلا عن الوعي بها) نزعة عدمية، لا يمكن العمل بها ومعها، فكيف يمكن أن نعكف على تصميم نظام سياسي مستقر، أيّا كان شكله، ونحن نوقن أن حدود البلاد لن تبقى كما هي؟ كيف نصمّم تقاسمَ السلطة مع مجموعة إثنية، ونحن نؤمن بأنها ستنفصل قريبا؟

وبالنسبة لي أيضا، كان التجريبُ (على الطريقة السودانية) أمرًا شديد الأهمية، ولكن، لا أن يجرب الكردُ مدى تكيفهم في اتحاد فيدرالي، بل أن يجرِّب العربُ إمكانيةَ أن يُنشئوا (أو يسهموا في إنشاء) دولة متعددة الهويات والإثنيات، لا أن تطبع هويتُهم روحَ الدولة وذاكرتها، وتعرّف "الآخرين" بوصفهم "أقليات"، ملحقة وثانوية، بل أن تكون جزءا، فاعلا، من نسيج هويات مركّب، تحكمه المواطنة المتكافئة.

هذا التجريب هو وحده الذي كان يمكن أن يستدرك على الإشكالية المؤسِّسة للدولة العراقية الحديثة، وهي أنها دولة متعددة الهويات، وبهوية غالبة متفوقة في الوقت نفسه، وما قاد إليه هذا من معالجات قسرية، ولا سيما فيما يخص المسألة الكردية، وصلت حد الإبادة الجماعية.

في تقديري، هذا هو الرهان الذي كان علينا أن نخوضه. ولا يبدو أننا خضناه، بل أعدنا إنتاجَ نمط الدولة الأمة نفسه، بتراتبياته وتوازنات قواه المعتادة، وكأن الأزمة ليست في النظام، بل في أشخاص وسياسات خاطئة، وكأننا لم نتعلم من تأريخنا الثر بأخطائه/ نا.

وفي كل الأحوال، لم يكن ثمة "طريق ثالث" في هذه الازدواجية العدمية، التي حكمت تفكير الساسة العرب. وتحديدا، كان يمكن أن يكون ثمة طريق ثالث، يتمثل بالتخطيط لمرحلة انتقالية، بما تتضمن من ترتيبات وإجراءات تفضي إلى استقلال كردستان.

أما الكرد فلم يكونوا خارجَ هذه الازدواجية، إلا إن لطريق الثالث"، في الرؤية الكردية، ليس برنامجًا زمنيًا بتوقيتات محددة، تنتهي إلى الاستقلال، بل هو "استكمال مقومات الدولة"، الذي قد لا يتحقق في مدة زمنية قصيرة، ولا يمكن ضبطه بتاريخ محدد، فـ"اللحظة المناسبة" للاستقلال لا تتوقف على الكرد، بل على الخارج وتعقيداته كذلك.

من هنا، لم تكن هذه الازدواجيةُ ذاتَ طبيعة عدمية لدى الكرد، ذلك أنها مرحلة انتقالية، ستعبر بهم إلى الدولة المستقلة، وإن كانت هذه المرحلة الزمنية من دون حدود.

ومن هنا، أيضا، لم يتنكر الكرد لمبدأ الاستقلال، بل إنهم ـ من أجله ـ غضُّوا النظرَ عنه قليلا، ووضعوه جانبا لصالح الاتحاد الفيدرالي في إطار العراق الواحد.

وهذا هو الجانب الأكثر قوة في السياسة البراغماتية التي مارسها الكرد.

 

النزعة البراغماتية للسياسة الكردية

وفي الحقيقة، لا يمكن فهم تعطيل مبدأ الاستقلال (وإن كان تعطيلا موقتا)، لصالح الاتحاد الفيدرالي الدائم، إلا بأنه جزء من النزعة البراغماتية التي طبعت السياسة الكردية ما بعد 2003.

هذه البراغماتية كانت تتجلى بأكثر من مظهر، منها (وأهمها ربما) أن الكرد جعلوا (أو قبلوا بأن يكون) حسم مسألة "المناطق المتنازع عليها" سائبا، على المستوى الزمني، أي من دون حدود زمنية، عمليا. ومع أن الخطاب الكردي الداعي للاستفتاء الآن يستعمل حجةَ عدم تنفيذ الإجراءات والخطوات التي نص عليها دستور 2005 لحسم وضعية "المناطق المتنازع عليها" مبرّرًا لشمول هذه المناطق بالاستفتاء وإجرائه فيها، لم يعمل الساسةُ الكرد ولم يضغطوا ـ في الحقيقة ـ لوضع برنامج زمني واقعي للانتهاء من هذه المسألة. وبالنسبة لهم، كان الانهماك بالترتيبات الداخلية لكردستان أولى من حسم وضعية هذه المناطق، هذا فضلا عن أن الحدود الزمنية المفتوحة لهذا الحسم يحيّد (أو يؤجل) الصراعات التي يمكن أن تنشأ على هذه المناطق وتربك البناءَ الكردي الداخلي.

وبموازاة هذا، كانت هناك سياسة "قوة ناعمة" كردية بطيئة وطويلة النفس، عملت على هذه المناطق، لإقناع أهلها بالنموذج الكردي مقارنة بنموذج بغداد: إدارة كفوءة في كردستان، ودولة فاشلة في بغداد، دولة تحمي الحريات الشخصية والأقليات الدينية في كردستان، ودولة عاجزة عن فعل ذلك في بغداد. ومع أن النموذج الذي تقتبسه كردستان هذا لا يحفل ولا يعير اهتماما بالحريات المدنية والسياسية، وقد تكون بغداد أكثرَ تقدما في هذا المجال، إلا إن هذا النموذج بات رائجا في المشرق، ومغريا للأقليات الدينية والإثنية، حيث تستبدل الدولةُ بالحريات المدنية والسياسية الحرياتِ الشخصية (وكذلك الدينية والثقافية)، وتتعهد بحمايتها. هذا النموذج، الذي يُسوَّقبديلًا لفشل الانتقال الديمقراطي، الذي فرّط بالدولة ولم يُنجز الديمقراطية، تقتبسه كردستان ليكون أحدَ مصادر قوتها الناعمة، على المكونات الدينية والإثنية المنتشرة في المناطق المتنازع عليها.

ومن مظاهر البراغماتية الكردية، كذلك، تحالف الساسة الكرد مع الإسلام السياسي الشيعي، الذي تصدر إلى حكم العراق ما بعد 2003. ومع أن إحدى الحجج التي تُستعمل كرديًا، الآن، لتبرير الاستفتاء هي أن العراق، من حيث هو مشروع دولة ديمقراطية أُطلق في حقبة ما بعد الاستبداد، فشل ولم يتحقق، وتحول ـ على النقيض من ذلك ـ إلى دولة طائفية، فإن قراءة مسار التطورات منذ نيسان/ أبريل2003 تكشف أن المفاصل الأساسية في هذا المسار صنعها تحالفُ أحزاب الإسلام السياسي الشيعي والحزبين الكرديين الرئيسين، وأن الكرد لم يقفوا لردع النزعة التسلطية النامية، التي تبلورت خلال حقبة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، في حين وقفت أطراف شيعية، ومن داخل الإسلام السياسي الشيعي (مقتدى الصدر، مثلا)، في مواجهة هذه التسلطية، منادِيةً بإطلاق مشروع إصلاحي جذري لمسار الدولة العراقية المتعثر. وحتى خلاف الكرد (رئاسة الإقليم والحزب الديمقراطي الكردستاني تحديدا) مع المالكي في سنوات حكمه الأخيرة، لم يكن بسبب الموقف من الديمقراطية، أو علمانية الدولة، أو الحكم الرشيد، أو حال الحريات المدنية، بل بسبب قواعد توزيع الثروة في عراق ما بعد 2003، ومنها قانون النفط والغاز، وقيام إقليم كردستان بالاستثمار في القطاع النفطي وإنتاج النفط وتصديره، وحصة الإقليم من الموازنة العامة، وما إلى ذلك مما يدور في هذه الدائرة.

كانت القوى العلمانية الديمقراطية في العراق تأمل بأن تكون الأحزابُ الكردية حليفًا لها، إلا إنها أيقنت بأن هذه الأحزاب تركز على امتيازات الإقليم وحقوقه أكثر مما تركز على المفاصل الديمقراطية للنظام. طبعا، ينبغي التأكيد، هنا، على أن النظام السياسي لكردستان لا يمكن وصفه بأي حال من الأحوال، بأنه ديمقراطي، فهو يعاني من سائر أمراض الأنظمة السياسية في المشرق: القرابية، تغول السلطة التنفيذية، الريعية، عدم احترام الفصل بين السلطات، النزعة التسلطية، الفساد، . .. كان أملُ الأحزاب العلمانية الديمقراطية هذا ينطلق من كون الأحزاب الكردية أحزابًا علمانية (بما أنها أحزاب قومية، وكسائر الأحزاب القومية في العالم)، يمكن أن تواجه الأحزابَ الدينية الصاعدة في بغداد، ولم يتنبه الأملُ العلماني الديمقراطي على أن الأحزاب الكردية ليست أحزابا ديمقراطية، وإن رفعت شعارَ واسمَ الديمقراطية (كان شعار "الديمقراطية للعراق" من الشعارات الأساسية التي رفعتها حركة التحرير الكردية منذ ثورة أيلول/ سبتمبر 1961)، ومن ثم، فإن "فاقد الشيء لا يعطيه"، على نحو ما يرد في القول المأثور.

يمكننا إيراد الكثير من الأمثلة على فاعلية وحيوية البراغماتية الكردية ما قبل قرار الاستفتاء. أقول: ما قبل قرار الاستفتاء، لأنني أتصور أن القرار بالمضي في الاستفتاء لم يُنهِ فقط تعطيلَ مبدأ الاستقلال، بل أعاد السياسةَ الكردية إلى المبادئ، لا المصالح والممكنات، بغض النظر عن الاعتبارات السياسية المحيطة ومدى إمكانية تحقق هذه المبادئ.

وبكلمة: يضع الساسة الكرد، مع قرارهم المضيَّ بالاستفتاء على استقلال كردستان الآن، حدًّا لنزوعهم وسياستهم البراغماتية.

ولكن، لماذا الآن؟ ما الذي حدث بحيث قرّر الساسةُ الكرد المضيَّ إلى الاستفتاء الآن، أيًّا كان الثمن؟ هل لذلك علاقة بمرحلة ما بعد داعش وقرب تسوية الأزمة السورية، ما أوحى للكرد (ولغيرهم، بكل تأكيد) أن خريطة سياسية جديدة ستُرسَم في المنطقة، أو أنها يمكن أن تتقبل خريطة سياسية جديدة؟

لا أحد يبدو مقتنعا بالحجة التي يستعملها الخطابُ الكردي لتبرير الاستقلال، وهي أن العراق تحوّل إلى دولة طائفية فاشلة، لا فقط لأن هذه الحجة لا تبرّر التاريخ (تاريخ تنظيم الاستفتاء)، أي لماذا تنبه الكرد على فشل الدولة العراقية وطائفيتها في 2017، وليس في 2016، مثلا، أو 2015، أو 2014، أو 2013، ولكن لأن الكرد كانوا أحد عوامل صناعة هذه الدولة الفاشلة، فهم ـ منذ 1991 ـ عاشوا وضعا خاصا منفصلا عن السلطة المركزية في بغداد، ومن ثم، لم يستطيعوا أن يتقبلوا عودة سيادة بغداد على المناطق الكردية. ولذلك، كان النظامُ الذي عملوا على تصميمه في دستور 2005 نظاما يتجاوز الفيدرالية المعيارية (كان يُوصَف في الأدبيات الكردية بأنه "فيدرالية موسّعة")، يميل إلى إعطاء الصلاحيات لسلطات الإقليم، على حساب السلطات الاتحادية. وعلى الأرض، كانت كردستان تعيش في انعزال (إداري) شبه تام عن بغداد، ولم تكن لبغداد أية صلاحيات تُذَكَر في الإقليم، سوى ما يمكن أن يناله الإقليم وأبناؤه من سمات بوصفهم "مواطنين عراقيين"، من نسبة من الموازنة العامة للدولة، أو بعض الأمور التنظيمية التي يضطر فيها الإقليم إلى العودة إلى بغداد، لأن النظام الدولي لم يعترف بعد بكردستان دولة مستقلة، من قبيل العملة وما يستتبعها من سياسة نقدية، وإصدار جوازات السفر والبطاقات الوطنية، وتنظيم حركة الملاحة الجوية، والرموز الدولية في الاتصالات والبريد، وما إلى ذلك.

أنا أتحدث هنا بشيء من العمومية في توصيف الحدود الفعلية للسلطات الاتحادية في النظام الفيدرالي العراقي. وفي كل الأحوال، أرى أن من المهم أن تتصدى دراسة ما لمتابعة تفصيلات النظام الفيدرالي في العراق، على نحو ما مورس (لا كما وُصف وقُنّن في الدستور، لأن الواقع لم يكن تجسيدا أو تنفيذا للتصور الدستوري)، وما هي حدود صلاحيات المركز في الإقليم، إن كانت هناك صلاحيات، ولماذا سُمح بهذه الصلاحيات دون غيرها، ثم كيف تشكل نظام على هذه الشاكلة، وُصف بأنه "نظام فيدرالي".

يلاحظ هشام دَاوُد أن الكرد لم يريدوا من النظام الفيدرالي في العراق تقاسما للسلطة، بقدر ما أرادوا تقاسمَ السيادة، ومن ثم، نشأ نظام هو أعلى من الفيدرالية، ودون الدولة المستقلة. وفي تقديري، أن هذه الأزمة هي التي حملت الكردَ على مشروع توصيف طبيعة الاتحاد مع الحكومة المركزية في بغداد بأنه "اتحاد كونفدرالي"، وليس "فيدراليا"، مع كل ما يحيق بهذا التوصيف من التباسات، ذلك أن الاتحاد الكونفدرالي هو اتحاد بين دول مستقلة ذات سيادة (الاتحاد الأوربي، مثلا)، وليس نظاما للعلاقة بين المركز والإقليم داخل دولة واحدة. نعم، يصف بعض الباحثين درجة استقلالية الوحدات المكوِّنة للنظام الفيدرالي في بعض الدول (بلجيكا، مثلا) بأنها قريبة من نمط العلاقة في الاتحادات الكونفدرالية. ولعل هذا هو ما أراده الكرد حين طرحوا مشروع الكونفدرالية، ولكنني أتصور أن الأمر أبعد من ذلك، فـ "اللاشعور السياسي" الكردي كان يريد للكونفدرالية أن تقنّن تقاسمَ السيادة، أي أن تُفهَم العلاقة بين كردستان والحكومة المركزية في بغداد ـ من ثم ـ بأنها أشبه بالعلاقة بين الدول المستقلة ذات السيادة. وهكذا، لم يكن مشروع الكونفدرالية الكردي ليريد أكثر من تعديل الدستور ليطابق الواقع، في حين كان تعبير "الدولة الكونفدرالية"، الذي استعمله القوميون الفلمنغ في بلجيكا، مثلا، يطمح ـ بالفعل ـ إلى توسيع استقلالية الوحدات الفيدرالية إلى أقصى حد. 

مرة أخرى، يُرجع كثير من الباحثين المختصين بالمسألة الكردية قرارَ الاستفتاء وتوقيته إلى الظروف الإقليمية وما يمكن أن تشهده من تحولات ما بعد داعش، ما جعل الساسة الكرد يدفعون بمشروع الدولة الكردية، لتكون جزءا من الخريطة الجديدة.

ومع ذلك، أرى من الضروري التوقف عند عاملين:

الأول، وهو أمر يُتداوَل كثيرا في الأوساط الداخلية الكردية، تلميحا، وتصريحا بدرجة أقل، وقد سمعته من قياديين وباحثين كرد معروفين، ولن آتي بجديد حين أورده هنا، وهو أن قرار الاستفتاء مرتبط بالأزمة السياسية الداخلية في كردستان، وطبيعة العلاقة بين الأحزاب الرئيسة، التي قادت إلى إيقاف الحياة البرلمانية، وشرعية رئاسة مسعود بارزاني. ومن ثم، تُنهي الدولةُ الكردية إقليمَ كردستان، بأزماته واختناقات شرعية زعاماته، لتشكل بداية جديدة، وإطار شرعية جديدا، هذا فضلا عن الرصيد المضاف للشرعية التاريخية التي تملكها الزعاماتُ الكردية الحالية، حين تكون قائدةَ مشروع الاستقلال.

ولذلك، لا نجاوب الصواب إذا قلنا (وأنا، هنا، أستعير من سياسي كردي بارز): إن تحديد الاستفتاء وتوقيته هو مشروع الحزب الديمقراطي الكردستاني، والبارزاني تحديدا، وهو مرتبط بالأزمة السياسية الداخلية أكثر من أي شيء آخر.

نعم، انخرطت أحزاب وتنظيمات سياسية كردية عدة وكثيرة في المشروع، لأنها ـ في هذه اللحظة التاريخية ـ لا تستطيع أن تقف بوجه هذا الحلم، ولا تستطيع أن تتعفف في التنافس على الشرعية التاريخية التي سيُكسِبها الاستقلالُ للساعين إليه. ولكن هذه الأحزاب، في الوقت نفسه، تعارض محاولةَ الحزب الديمقراطي الكردستاني القبضَ على مقاليد الحياة السياسية الكردية. ومن ثم، هي تؤجل قليلا هذه المعارضة، ولكنها ستطلقها في اليوم التالي للاستقلال، بكل تأكيد. وبكلمة، لا تعني الموافقةُ على الاستقلال الموافقةَ على الزعامة وشكل نظام الحكم ما بعد الاستقلال.

وفي الحقيقة، ليست ثمة وحدة كردية. والانقساماتُ الكردية ليست جديدة وطارئة، بل هي قديمة كذلك، وهي انقسامات ذات طابع جهوي ولغوي، غير أنها ظلت تتحكم بالديناميكيات السياسية الكردية. وحتى عندما نشأت القوميةُ الكردية، أواخرَ القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، فإنها كانت نتاج تكوين سوسيولوجي محدّد، غير أنها حاولت أن تفرض نمطها السياسي وأهدافها على سائر الجغرافية والتكوينات الديموغرافية الكردية، وعملت على إعادة تعريف "الكردية السياسية"، إن صحّ التعبير. في عمل سابق، حاولتُ أن أوضّح كيف استبعد الخطابُ القومي الكردي الكردَ الذين عملوا في إطار الدولة العراقية الناشئة سنة 1921 بوصفه خيارا كرديا، وحصرَ مشروعَ "الكردية السياسية" بالاستقلال، أو الوضع الخاص.

وهكذا، يتأثر الانقسامُ على مشروع الاستفتاء الراهن على الاستقلال بالانقسامات الكردية، التي هي أبعد وأوسع من اللحظة الراهنة.

العامل الآخر هو أن الأزمة الداخلية التي قادت إلى الاستفتاء رافقها (وجعلها ممكنة) تفكير رغبوي كردي بأن الأطراف الإقليمية والدولية ستتقبل، في النهاية، الدولةَ الكردية. 

وتحديدا، هناك قراءة في أوساط الحزب الديمقراطي الكردستاني بأن موقف تركيا سيكون إيجابيًا. وهذه القراءة تستند إلى العلاقة اللافتة التي ربطت أربيل بأنقرة وبحكومة حزب العدالة والتنمية خلال السنوات العشر الماضية1. وأيا كانت الظروف أو الأسباب التي نمت خلالها هذه العلاقةُ (سواء محاولة تركيا جعلَ كردستان العراق منصةَ لنفوذها، أو في سياق مبادرة حكومة العدالة والتنمية بحل المسألة الكردية في تركيا، التي أطلقتها سنة 2009، وتتضمن ـ في جزء منها ـ تقديم نموذج كردستان العراق بديلا لحزب العمال الكردستاني، أو في سياق العداء المتصاعد بين تركيا وحكومة المالكي، أو في البحث عن نافذة استثمارية، بحيث أصبح إقليم كردستان العراق في مرتبة متقدمة في قائمة الوجهات التي تتجه إليها الصادرات التركية، أو ما إلى ذلك من عوامل)، فإن الأتراك، ما قبل الربيع العربي وتورطهم بالأزمة السورية، قد يكونون اقتنعوا (أو كانوا على استعداد لأن يقبلوا) بدولة كردية في شمال العراق2. قد يكون الموقف التركي، آنئذ، كان على هذا النحو، ولكن الأكيد هو أن الكرد فهموه وتعاملوا معه على هذا الأساس.

في ذلك الوقت، وفي ذروة طرح الكرد لمشروع الكونفدرالية، همس في أذني أحد أصدقائي من المثقفين الكرد بأن اتحاد كردستان الكونفدرالي لن يكون ـ بالضرورة ـ مع العراق، بل قد يكون مع تركيا، التي ستكون بوابة كردستان نحو أوربا والغرب.

ومن ثم، كان قرار الاستفتاء يستند إلى عقد كامل من العلاقات الإيجابية، بين أربيل وأنقرة، والإيحاءات (التي قد تكون إيجابية)، التي أرسلتها تركيا إلى كردستان، والفهم (أو سوء الفهم) الكردي لموقف تركيا من مسألة الاستقلال.

وبكل تأكيد، ومع أن الساسة الكرد يدركون أن قرار استقلال كردستان ليس قرارًا كرديًا خالصا، بل هو قرار إقليمي ودولي، لم يكونوا يتوقعون أن يكون ردُّ الفعل الإقليمي والدولي على إعلان الاستفتاء أعلى حدة بكثير مما كانوا يتوقعون، ليس فقط الموقف التركي، الذي قد يكون الساسة الكردُ عدّوه خذلانًا لهم، بل الموقف الإيراني، الذي هدد ـ تقريبا ـ بإعلان الحرب، وبحصار كردستان وقطع المياه عنها.

وحتى الموقف الأمريكي بدا للكرد أعلى حدة، فمع أن السياسة الأمريكية ما بعد 2003 كانت ترفض باستمرار أي إيحاء كردي بالاستقلال، وكانت تكرر أنها تتعامل مع الكرد بوصفهم جزءًا من الدولة العراقية الواحدة، هذا فضلا عن الدعم الأمريكي المستمر للحكومة المركزية في بغداد (وآخرُه دعم حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي)، إلا إن واقع الحال يثبت أن لكردستان حظوة ما في التفكير الأمريكي، لا يدل عليه فقط أن حرب الولايات المتحدة على داعش لم تبدأ إلا حين اقترب التنظيم من أربيل في آب/ أغسطس 2014، بل ـ كذلك ـ لأن الكرد هم الطرف العراقي الوحيد الذي كان على علاقة ود وصداقة دائمين مع الولايات المتحدة.

وأظن أن ما لم يقدّره الكرد أن هذه المواقف، ولا سيما الموقف الأمريكي، لم تكن مناهِضة لأساس أو مبدأ الدولة الكردية، بل خشية من أن إعلان انفصال كردستان عن العراق سيطلق ديناميكية انفصالات (أو رغبات بالانفصال)، لا يمكن ضبطها، في سياق إقليمي ملتهب وعنيف، ولا سيما إن هذه المنطقة تخضع لتأثيرات داخلية كبيرة بينها. ولعل أحد أهم أمثلتها هنا، لا فقط أن شابّا في إحدى مدن جنوب تونس أحرق نفسه محتجا في أواخر 2010، أسهم في سقوط نظم استبداد عتيدة وراسخة، وأطلق ثورات وحركات احتجاج في أقصى بقعة في المشرق، ومنها كردستان، بل المثل الأهم هو أن نموذج الفيدرالية والإقليم ذي الحكم الذاتي، الذي بنته كردستان في إطار العراق، أشعل النموذجَ اللامركزي في سائر المنطقة. وهل يبعد أبناءُ شرق ليبيا، حين دعوا إلى إقليم برقة، أو اليمنيون الذين شرّعوا لنظام فيدرالي ما بعد ثورة 2011، هل يبعدون عن النموذج الملهم الذي أطلقته كردستان العراق؟ فكيف إذا نشأت الدولة الكردية المستقلة.

لذلك، أنا أعتقد، وبخلاف كل ما يقال عن "مؤامرة دولية" لتقسيم المنطقة، أن الموقف الدولي كان ممانعا لأكثر حالات القابلية للاستقلال نضجا، وهي كردستان العراق.

يتضمن الموقف الإقليمي والدولي الرافض للاستفتاء، كذلك، خشية على العراق، الذي لم يخرج بعد من الحرب على داعش، وها هو مهدد بحرب جديدة، عربية كردية، ولا سيما إن الأطراف المتنازعة لم تتفق بعد على حدود كردستان.

وفي تقديري، أن عموم المجتمع العربي في العراق لا يمانع في استقلال كردستان، ولكن، ما هي "كردستان" هنا؟ ما حدود كردستان التي ستنفصل؟ هل ستأخذ معها كركوك وسهل نينوى والمناطق المتنازع عليها، أم ستكتفي بالمحافظات الثلاث؟ ومَن سيقرر مصير كركوك، العقدة الجوهرية في هذه المسألة؟ الكرد لوحدهم؟ وهم ليسوا الأغلبية في المحافظة، بل المجموعة السكانية الكبرى؟ كيف يقبل الكرد، الذين تمتعوا ـ في "قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية" ودستور 2005 ـ بحق النقض، الذي تفيد منه ـ في العادة ـ الأقلياتُ في النظم التوافقية، حتى لا تفرض عليها الأغلبيةُ ما لا تريد، كيف يقبلون بأن يحرموا المجموعات الإثنية في كركوك (التركمان، والعرب، والمسيحيين)، من حق النقض، ليفرضوا عليها ما لا تريد؟ لماذا دافع الكرد عن التوافق لتقرير مصير العراق، ولا يعملون على أن يتحدد مصيرُ كركوك من خلال التوافق، بل تحدده المجموعة السكانية الكبرى، رغما عن الآخرين؟

لقد قادت مغادرةُ الكرد السياسةَ البراغماتية بشكل متعجل والارتجالُ في إدارة ملف الاستفتاء، قادتهم إلى المضي من دون بناء تفاهمات وتوافقات، داخلية وإقليمية ودولية، على كل هذه التفصيلات المعقدة، والتي تقع أبعدَ من مبدأ حق تقرير المصير.

الأسئلة جدية ومعقدة. وقد بدأت لغةُ الحرب تتصاعد في خطابات قوميات كركوك منذ الآن.

الخطابُ السياسي الكردي يبدو أنه سيتمسك بالمبدأ، على الرغم من كل ما يمكن أن يحيق به من أضرار. وليس أمامه، من ثم، وقد وضع جمهوره أمام هذه الأزمة، وباتت مصداقيتُه على محك الشك، إلا استعادة دور الضحية، واستعادة الخطاب عن أن العالم يتوحد ـ مجددا ـ ضد الكرد، ليحرمهم من الدولة، التي لن تتحقق إلا بالدم.

وفي النهاية، يأتي حلم الاستقلال، الذي رافق الكردَ لعقود، بشكل غير الذي توقعوه، ليس فقط في الإدارة الارتجالية والمضطربة لملف الاستفتاء، بل في إحساس شريحة كبيرة من الكرد بأن هذا الملف حرّكته مصالحُ حزبية، ببراهين ضعيفة، وفي غياب إجماع كردي. وبالأحرى، وُضع المبدأ الصحيح، بالطريقة الخطأ، وفي التوقيت الخطأ.

ولذلك، لم يكن غريبا أن تطلق جماعات سياسية ومدنية كردية وازنة حملة معارِضة لتنظيم الاستفتاء على الاستقلال، الحلم الذي رافق كل كردي، هذا فضلا عن المخاوف الجدية من أن يكون ثمة عزوف عن المشاركة في الاستفتاء، ما يقدح بشرعية النتيجة، كيفما كانت.

يحدثني كثير من أصدقائي الكرد عن تخوفاتهم من اليوم التالي للاستقلال، حيث كل شيء متوقع، الحرب، والحصار، والنزاع الأهلي. والأكثر قسوة هنا هو إحساس هذه الشريحة بأن الساسة الكرد يغامرون بالشعب الكردي.

السياسة الكردية، إذن، غادرت براغماتيتها، التي طبعتها لعقود، ومعها ستغادر أشياء كثيرة.

وبالتأكيد، لن تكون نهاية البراغماتية الكردية نهاية واحدة، فريدة، بل حزمة نهايات.

 
 
 

بناء و تطوير الدولة ومتطلبات تعزيز مشاريع الاقتصاد المجتمعي

ضيفت مؤسسة الحوار الانساني بلندن الاستاذ عمر العبادي يوم الاربعاء 16آب 2017 في امسية ثقافية تحدث فيها عن مناقشة الية بناء الدولة و تجذير الحالة الوطنية و بناء الهوية الوطنية و دور الاعلام و الاعلام المضاد و بناء الاقتصاد المجتمعي.

الاستاذ عمر العبادي  متخصص في الادب الانكليزي و الفرنسي و الترجمة ، عمل في العراق مع برنامج الامم المتحدة الانمائي كما عمل  مديرا لمكتب صحيفة اساهي اليابانية في العراق و مراسلا لوكالة رويترز كما عمل مديرا للتخطيط الاستراتيجي في مؤسسة CTV - لندن ومدربا للبرامج الاعلامية. ويرأس حاليا شركة ماسترز للرؤى التطويرية التي تعنى بالتدريب و اقامة الورش التخصصية في لندن.

مداخل بناء الهوية الوطنية 

بين الاستاذ عمر العبادي ان بناء الهوية الوطنية ينقسم الى قسمين ، حيث اصبح هذا التخصص في السنوات الماضية القليلةعلم مستقل، ان بناء الهوية يبدأ بالبناء وينتهي بالتسويق ،وان دول العالم اليوم باتتتنظر لها كالماركات التجارية. وهنا يجب ان نسأل (ماهي الهوية في البدء؟) ؛ هي مجموعة مفاهيم تترسخ في فكر المتلقي عن الصورة التي تنقلها الفعاليات وماهيات  الشخوص او الدول.

ثم بين الاستاذ العبادي ان الصورة تنقسم الى ثلاث اقسام وهي :

1-الشخصية

2-المؤسسات

3-الدولية

نتائج بناء الهوية الوطنية

ثم تسائل الاستاذ عمر العبادي؛لماذا نعتقد ان تطوير الهوية الوطنية وتسويقها له اهمية كبيرة؟ واجاب ،ان تقديم صورة هوية وطنية ناجحة ،سيقدم صورة مجتمعية متقدمة ونظام اداري - سياسي وتعليمي متقدم ،وكل ذلك سيؤدي الى النتائج التالية:

  1. تطوير مشاريع الاستثمار،وهذا يقوم بشكل رئيس على تسويق صورة هوية وطنية مطمئنة وناجحة للاخر لجذبه للاستثمار في البلد.مثال ذلك،في العراق توجد هيئة للاستثمار ،والصورة الذهنية لدى المستثمر تختلف عن الواقع ،هنالك مشاريع ،هنالك قوانين ،لكن الصورة الذهنية لدى المستثمر لاتتطابق مع الواقع ،لان ما تقدمه هيئة الاستثمار للمستثمرين هو صورة زائفة سرعان ما ستصدمهم الصورة الحقيقية عندما يأتون للعمل في العراق فيصطدمون بالروتين والفساد وفقدان الامن مما يؤدي الى هروب الاستثمار.

  1. جذب الخبرات الدولية ،مثال ذلك دولة الامارات اصبحت معتمدة بشكل اساس على الخبرات الاجنبية وحققت نجاحات بل طفرات في مجال التنمية ،لان الصورة المشرقة للامارات باتت تقدمها على انها مكان جاذب للخبرات واحتضانها والاستفادة من اعمالها في تطوير البلد.

  1.  تطوير التعليم العالي ،وهذه المسألة تقوم بشكل اساس على استقبال الطلبة للدراسة في البلد مقابل ارسال البعثات الدراسية للخارج فيما بات يعرف عالميا بالتبادل الثقافي في مجال التعليم، مثال ذلك بريطانيا وبالرغم من انها من الدول المتقدمة الا انها تسعى باستمرار الى تبادل اخر ماتوصلت لها جامعاتها مع الجامعات ومراكز الابحاث العالمية لتطوير كوادرها وتقديم الافضل لمجتمعها.

  1.  استقبال الايدي العاملة المتخصصة، وهذه من مهمات الدولة واولوياتها ، عبر تسويق صورة عن الهوية الوطنية تكون جاذبة للعمالة عبر استقرار وموازنة سوق العمل وتحديد الخبرات التي نحتاجها للوصول للافضل ،وهذه المسألة مرتبطة بشكل وثيق بالاستقرار الامني والسياسي والاقتصادي في البلد.

المشاكل والتحديات التي تواجه بناء الهوية الوطنية

ثم انتقل الاستاذ عمر العبادي الى المشاكل والتحديات التي تواجهها عملية بناء الهوية الوطنية قائلا؛ ان عملية بناء الهوية الوطنية اجراء معقد جدا ،ويحوي الكثير من المشاكل والعقبات التي تواجهه،وربما يمكننا ايجاز اهم المشاكل التي تواجه بناء الهوية الوطنية كما يلي

  1. في الدول التي فيها اكثر من قطاع او حيز ،وكل قطاع يسعى الى الاستقلال عبر تقديم هويته الخاصة ،هذا الامر قد يؤدي الى التصادم بين الهويات الجزئية ويعرقل بناء الهوية الوطنية الجامعة ،وهذا ما يمكن ان نلاحظه من خلال مراقبة اداء مجالس المحافظات في العراق وعملية تقديم هوياتها المحلية والمناطقية او الدينية او المذهبية او العرقية ، وكذلك تقديم الهوية الصغرى على الهوية الكبرى الوطنية الجامعة وما سببه ويسببه ذلك من صراعات في المستقبل.

  1. بناء هوية وطنية مستقلة قد يعرض البلد الى صراعات اقليمية نتيجة صراع المصالح في الاقليم وانعكاس ذلك على بناء الهوية الوطنية.

  1. المغالاة او الشطط في بناء نموذج وطني قائم على اتحاد فيدرالي او كونفدرالي دون تحديد واضح للسياسات والاطر الادارية قد يصيب الهوية الوطنية بالتشظي او قد يدمرها كليا لصالح الكيانات المكونة للاتحاد،وذلك متأت من تمسك الاقليم المفرط بهويته المحلية وتقديمها على الهوية الوطنية.

  1. بناء الهوية الوطنية المستقلة يدفع باتجاه تقديم صورة واضحة وحقيقية عن طبيعة الاستقلالية التي نعنيها ونود من الاخرين التعامل معنا على اساسها، وهذا الامر يحتاج الى خبرات وطنية تفهم السياسات الدولية بشكل جيد ،والا فسوف يقودنا قصور الفهم الى تصور الاستقلالية بمعنى العزلة والتقوقع ومقاطعة الاخر ،وبذلك نكون قد قدمنا صورة هوية وطنية قوية لكنها معزولة ومكروهة ومنبوذة من الاخر وبالتالي ستكون هوية وطنية فاشلة مثال ذلك كوريا الشمالية بالمقارنة بكوريا الجنوبية والفرق واضح بين تسويق صورة الهويتين الوطنيتين.

  1.  بناء الهوية الوطنية عمل يحتاج الى ادارة مالية ناجحة ، فمن يقدم الاموال المطلوبة لهذه العملية؟  هل هي الدولة المركزية ام الحكومات المحلية؟ عادة ماتتخلى الحكومات المحلية او تنسحب من هذه المسألة لعدم عائديتها او جدواها المباشرة بالنسبة لها ،لذلك يجب على الحكومة المركزية ان تدير الامر وتخصص له مايحتاجه ماليا لانها مهمتها الاساسية.

آليات بناء الهوية الوطنية

ثم انتقل الاستاذ عمر العبادي الى ما يعرف بآليات بناء الهوية معرفا بالقول؛ان بناء الهوية الوطنية الذي هو بالتأكيد عمل مؤسساتي لكنه في نفس الوقت يحتاج الى او يقوم على نشاط الافراد بشكل كبير ،حيث يجب ان تتوفر صورة ذهنية ،انسانية،ثقافية،حضارية،تاريخية واقتصادية لهذه الهوية .وان الهوية الوطنية لاتأتي من العدم ولا تنوجد من الصفر وانما يجب ان تكون لها امتدادات حضارية وثقافية يقوم عليها بناء وتطوير الهوية الوطنية.

كما ان الهوية تعتمد على القيم المجتمعية الجامعة في الوطن ،ويجب العمل على منهجة هذه القيم بالاتجاه الصحيح لخلق الجو المناسب لبناء الهوية الوطنية،حيث ان ارتباط القيم الاجتماعية بالقيم الاقتصادية يجب ان يقوم على قوانين وممارسات اجتماعية واضحة المعالم ، خاضعة للمعايير الدولية والمبادلات التجارية الدولية خصوصا مع المؤسسات الدولية ، وكما اشرنا سابقا ان الدولة يجب ان تكون جاذبة للاستثمارات والخبرات وهذه الامر لايمكن ان يتم بدون تاريخ واضح من الممارسات الاقتصادية المعلنة كجزء من الهوية الوطنية.

كما يجب ان نشير الى الجانب القانوني من اليات بناء الهوية الوطنية ،وهو جزء يقوم على وضوح واستقرار وعدالة المنظومة القانونية في البلد الذي يسعى لبناء هوية وطنية ناجحة،والجزء الاخر المهم من بناء الهوية يقوم على الاهتمام والتطوير في قطاع التعليم وبشكل خاص التعليم العالي ، حيث ان هذا القطاع يشارك في عدة زوايا مهمة في بناء الهوية الوطنية كتطوير الاقتصاد ورفع الناتج المحلي والتطوير الثقافي والتبادل الثقافي مع دول العالم وما يقدمه كل ذلك كسفير للهوية الوطنية، وكل تلك الامور من الاسس التي يقوم عليها بناء هوية وطنية ناجحة.

كما تجدر الاشارة الى ضرورة اهمية تأكيد الدولة على مبادراتها ضمن سياق نشاط الدولة مثل المبادرات الانسانية ضمن الشراكة الدولية وعبر المؤسسات الدولية مثل منظمة غوث اللاجئين واليونسيف واليونسكو وغيرها ،حيث ان هذه الامور تسوق هوية وطنية ناجحة بامتياز،وان العمل على الهوية الوطنية وكما اشرنا في بداية الحديث يقوم على العمل الداخلي بالتوازي مع تسويق هذه الهوية على المستوى الخارجي ،ويجب ان يكون هنالك توازي بين التحركين ولايتم تغليب جانب على اخر في العمل.

ومن الامثلة الواضحة على تطوير وتسويق الهويات الوطنية الناجحة ما نشهده في الدول الآسيوية ،حيث عملت هذه المجتمعات على تطوير نفسها وتسويق هوية وطنية مستقرة ومنفتحة وقابلة للتطور فحققت النجاح بالتعاون مع الاخر المتقدم عليها وبمعونته مع الاحتفاظ بسمات الهويات الوطنية ودون التفريط بها او مسخها.

نحو بناء اقتصاد مجتمعي 

الاقتصاد فعالية اجتماعية تشاركية، وتحقيق الاقتصاد المجتمعي المستقل والعادل لا يقل أهمية عن الأمن والسياسة والدبلوماسية. بناء اقتصاد حر وعادل وتحقيق الاكتفاء الذاتي يبدأ من أصغر خلية في المجتمع وهي الكومينات وبمشاركة فعالة للمرأة كممثلة للاقتصاد المجتمعي، كما أن جميع المؤسسات السياسية والإدارية وكذلك الأمنية مطالبة بالتكاتف والتشارك لتحقيق الاقتصاد المجتمعي وبالتالي الاكتفاء الذاتي.

وقد حمل العام  2014 تجربة أميركية ريادية في مجال الاقتصاد المجتمعي التبادلي. وعلى سبيل المثال نذكر تجربة انتقلت سريعا من الولايات المتحدة إلى عدد من البلدان ، بالرغم من الاعتراضات والعثرات التي واجهتها، وخصوصا من أصحاب المصالح في مجالات مختلفة، وخصوصا خدمة التوصيل "التاكسي"؛ إذ احتج هؤلاء وبشدة على انتشار تبادل الخدمات بين المواطنين بعيدا عن احتكار شركات تسيير سيارات الأجرة (التاكسي) والتي تعتبر في بعض البلدان باهظة التكلفة.

خدمة أوَبر" (Uberهي واحدة من تلك التي اختارها مواطنون لتبادل الخدمات في مجال التوصيل، بتكاليف رمزية وتبادلية أحيانا.عالمياً، باتت ظاهرة "أَوبر" تجد قبولا من خلال الإقدام على عرض الأفراد خدماتهم أو تأجير سياراتهم وما لديهم بدون وسطاء وسماسرة، بحيث يعتبر هؤلاء المواطنون أنفسهم هم اللاعبين التجاريين، وليس الوسطاء والشركات.

الاقتصاد المجتمعي عام 2025

يتوقع الخبراء بأن تصبح ظاهرة الاقتصاد المجتمعي التبادلي ظاهرة عالمية بحلول عام 2025، تستغني عن ما هو متعارف عليه بين الناس في المجتمعات. وتتوقع شركة "بي دبليو سي" للحسابات أن يصل حجم التبادل المجتمعي إلى 340 مليار دولار، بعد 9 سنوات من الآن.تلك التقديرات دفعت خبراء في مجال التبادل الاقتصادي الغربي إلى أخذ الظاهرة على محمل الجد، وذلك بعد أن كان يتعامل البعض معها كنوع من الصرعة العابرة.في عدد من الدول الاسكندنافية، على سبيل المثال، باتت عولمة الخدمة التبادلية تشق طريقها وبقوة. وبحسب أكبر بنوك دول الشمال الأوروبي "نورديا"، فإنه وخلال فترة بسيطة، 6 أشهر منذ انطلاقها، أصبح ما بين 3% و4% من مواطني الدول الاسكندنافية يتعاملون فيما بينهم بدون وسطاء على صعد مختلفة، منها استئجار وتأجير ومشاركة السيارات والسكن والثياب وغيرها من الأمور.

وفي بحث قامت به مسؤولة اقتصاد المستهلكين في المصرف المذكور، آن ليهمان، أشارت فيه إلى أن نسبة المعارضين لهذا النوع من الاقتصاد المجتمعي لا تتعدى 22 بالمئة. وهذا يعني أن 3 من 4 أشخاص يوافقون على انتشار هذا الاقتصاد والمشاركة فيه، وعلى إمكانية الاستفادة المستقبلية منه.ومثل أي شيء جديد لا بد أن يعارضه كثيرون، راح معارضون ألمان يرفعون شكاوى على نظام "أَوبر"، باعتباره يضر بمصالحهم.أحد الخبراء الاقتصاديين، كلاوس سكوتا، عبر في برنامج تلفزيوني متعلق بانتشار هذا النوع من الاقتصاد عن أن "قفزة نشهدها في عملية المنفعة المتبادلة بين المواطنين". واعتبر الخبير في الاقتصاد المجتمعي أن "المسألة مسألة وقت ليس إلا، فنحن أمام انتشار محموم للظاهرة يذكرنا ببدايات مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصا "فيسبوك"، عند اكتشاف الناس له، ففي بداية الألفية لم يكن كثيرون قد فتحوا حسابات، ولننظر الآن أين نحن؟ فما بالك لو كانت المنفعة محسوسة؟".

ومثل أي شيء جديد لا بد أن يعارضه كثيرون، راح معارضون ألمان يرفعون شكاوى على نظام "أَبر"، باعتباره يضر بمصالحهم. تم إيقاف الخدمة في ألمانيا بداية، ثم ومن خلال حكم قضائي في فرانكفورت، في شهر سبتمبر/أيلول الماضي، أعطيت الخدمة حقا قانونيا للعمل، بعد أن خسرت نقابات سائقي الأجرة الدعوى القضائية، بحجة "القيادة الرعناء، والإضرار بالمصالح". عادت خدمة أَبر لتنتشر من جديد في برلين أيضا وبقية المدن الألمانية.

لا تتوقف الخدمة التبادلية عند التوصيل فحسب، بل تمتد إلى كثير من الأمور التي تنتشر بسرعة. فيمكن لعائلة ما تريد زيارة بلد أو مدينة أن تعرض سكنها على عوائل أخرى لتتبادلا الشقة أو المنزل بدون وسطاء. وهذا أمر يوفر على هؤلاء الاستئجار والإقامة في الفنادق.وتنتشر الآن خدمة انستاكارت(Instacart)  في بعض المدن الأوروبية، بعد أن كانت قد بدأت في الولايات المتحدة. وتعتمد على هذه الخدمة على قيام أشخاص في مناطق سكنية معينة بالتسوق لأشخاص آخرين لا يعرفونهم، وتوصيل ما تم حجزه مقابل مبالغ زهيدة يقوم بها الموصل، كعامل حر غير ملتزم بدوام معين. ظاهرة تقلق أيضا شركات محتكرة لهذه الخدمات، بينما يعتبرها بعض الشباب مشاركة اجتماعية تقوي الروابط والخبرة، خصوصا أن الشخص يتسوق كما لو أنه يفعل لنفسه حين يختار المطلوب.

خدمة "غو مور" (GoMore) تنضم أيضا إلى الخدمات الأخرى في سياق الاقتصاد المجتمعي التبادلي، فهي تعتمد على "إعارة مقاعد السيارات" أيضا بلا وسطاء، وقد لا يكون المقابل ماديا دائما، بل يمكن أن يكون خدمة مسجلة لتبديلها بخدمة توصيل مستقبلية. وتشمل أيضا السفر الداخلي بشكل جماعي. وفقط خلال أيام عيد الميلاد كان ألف شخص يستفيدون من هذه الخدمة يوميا في بلد كالدنمارك، التي انضم فيها 200 ألف مواطن إلى هذه الخدمة، هذا عدا عن البلدان الأخرى كالسويد وهولندا وفنلندا التي تنتشر فيها هذه الخدمات.

الخلاصة 

أن حماية المستهلك ودعم المواطن ليس مفهوم مؤطر ينحصر في ضبط الأسعار، بل هو مفهوم واسع يتجاوز الأسعار إلى جودة السلع والخدمات المقدمة فضلاً عن توافر هذه السلع في السوق والقدرة على تلبية الحاجات المحلية، وهذا يتطلب أن تكون سياسات إدارة الأزمة متكاملة فيما بينها ومدروسة بعناية كي لا تتضارب نتائجها، ويكون لها مفعول عكسي على حل الأزمة، والواضح من النقاش وجود توافق على أن هناك حالة من عدم التنسيق فيما بين تلك السياسات، وعدم قدرة بعض السياسات على مواكبة التغيرات السريعة، مما ساهم في تعميق الأزمة وعدم القدرة على الاستجابة معها بالشكل المطلوب.

 

تاريخ العراق .. رحلة في عالم الطوابع

بالتعاون مع منتدى اولاد الطرف استضافت مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 24 آيار 2017 الاستاذ فريدي خلاصجي في أمسية ثقافية تحدث فيها عن الذكرى المئوية لصدور الطوابع في العراق وخفايا اولى اصدارات الطوابع

ولد الاستاذ فريدي خلاصجي في بغداد نهاية الخمسينات لعائلة يهودية،بدأ في سن العاشرة في بغداد بهواية جمع الطوابع كما كان حال الكثير من الاطفال والشباب العراقيين. توقف فريدي عن هذه الهواية بعد هجرته من العراق في عام 1973 وهو في سن السادسة عشر ولكنه عاود الاهتمام بها في سن السابعة والعشرين في لندن واصبح يملك اندر مجموعة طوابع عراقية في العالم.اشترك فريد خلاصجي في معارض عالمية للطوابع كان آخرها معرض الطوابع البريطاني الذي اقيم في لندن في فبراير المنصرم حيث عرض 700 صفحة طوابع صدرأولها في العراق في 1 ايلول 1917 والتي شكلت 15% من مجموعة الطوابع التي عرضت في هذا المعرض.ألّف فريدي خلاصجي كتاب ضخم عن الطوابع باللغة الانكليزية بعنوان (Baghdad in British Occupation …The Story of the 1917 Provisional stamps  ) حيث اقيم حفل توقيع للكتاب عقب الامسية ،كما اقام منتدى اولاد الطرف معرضا للكتب المهتمة بالشأن اليهودي العراقي على هامش الامسية.

وقد كتب الدكتور رشيد الخيون مقالا عن فريدي خلاصجي وطوابعه بعنوان (العراق.. وطابع البريد الباقي) ونشر في جريدة الاتحاد الامارتية وفيه يقول :

كأن فريد داوود خلاصجي، بعد رحيله من بغداد شاباً مع والديه (1974)، ينتظر اللحظة التي لم يبق من عراقه فيها سوى طابع البريد، وها هو يمر قرنٌ من الزمان على غزو بغداد الأول (1917-2017)، ففاجأ خلاصجي ذاكرة العراق بمجموعة طوابع بريدية، هي كل ما تبقى من تراث أهله الذين عاشوا على أرض العراق نحو ألفي وخمسمئة عام، ولم يخرجوا إلا بلفائف هذه الطوابع. جمعها في كتاب «بغداد تحت الاحتلال البريطاني: قصة الطوابع البريدية عام 1917». ذاكرة صرنا نفتش عنها في صفحات المذكرات والقواميس، نتأمل صور الطرقات، الناس، الحوانيت، المكتبات، والمدارس.

فمن المعلوم أن الطوابع التي تحمل شعارات الدول وصور زعمائها وأبرز معالمها، والمسكوكات النقدية، من أهم الوثائق، فمازال دينار ودرهم عبد الملك (ت 86هـ) ومَن جاء من بعده (المقريزي، شذور العقود في ذِكر النقود) وثائقَ تفوق مجلدات من الرّوايات والأخبار، وكل كلمة تحُلل بكتاب، ناهيك عمَّا تركته الحضارات القديمة من أدوات فخار ومعدن.

من هنا تأتي عظمة الفاجعة بنهب الوثائق والآثار، وجريمة الاتجار بها، ولولا غور الآثار القديمة في باطن الأرض، ما ظهر لنا خاتم سومري أو بابلي. فلم يبق ترادف الخراب والحروب أثراً لها ببغداد، وكانت عاصمة لإمبراطورية (145-656هـ)، سوى أحجار وحيطان تكاد لا تُرى. ذاب التاريخ في ماء دجلة، الشاهد الوحيد على جدلية العمران والخراب، والموت الكارثي الذي لا ينقطع عن أهلها.

وقفنا أمام طوابع خلاصجي، في معرضه قبل أيام، لا وقفة هواة جمع الطوابع كغيرنا من الزائرين، إنما وقفة أيتام يبحثون عن إرثهم الضائع، فبلادهم مقبلة على الانتحار، بتقسيم يهددها من الجهات الأربع، وأصحاب الثياب السود، وبقية كائنات الموت، يتربصون ببقية الناس فيها، يوقظونهم من وهم الاعتراض بالتظاهر، وساسة لا تنطبق عليهم أوصاف السياسة. كلٌّ منهم يحمل تحت إبطه ملفاً من الخراب، وللخراب حماته، من خارج الحدود، بمسلحين لا تعرف إلى أي عصر ينتمون، لا على ألسنتهم ولا في أفئدتهم ذرة من هذه البلاد، بعد أن غُسلت أدمغتهم في مدارس التوبة والتوابين وورش الإرهاب.

أريتم جيش دولة تطارده مليشيا خارجة عن القانون؟هذاما حدث في صبيحة السبت الدَّامي(11/2/2017)،أصحاب الثياب السود يأسرون الجنود والضباط، كي ينفردوا بضحاياهم من الشباب. كان الجواهري (ت 1997)، وسامعوه من الثَّائرين (14 فبراير 1948)، وهو متسلق عمود الكهرباء، مارسوا الدلال قياساً بديمقراطية بغداد اليوم، فقد اعترضوا على معاهدة (بورتسموث)، والغالب لم يعرف بنودها، ولما فاجأهم الرصاص قال الجواهري في «أخي جعفر» المقتول فيها: «أتعلمُ أَم أنتَ لا تعلمُ/بأَن جراحات الضَّحايا فمُ/فمٌ ليس كالمدعي قولةً/وليس كآخرَ يسترحمُ/يصيحُ على المُدْقعينَ الجياع/أريقوا دماءَكم تطعموا/ويهْتفُ بالنَّفرِ المُهطعين/أهينوا لِئامكم تُكرموا» (الدِّيوان)، وهل هناك أذلُ منا وألأم من أحزابهم وعمائمهم المطرزة بالسياسة ولا سياسة؟!

أما اليوم فالشّرطة من نوع آخر، ترتعش منها الحكومة نفسها وتنقضُّ على الجيش نفسه، واختلفت المطالب، لا اعتراض على معاهدة، فالبلد مكبل بمعاهدات، إنما شيب وشباب يسألون عن اختفاء ثروة بلادهم الطائلة، بينما لم يصلهم دقيق وسكر الحصة التموينية، يسألون عن الفرهود في الأموال والعقارات، وعن الغنى الفاحش الذي هبط على قادة الأحزاب والجماعات. كشر القتلة عن أنيابهم من قَبل عندما ظن المفجوعون أن التَّظاهر من أوليات الدِّيمقراطية (فبراير 2011).

أصبحت البلاد مكتباً للجيران، ينفذون منها رغباتهم الدينية الثورية بشباب العراق وأمواله، ووزارة خارجيته غدت دائرة تابعة في العلانية، يسمع وزيرها برصاص تظاهرات البلدان الأقاصي، ولا يسمع أزيز رصاص أصحاب الثياب السود، على عراة ساحة التَّحرير، عند مدخل وزارته! فماذا بقي من الدولة، التي يتشاجرون على مفوضية انتخاباتها، ويتسابقون على الفوز عبر الديمقراطية، وهي أقرب إلى الحمل الكاذب!

ليس أمامنا من حقيقة تاريخ هذه البلاد سوى الطوابع، عهد دولة امتد إلى قرن من الزمان، اختُصر في طابع، كانت قيمته عانة أو أربع عانات (العانة أربعة فلوس)، فالثروة مازالت تُحمل إلى الخارج في خدمة شعار: «أتيناكِ يا حلب، أتياناكِ يا صنعاء، أتيناك يا بيروت»، وفي كلِّ مكان يحارب فيه إسلامهم. لم يبق من الأثر السومري والبابلي والآشوري غير ما دون في ديباجة الدّستور رياءً.

رحل أهل الأَديان الأُصلاء تباعاً بعد أن استيقظوا ذات صباح فوجدوا أنفسهم غرباء، وقد سبقهم قوم خلاصجي إلى المهاجر بحافظة طوابع لا غيرها. كم يكون الوهم عميقاً والحلم كاذباً عندما تشعر أن بلادك، التي شرق فيها العالم وغرب، تستحيل إلى مجرد طابع بريد، أو قطعة نقد يغطيها صدأ النِّسيان.

الاهوار العراقية في المطبوعات الغربية .. رؤية غربية، مراجعة عراقية 

صادق الطائي

استضافت  مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 12 يوليو 2017 الباحث العراقي نديم العبدالله في امسية ثقافية تحدث فيها عن الاهوار العراقية في المطبوعات الغربية بمناسبة مرور عام على ادراج الاهوار على قائمة اليونسيكو للتراث العالمي .

الاستاذ نديم العبدالله من مواليد بغداد ,حاصل على بكالوريوس لغه انكليزية من جامعه الموصل عام 1987،وحاصل على شهادتي الدبلوم العالي والماجستير في   التربية والتعليم  من جامعة بلايموث في بريطانيا. له العديد من الدراسات والبحوث والكتب الصادرة باللغة  الانكليزية، مثل كتاب  "دراسات في السياسة  التعليمية " وكتاب "  ببلوغرافيا  الكتب  الانكليزية  الصادره حول العراق وبلاد الرافدين  1800-2000 ". ويشتغل حاليا على مشروع كبير هو  اصدار  ( موسوعه المؤلفين والكتب الصادرة باللغة الانكليزية حول العراق )،وهو مدير مركز الدراسات الانجلو- عراقية بلندن. ،عمل لسنوات طويلة في مجال التعليم واللغات اضافة لنشاطه في مجالات المجتمع المدني  والاعلام والسياسة  حيث ترشح للبرلمان العراقي  في دورته الاخيره لعام 2014.

الاهوار العراقية

تناولت الاستاذ نديم العبدالله الاهوار العراقية موضحا ماذا تعني واين تقع وتفاصيلها البيئية قائلا؛هي مجموعة المسطحات المائية التي تغطي الاراضي المنخفضة الواقعة في جنوبي السهل الرسوبي العراقي، وتكون على شكل مثلث تقع مدن العمارة والناصرية والبصرة على رؤوسه. وتتسع مساحة الاراضي المغطاة بالمياه وقت الفيضان في اواخر الشتاء وخلال الربيع وتتقلص ايام الصيهود. وتتراوح مساحتها 35-40 الف كيلو متر مربع. وتقع منطقة الاهوار بين دائرتي عرض 50 30ْ و50 32ْ شمالاً، وبين الحدود الإيرانية من الشرق، وحافة الهضبة من الغرب.

التقسيم الجغرافي

تقسم جغرافيا إلى مجموعتين:

  • مجموعة الاهوار الواقعة شرقي نهر دجلة واهمها الحويزة وتبلغ مساحتها داخل العراق نحو 2863 كيلومتراً مربعاً.

  • الاهوار الواقعة غربي دجلة واهمها هور الحمار الذي تبلغ مساحته نحو 2441 كيلومتراً مربعاً.

  • اهوار الفرات التي تمتد من الخضر إلى الكفل بين فرعي الفرات (الحلة والهندية). وتتألف من عدد من الاهوار الصغيرة.

 وتبلغ مساحة اجمالي الاهوار، فقد تراوحت تقديراتها بين 9000 و20000 كيلومتراً مربعاً، وتبلغ مساحتها بحسب تقديرات أخرى على اساس وحداتها الادارية الصغرى والبالغة 20 ناحية ضمن المحافظات الثلاث التي تقع فيها منطقة الاهوار وهي محافظات (ميسان – ذي قار- البصرة) التي تعتبر مراكز التوازن المكاني والسكاني فيها.

ويعيش سكان الأهوار في جزر صغيرة طبيعية أو مصنعة في الأهوار، ويستخدمون نوعا من الزوارق يسمى بالمشحوف في تنقلهم وترحالهم.للأهوار تأثير إيجابي على البيئة فهي تعتبر مصدر جيد لتوفير الكثير من المواد الغذائية من الأسماك والطيور والمواد الزراعية التي تعتمد على وفرة وديمومة المياه مثل الرز وقصب السكر.ويعتقد البعض أن المنطقة هي الموقع الذي يُطلق عليه العهد القديم "جنات عدن". وتشير الدراسات والبحوث التاريخية والأثرية إلى أن هذه المنطقة هي المكان الذي ظهرت فيه ملامح السومريين وحضاراتهم وتوضح ذلك الآثار والنقوش السومرية المكتشفة.

أهوار العراق وإدراجها في لائحة التراث العالمي

يعني إدراج أي موقع في اللائحة أنه أصبح ضمن المواقع الفريدة التي يجب الحفاظ عليها وإبعاد خطر اندثارها. ويتوقع من الجهات المسؤولة عن المناطق المدرجة توفير الظروف الملائمة للسياحة العالمية، فالإضافة الى التراث العالمي تشكل حافزا مهما في تشجيع السياح على التوجه إلى تلك المواقع من مختلف أنحاء العالم.وتتولى منظمة اليونسكو مراقبة هذه المواقع وتنظيم زيارات لتقييم أوضاعها، وتصدر تحذيرات للجهات المسؤولة لإبعاد أي مخاطر تهددها. وفي حال عدم حصول تقدم في تصحيح الموقف يُقنع الخبراء، فمن الممكن أن يوضع الموقع في قائمة المواقع المهددة.

وصفت منظمة اليونسكو منطقة الأهوار في العراق، لدى الإعلان عن إدراجها في قائمة التراث العالمي، بأنها "ملاذ تنوع بايولوجي وموقع تاريخي لمدن حضارة ما بين النهرين"، ولا شك أن أي منطقة تتضمن هذين العنصرين: عراقة التاريخ وغنى الطبيعة لا بد أن تكون استثنائية في أهميتها لتوضع ضمن كنوز العالم التي يصبح الحفاظ عليها وإدامتها من الأولويات.ووفق قرار المنظمة، الذي أعلن في مدينة اسطنبول التركية، دخلت إلى لائحة التراث العالمي أربعة أهوار في جنوب العراق هي: الأهوار الوسطى وهور الحمّار الغربي، وهور الحمّار الشرقي وهور الحويزة التي تتوزع بين محافظات ذي قار وميسان والبصرة.وأضيفت للائحة أيضا ثلاثة مواقع لمدن سومرية هي: أور وأريدو قرب مدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار وأوروك (الوركاء حاليا) في محافظة المثنى.

الاهوار في الكتابات الغربية

جذبت الأهوار بطبيعتها الساحرة الرحالة والباحثيين الغربيين، فألفوا كتبا عنها، منها كتاب "قصبة في مهب الريح" لغـافـن ماكسويل، و"العودة إلى الأهوار" لغافن يونج، و"عرب الأهوار" لويلفرد ثيسيجر، ولكن أكثر العلماء اهتماما بالاهوار وحضارتها القديمة هو عالم الآثار والمستكشف النرويجي ثور هايردال صاحب كتاب "حملة دجلة.. في البحث عن البداية" الذي باشر مشروعه في معرفة طرق وصول أبناء حضارة الرافدين القديمة إلى العالم.

الحاج ركان .. عرب الأهوار - فلانين هتشكوك

من المؤلفات التي كتبت على شرف الاهوار وسكانها والبيئة المحيطة بها، هو كتاب "الحاج ريكان .. عرب الاهوار"، الذي انجز عام 1927، من تأليف "فلانين" والمقصود بفلانين هما: السيدة هتشكوك وزوجها الميجر هتشكوك الضابط البريطاني الذي خدم في مدينة العمارة فترة الاحتلال البريطاني للعراق، وفي اغلب الظن ان "فلانين" هو تثنية المفردة العربية "فلان" الشهيرة والمتداولة بين عرب الاهوار.

 

في مطلع الكتاب لا يخفي المؤلفان بأن الفضل في تأليف ذلك الكتاب يعود للخاتونه "جيرترود لوثيان بيل" حيث اقترحت عليهما تلك الفكرة، وكان مقررا ان تكتب مقدمة الكتاب لكن الاجل حان دون ذلك. عن الكتب الاخرى التي تتحدث عن الاهوار فإن المختلف في ذلك الكتاب انه بالإضافة الى الإلتقاطات التي شاهدها ووثقها المؤلف بنفسه، فإنه ايضا وثّق لكثير من تفاصيل حياة الاهوار وسكانها فترة الاحتلال البريطاني، وقبل ذلك في فترة الاحتلال العثماني للعراق، من خلال القصص التي رويت على لسان من عاشوها في مرحلة زمنية يندر بل يكاد ينعدم فيها التدوين عن بيئة الاهوار، خصوصا في القرن التاسع عشر والنصف الاول للقرن العشرين، ويمثل دور القاص والسارد لتلك الوقائع هو "الحاج ريكان" التاجر المتجوّل في تلك المناطق والذي يعرف جغرافيا وبيئة الاهوار بشكل ممتاز.

المصور الأسترالي فرانك هيرلي وصوره في كتالوجات المكتبة الوطنية لأستراليا

فرانك هيرلي (15 أكتوبر 1885 - 16 يناير 1962) مصور ومغامر أسترالي،شارك في عدد من البعثات إلى القارة القطبية الجنوبية وعمل كمصور رسمي مع القوات الاسترالية خلال الحربين العالميتين.أسلوبه الفني أنتج العديد من الصور لا تنسى. كما استخدم مشاهد مسرحية ومركبات وتصوير فوتوغرافي.

صور فرانك هيرلي الحياة اليومية لعرب الأهوار في العراق، وردودهم الإيجابية المحيرة على الوجود البريطاني في العراق عام 1944، عمل هورلي في وزارة الأعلام البريطانية وذهب في رحلة عبر الأهوار في زورق (مشحوف) في نيسان / أبريل 1944. وكان يسعى الى توثسق التغيرات التي سبق وان صورها ويلفريد ثيسيجر لعرب الأهوار منذ عدة سنوات، وقد قدم هيرلي  سجلا مؤثرا لطريقة حياة عرب الاهوار قبل أن تدمر هذه البيئة الفريدة عالميا. ويمكن الاطلاع على نسخ رقمية من الصور واليوميات على الموقع الالكتروني للمكتبة الوطنية الأسترالية (the National Library of Australia ).

ولـفـريـد ثـيـسـجـر بـيـن وعـرب الأهـوار

ولـد ولـفـريـد ثـيـسـجـر(Wilfred Thesiger  ) في أديـس أبـابـا، اثيوبيا سـنـة 1910 مـن أبـويـن بـريـطـانـيـيـن، ودرس في إنـكـلـتـرة، في أحـسـن مـدارسـهـا وجـامـعـاتـهـا : في Eton و Oxford، قـبـل أن يـعـود إلى إثـيـوبـيـا في سـنّ الـرّابـعـة والـعـشـريـن لـلـمـشـاركـة في مـهـمـة اسـتـطـلاع مـجـرى نـهـر أواش. ثـمّ عـيّـن في الإدارة الـبـريـطـانـيـة لـلـسّـودان. وخـلال الـحـرب الـعـالـمـيـة شـارك في مـعـارك اسـتـعـادة الـحـبـشـة مـن الإيـطـالـيـيـن. ثـمّ أرسـل إلى سـوريـا. وخـدم بـعـد ذلـك في قـوة الـطـيـران الـبـريـطـانـيـة في لـيـبـيـا ضـدّ الألـمـان.ودرس ثـيـسـجـر الـلـغـة الـعـربـيـة وكـان يـتـفـاهـم مـع الـنّـاس بـعـدّة لـهـجـات.

وقـد سـافـر ثـيـسـجـر في أفـريـقـيـا والـشّـرقـيـن الأدنى والأوسـط لـمـدة سـنـوات طـويـلـة. وقـام بـيـن 1945 و 1950 بـعـدّة رحـلات إلى جـزيـرة الـعـرب وحـام حـول الـرّبـع الـخـالي. وكـان مـن أوائـل الإنـكـلـيـز الّـذيـن اخـتـرقـوه. وقـد اخـتـرقـه مـرتـيـن عـلى ظـهـور الـجـمـال. وكـتـب عـن ذلـك كـتـابـاً شـديـد الـشّـهـرة أعـيـد طـبـعـه مـرارا فوق الرمال العربية ( Arabian Sand). 

وبـيـن أواخـر عـام 1951 وحـزيـران 1958، أقـام ثـيـسـجـر عـدّة مـرّات ولـمـدة أشـهـر طـويـلـة في أهـوار جـنـوب الـعـراق.وصـل ثـيـسـجـر إلى الأهـوار في أواخـر عـام 1951، وسـقـط حـالاً في دائـرة سـحـرهـا حـتّى أنّـه كـتـب عـن هـذه الـزّيـارة الأولى :"أقـمـت في أهـوار جـنـوب الـعـراق مـن أواخـر عـام 1951 إلى حـزيـران 1958، لـفـتـرات دام بـعـضـهـا أحـيـانـاً سـبـعـة أشـهـر. وكـان عـام 1957 الـعـام الـوحـيـد الّـذي لـم أذهـب إلـيـهـا فـيـه. وكـنـت في إقـامـاتي تـلـك أعـيـش مـع أهـل الأهـوار كـواحـد مـنـهـم."  ثـمّ عـاد ثـيـسـجـر إلى الأهـوار مـراراً لـيـقـيـم فـيـهـا فـتـرات طـويـلـة ،وكـانـت الأهـوار في الـفـتـرة الّـتي زارهـا ثـيـسـجـر واسـعـة الأرجـاء. وقـد وصـفـهـا بـالـتّـفـصـيـل : "تـغـطي الأهـوار حـوالي سـتّـة آلاف مـيـل مـربـع (أي حـوالي 9،656 كـلـم مـربـع) مـن الـمـنـطـقـة الّـتي تـحـيـط بـالـقـرنـة الّـتي يـلـتـقي فـيـهـا دجـلـة والـفـرات شـمـال الـبـصـرة لـيـشـكـلا شـطّ الـعـرب. وهي إمّـا مـسـتـنـقـعـات دائـمـة نـبـاتـهـا الـرّئـيـسي الـقـصـب، أو مـسـتـنـقـعـات فـصـلـيـة يـغـطـيـهـا الأسـل (أسَـل الـمـسـتـنـقـعـات) تـجـفّ في الـخـريـف والـشّـتـاء، وإمّـا مـسـتـنـقـعـات مـؤقـتـة تـمـتـلئ في أوقـات الـفـيـضـانـات وتـغـطـيـهـا بـعـد ذلـك نـبـاتـات الـسُّـعـادي (نـوع مـن الـبـردي (sedge. ويـمـكـن تـقـسـيـمـهـا إلى الأهـوار الـشّـرقـيـة في شـرق دجـلـة، والأهـوار الـوسـطـانـيـة في غـرب دجـلـة وشـمـال الـفـرات، والأهـوار الـجـنـوبـيـة في جـنـوب الـفـرات وغـرب شـطّ الـعـرب. وهـنـاك بـعـض الأهـوار الـدّائـمـة بـيـن الـشّـطـرة ونـهـر الـغـرّاف الّـذي يـنـفـصـل عـن دجـلـة في الـكـوت وتـنـحـدر مـيـاهـه في اتـجـاه جـنـوب الـغـرب نـحـو الـنّـاصـريـة. ونـجـد بـعـض الأهـوار الـفـصـلـيـة في شـمـال شـرق الـعـمـارة".  

ويـذكـر ثـيـسـجـر أنّـه كـان يـعـرف خـاصـة الأهـوار الـوسـطى، ربّـمـا لأنّـه بـدأ بـهـا : "وأنـا أعـتـبـرهـا في الـحـقـيـقـة مـثـل بـلـدي. وخـلال سـنـوات زرت كـلّ مـوقـع فـيـهـا تـقـريـبـاً، وقـد عـدت إلى أغـلـبـهـا حـيـنـاً بـعـد حـيـن. وعـنـدمـا اشـتـريـت مـشـحـوفـاً جـاء سـائـقـو مـشـحـوفي مـن هـنـا. وعـنـدمـا ارتـضـوا أن يـعـمـلـوا عـنـدي رضي عـنّي أبـنـاء عـشـائـرهـم وقـبـلـوني بـيـنـهـم. وقـد صـاحـبـوني طـيـلـة هـذه الـسّـنـوات، وأقـمـت في قـراهـم، وكـنـت أعـود إلـيـهـا بـعـد كـلّ واحـدة مـن جـولاتي. وقـد تـجـوّلـت في الأهـوار الـشّـرقـيـة ولـكـنـني لـم أتـعـرف عـلى أهـلـهـا بـنـفـس الـعـمـق. وقـد بـقـيـت بـيـنـهـم غـريـبـاً وإن كـانـوا يـرحـبـون بي لـلـمـسـاعـدات الـطّـبـيـة الّـتي يـمـكـنـني أن أغـدقـهـا عـلـيـهـم. أمّـا مـعـرفـتي بـالأهـوار الـجـنـوبـيـة فـقـد كـانـت قـلـيـلـة".

وقـد قـضى ثـيـسـجـر كـلّ الـفـتـرات الّـتي أقـام فـيـهـا في الأهـوار في الـتّـجـول عـلى طـرادتـه بـيـن قـراهـا والـتّـعـرف عـلى الـنّـاس، بـسـطـائـهـم وأعـيـانـهـم، ومـصـاحـبـتـهـم في أعـمـالـهـم وفي صـيـدهـم، وتـسـجـيـل مـلاحـظـات والـتـقـاط صـور. وقـد سـهـلـت لـه مـهـمـتـه إمـكـانـيـاتـه الـمـاديـة ومـعـارفـه الـطّـبّـيـة ومـمـارسـاتـه الـبـسـيـطـة لـلـتّـضـمـيـد. وكـان يـجـلـب مـعـه في كـلّ مـرّة أدويـة ضـدّ الأمـراض الـمـتـفـشّـيـة في الأهـوار.وفي عام 1964 نـشـر ثـيـسـجـر في لـنـدن عـن دار نـشـر Longmans, green، كـتـابـه الـشّـديـد الـشّـهـرة والّـذي يـسـرد فـيـه أقـامـاتـه في الأهـوار : "The Marsh Arabs ويـضـمّ الـكـتـاب عـدداً كـبـيـراً مـن الـصّـور الـفـوتـوغـرافـيـة حيث كـان ثـيـسـجـر يلتقط صور فوتوغرافية توثق رحلاته في الأهـوار وعددها بـالـضّـبـط 110 صور اصبحت فيما بعد مرجعا للباحثين في حياة الاهوار. وقـد أعـيـد طـبـع الـكـتـاب مـراراً ومـا زال يـبـاع.

 

غـافـن مـاكـسـويـل "قصبة في مهب الريح" 

وصـل عـالـم الـطّـبـيـعـيـات الإسـكـتـلـنـدي غـافـن مـاكـسـويـل( Gavin Maxwell إلى الـعـراق في 1956 مـع ولـفـريـد ثـيـسـجـر. وقـد كـتـب ثـيـسـجـر بـعـد ذلـك "جـاء غـافـن مـاكـسـويـل مـعي إلى الـعـراق في 1956، وكـان يـريـد أن يـؤلـف كـتـابـاً عـن الأهـوار، فـتـجـولـت بـه فـيـهـا سـبـعـة أسـابـيـع عـلى طـرادتي" ،والـطّرّادة الّـتي يـذكـرهـا ثـيـسـجـر (وهي مـشـحـوف كـبـيـر) كـانـت قـد صـنـعـت لـفـالـح بـن مـجـيـد، شـيـخ ألـبـو مـحـمّـد. وأهـداهـا فـالـح لـثـيـسـجـر بـعـد وصـولـه إلى الأهـوار بـقـلـيـل.وفي 1957 نـشـر مـاكـسـويـل كـتـاب"  People of the Reeds كـمـا نـشـر في 1959 بـالإشـتـراك مـع ثـيـسـجـر كـتـاب بعنوان  قصبة في مهب الريح .. رحلة في الاهوار غير المستكشفة في العراق (A Reed Shaken by the Wind- a journey through the Unexplored Marshlands of Iraq ).

وقد عاد مـاكـسـويـل إلى إسـكـتـلـنـدة عام 1956مـصـطـحـبـاً مـعـه Smooth-Coated Otter أي قُـنـدس أو كـلـب مـاء وقد اطلق عليه تحببا اسم احد اصدقائه من سكان الاهوار اسـمـه مِـجـبِـلMijbil .وقـد أبـقـاه مـعـه في داره وربّـاه مـع كـلـيـب مـاء آخـر. وقـد اكـتـشـف أنّ هـذا الـنّـوع الّـذي يـعـيـش في الأهـوار كـان مـجـهـولاً في كـتـب عـلـم الـحـيـوان. وبـعـد أن نـشـر دراسـة عـنـه أطـلـق عـلى الـحـيـوان اسـم" Maxwell’s Otter وقـد نـشـر مـاكـسـويـل في 1960 كـتـابـاً عـن مـجـبـل والـعـلاقـات الّـتي تـوثّـقـت بـيـنـهـما بعنوان (  Ring of Bright Water)ولاقى هـذا الـكـتـاب نـجـاحـاً كـبـيـراً وأعـيـد طـبـعـه مـراراً. وبـاع مـنـه أكـثـر مـن مـلـيـون نـسـخـة.وفي 1969 أخـرج الـمـخـرج الـبـريـطـاني Jack Couffer هـذه الـقـصّـة في فـيـلـم سـيـنـمـائي لاقى نـجـاحـاً هـو الآخـر. وعـرف مِـجـبـل في الـفـيـلـم بـاسـم (Mij the Otter).

غـافـن يـونـغ "العودة الى الأهـوار"

بـعـد أن أنـهى غـافـن يـونـغ Gavin Young خـدمـتـه الـعـسـكـريـة في فـلـسـطـيـن والأردن، عـاد إلى قـاعـات الـمـحـاضـرات لـيـدرس الـتّـاريـخ الـحـديـث في جـامـعـة أكـسـفـورد. وعـنـدمـا حـصـل عـلى شـهـادتـه الـتـحـق بـشـركـةRalli Brothers لـلـشّـحـن الـبـحـري الـبـريـطـانـيـة الّـتي عـمـل فـيـهـا عـامـيـن. وقـد بـعـثـتـه الـشّـركـة إلى الـبــصـرة.وفي بـدايـة 1952، إلـتـقى غـافـن يـونـغ في الـبـصـرة بـولـفـريـد ثـيـسـجـر الّـذي تـحـدّث لـه عـن الأهـوار، فـذهـب إلـيـهـا يـونـغ مـعـه. ثـمّ رجـع إلـيـهـا عـدّة مـرّات بـعـد ذلـك وأقـام فـيـهـا فـتـرات طـويـلـة، إلى أن تـرك عـمـلـه وتـرك الـعـراق لـيـقـضي عـامـيـن في جـنـوب غـرب جـزيـرة الـعـرب.

وفي 1956، مـرّ بـالـبـصـرة في طـريـقـه مـن الـجـزيـرة الـعـربـيـة عـائـداً إلى إنـكـلـتـرة، وقـضى فـيـهـا عـدّة أسـابـيـع. وبـعـد أن رجـع يـونـغ إلى إنـكـلـتـرة لـيـقـضي فـيـهـا عـطـلـة، إنـدلـعـت حـرب الـسّـويـس، أي الـعـدوان الـثّـلاثي عـلى مـصـر ومـانـتـج عـنـه في بـلـدان الـمـنـطـقـة. ولـم يـسـتـطـع الـعـودة إلى الأهـوار، فـمـارس الـصّـحـافـة وسـافـر وألّـف كـتـبـاً كـثـيـرة.

وبـعـد سـبـع عـشـرة سـنـة، أي في 1973عـاد غـافـن يـونـغ إلى الأهـوار لـيـجـد بـعـض أصـدقـائـه الّـذيـن كـان قـد عـرفـهـم فـيـهـا في الـخـمـسـيـنـات. ثـمّ عـاد إلـيـهـا عـدّة مـرّات يـتـجـوّل فـيـهـا عـلى طـرّادة ويـحـاول أن يـعـيـش مـع نـاسـهـا كـمـا يـعـيـشـون. وقـد حـلّـق فـوق الأهـوار عـلى طـائـرة هـلـيـوكـوبـتـر يـقـودهـا ضـابـط عـراقي يــومـيـن كـامـلـيـن إلـتـقـط فـيـهـمـا عـدداً كـبـيـراً مـن الـصّـور. ولاحـظ كـيـف غـيّـرت "الـحـضـارة الـحـديـثـة" حـيـاة الأهـوار الّـتي أحـبّـهـا في زمـنـه … وكـتـب عـن زيـاراتـه هـذه لـلأهـوار كـتـابـاً نـشـره عـام 1977(Return to Marshes, Life with the Marsh Arabs of Iraq )وصـاحـبه في هذه الرحلة مصور فوتوغرافي محترف هو من التقط صور الكتاب هو( Nik Wheeler).

وفي 1980 نـشـر يـونـغ كـتـاب : « Iraq: Land of Tow Rivers » الّـذي سـرد فـيـه أسـفـاره في الـعـراق، وصـاحـبـه بـصـور فـوتـوغـرافـيـة الـتـقـطـهـا( Nik Wheeler أيـضـاً ،وعـاد غـافـن يـونـغ إلى الأهـوار آخـر مـرّة في 1984، خـلال الـحـرب الـعـراقـيـة الإيـرانـيـة ولـمـس تـغـيـيـرات أخـرى أثـارت حـنـيـنـه إلى الـزّمـن الّـذي كـانـت فـيـه الأهـوار بـيـئـة طـبـيـعـيـة يـتـآلـف فـيـهـا الـنّـاس والـمـاء والـنـبـاتـات والـحـيـوانـات في تـنـاسـق وتـنـاغـم دامـا آلاف الـسّـنـيـن قـبـل أن تـخـربـهـا "الـحـضـارة الـحـديـثـة" بـجـشـعـهـا وحـروبـهـا.ونـشـر غـافـن يـونـغ آخـر كـتـاب تـكـلّـم فـيـه عـن الـعـراق في 1998 : «Eye on the world ». ونـشـر فـيـه كـثـيـراً مـن الـصّـور الّـتي كـان قـد الـتـقـطـهـا. ويـعـتـبـر هـذا الـكـتـاب قـصـة حـيـاتـه يـرويـهـا بـالـصّـور.

ديفيد هاريسون وموسوعته "اللبائن في المنطقة العربية"

ديفيد لاكين هاريسون (1 أكتوبر 1926 - 19 مارس 2015) عالم حيوان بريطاني أسس مع عائلته، متحف هاريسون للحيوانات، والمعروف لاحقا باسم معهد هاريسون،الف ديفيد هارسون معجمه  الجغرافي الذي احتوى أكثر من 1300 منطقة في الجزيرة العربية والعراق وبلاد الشام. وتستند البيانات الإيكولوجية والبيولوجية على الخبرة المباشرة في الميدان، فضلا عن دعمها بالصور الفوتوغرافية. كما إدرج أكثر من 600 مرجع في قائمة المراجع وهناك مسرد مصور للمصطلحات التقنيةمع أكثر من 159 صورة فوتوغرافية و 290 لوحة من الرسومات والخرائط والمخططات، كتاب (اللبائن في المنطقة العربية ) يعطي فهما مفصلا عن 150 نوعا من الثدييات الموجودة في المنطقة، مع أقسام لكل الأنواع تقوم على