نهايةالبراغماتيةالكردية

 

حيـدر سعيـد

 
 
 

مافتئالساسةالكردالعراقيونيذكّرونبأنهماختاروا،غداةإسقاطنظامصدامحسين،الاتحادَ الفيدراليشكلاللعلاقةالتيتربطكردستانبالحكومةالمركزيةفيبغداد،وأنهمعملواعلىتثبيتهذافيالدستورالعراقيالدائملسنة2005،الذيكانواطرفارئيسافيصناعته،وأنهمـيقولونـ لميلجؤواإلىالأسلوبالذيلجأإليهزعماءُجنوبالسودان،حينوضعوا،فياتفاقيةنيفاشاسنة2005التيأنهتالحربالأهليةفيالسودان،مدةزمنيةتجريبية (ستسنوات)،يقرّربعدهاأبناءُجنوبالسودانمصيرَهمومصيرإقليمهمفيماإذاكانواسيبقونوسيبقىجزءًامنالسودانالموحّدأملاوبالفعل،انفصلجنوبالسودانسنة2011،بعدالسنواتالستالتينصّتعليهاالاتفاقية،لتنشأجمهوريةُجنوبالسودان،فيعمليةسلسة،احترمتهاالأطرافجميعا.

اتفاقيةنيفاشاللسلامالدائموالدستورالعراقيالدائموُضعافيالوقتنفسهتقريباولذلك،كانالساسةُالكردالعراقيونيشيرونإليهالإيضاحالأسلوبالمختلفالذياعتمدوه،فهملميعمدواولميقترحواوضعَ مدةتجريبية،كماالسوداناختارالساسةُالكردالاتحادَالفيدرالياختيارادائما،هذامعأنالاستقلالحلمللكرد جميعا،يمتزجبتفاصيلحياتهم،وتكادتجدهفيثقافتهموأغانيهم،فيرقصاتهموملبسهمكلُّماعلىأرضكردستانيحلمبالاستقلال.وهوفكرةراسخةوعريقة،تبدأحتىقبلأنيكونثمةكيانسياسياسمه "العراق"،فحركةُالشيخمحمودالحفيد،الذيقديكونالأبَالفعليلفكرة "الاستقلالفيالتراثالسياسيالكردي،انطلقتسنة1919،قبلقيامالمملكةالعراقيةبسنتينوهذاالتحديدُيعنيأمرًاشديدالأهمية،فيتقديري،وهوأناستقلالكردستانلميكنتمرداعلىالعراق،أومطلباحرّكهالظلمُوالاضطهادوعسفالدولةفيإدارةماسيُعرفمنذتلكاللحظةبـ "المسألةالكردية"،وإنكانكلهذاصحيحاوحقيقيا،فإنماحرّكفكرةَاستقلالكردستانهورغبةهذهالقوميةالصاعدةفيأنتكتسبإطارَهاالسياسيالخاصوقدأنتجتحركةُالكردلاكتسابوتحقيقهذاالإطارالخاص،مابعدرسمالخريطةالسياسيةالحديثةللمنطقةفيالربعالأولمنالقرنالعشرين،تصدعاتٍ دامية،فيكلالبلدانالتييتوزععليهاالكرد.

كانتمسيرةُالكردداميةومؤلمة،بكلتأكيد،لاتقفعندمحمودالحفيدفقط،بلتمربالشيخسعيدبيران،وجمهوريةمهابادوالملامصطفىالبارزاني،وثورةأيلول/ سبتمبر 1961،وَعَبَدالرحمنقاسملووَعَبداللهأوجلان،والأنفالوحلبچة،إلىآخرسجلالعذابالكردي،الذيتورطتسائرُدولالمنطقةفيه.

أصبحتفكرةاستقلالكردستانكالأفكارالمقدسةلدىمعتنقيها،ذلكأنهاغُمّستبالدماء.

 

استكمال مقومات الدولة

ومعذلك،ومعأنالكردعاشواوضعاخاصافيالعراقمنذعام1991،إثرانسحابالسلطةالمركزيةفيبغداد،والحمايةالتيوفّرهاالتحالفُ العسكري الغربيللمناطقالكردية،لميختارواأنيطوّرواهذاالوضعَالخاصإلىدولةمستقلة،أوفيالأقل،وضعبرنامجزمنييفضيإلىالاستقلال،واختارواـفيدستور2005ـ الاتحادالفيدراليالدائم.

هلتنكرالساسةُالكردلفكرةالاستقلال،آنئذ؟

يسيطرشعورعامعلىعربالعراق (وسواهم،بكلتأكيد)،بأنبقاءالكردفيالعراقبقاءموقت،وأنهمسيختارونالاستقلالمتىأتتاللحظةُالمناسبةو"اللحظةالمناسبة"،هنا،تعبيرمكثفعنتقاطعحزمةعوامل،كردية،وداخلية (في العلاقة مع الحكومة المركزية في بغداد)، وإقليمية، ودولية.

ومع ذلك، باشر الساسةُ العرب العراقيون بتصميم نظام "تقاسم السلطة"، مع الكرد، في إطار ما يُعرَف بـ"الديمقراطية التوافقية"، بغض النظر عن تقييمنا لهذا النظام وكفاءته ومدى نجاحه ومدى إيمان الساسة العرب العراقيين بأن "يتقاسموا السلطة"، في ظل ثقافة ومشاعر وتاريخ (وأحيانا إيديولوجيا) بأن هذا البلد عربي، هوية، وسياسة، وروحا، وتوجها، ورموزا، وذاكرة.

ومن ثم، كان الساسةُ العرب العراقيون يمارسون شيئا من الازدواجية: إحساسهم بأن بقاء الكرد بقاء موقت وأن استقلال كردستان قادم لا محالة، والعمل على نظام دائم لتقاسم السلطة.

بالنسبة لي، بوصفي مثقفا عربيا، تحمل هذه الازدواجيةُ (فضلا عن الوعي بها) نزعة عدمية، لا يمكن العمل بها ومعها، فكيف يمكن أن نعكف على تصميم نظام سياسي مستقر، أيّا كان شكله، ونحن نوقن أن حدود البلاد لن تبقى كما هي؟ كيف نصمّم تقاسمَ السلطة مع مجموعة إثنية، ونحن نؤمن بأنها ستنفصل قريبا؟

وبالنسبة لي أيضا، كان التجريبُ (على الطريقة السودانية) أمرًا شديد الأهمية، ولكن، لا أن يجرب الكردُ مدى تكيفهم في اتحاد فيدرالي، بل أن يجرِّب العربُ إمكانيةَ أن يُنشئوا (أو يسهموا في إنشاء) دولة متعددة الهويات والإثنيات، لا أن تطبع هويتُهم روحَ الدولة وذاكرتها، وتعرّف "الآخرين" بوصفهم "أقليات"، ملحقة وثانوية، بل أن تكون جزءا، فاعلا، من نسيج هويات مركّب، تحكمه المواطنة المتكافئة.

هذا التجريب هو وحده الذي كان يمكن أن يستدرك على الإشكالية المؤسِّسة للدولة العراقية الحديثة، وهي أنها دولة متعددة الهويات، وبهوية غالبة متفوقة في الوقت نفسه، وما قاد إليه هذا من معالجات قسرية، ولا سيما فيما يخص المسألة الكردية، وصلت حد الإبادة الجماعية.

في تقديري، هذا هو الرهان الذي كان علينا أن نخوضه. ولا يبدو أننا خضناه، بل أعدنا إنتاجَ نمط الدولة الأمة نفسه، بتراتبياته وتوازنات قواه المعتادة، وكأن الأزمة ليست في النظام، بل في أشخاص وسياسات خاطئة، وكأننا لم نتعلم من تأريخنا الثر بأخطائه/ نا.

وفي كل الأحوال، لم يكن ثمة "طريق ثالث" في هذه الازدواجية العدمية، التي حكمت تفكير الساسة العرب. وتحديدا، كان يمكن أن يكون ثمة طريق ثالث، يتمثل بالتخطيط لمرحلة انتقالية، بما تتضمن من ترتيبات وإجراءات تفضي إلى استقلال كردستان.

أما الكرد فلم يكونوا خارجَ هذه الازدواجية، إلا إن لطريق الثالث"، في الرؤية الكردية، ليس برنامجًا زمنيًا بتوقيتات محددة، تنتهي إلى الاستقلال، بل هو "استكمال مقومات الدولة"، الذي قد لا يتحقق في مدة زمنية قصيرة، ولا يمكن ضبطه بتاريخ محدد، فـ"اللحظة المناسبة" للاستقلال لا تتوقف على الكرد، بل على الخارج وتعقيداته كذلك.

من هنا، لم تكن هذه الازدواجيةُ ذاتَ طبيعة عدمية لدى الكرد، ذلك أنها مرحلة انتقالية، ستعبر بهم إلى الدولة المستقلة، وإن كانت هذه المرحلة الزمنية من دون حدود.

ومن هنا، أيضا، لم يتنكر الكرد لمبدأ الاستقلال، بل إنهم ـ من أجله ـ غضُّوا النظرَ عنه قليلا، ووضعوه جانبا لصالح الاتحاد الفيدرالي في إطار العراق الواحد.

وهذا هو الجانب الأكثر قوة في السياسة البراغماتية التي مارسها الكرد.

 

النزعة البراغماتية للسياسة الكردية

وفي الحقيقة، لا يمكن فهم تعطيل مبدأ الاستقلال (وإن كان تعطيلا موقتا)، لصالح الاتحاد الفيدرالي الدائم، إلا بأنه جزء من النزعة البراغماتية التي طبعت السياسة الكردية ما بعد 2003.

هذه البراغماتية كانت تتجلى بأكثر من مظهر، منها (وأهمها ربما) أن الكرد جعلوا (أو قبلوا بأن يكون) حسم مسألة "المناطق المتنازع عليها" سائبا، على المستوى الزمني، أي من دون حدود زمنية، عمليا. ومع أن الخطاب الكردي الداعي للاستفتاء الآن يستعمل حجةَ عدم تنفيذ الإجراءات والخطوات التي نص عليها دستور 2005 لحسم وضعية "المناطق المتنازع عليها" مبرّرًا لشمول هذه المناطق بالاستفتاء وإجرائه فيها، لم يعمل الساسةُ الكرد ولم يضغطوا ـ في الحقيقة ـ لوضع برنامج زمني واقعي للانتهاء من هذه المسألة. وبالنسبة لهم، كان الانهماك بالترتيبات الداخلية لكردستان أولى من حسم وضعية هذه المناطق، هذا فضلا عن أن الحدود الزمنية المفتوحة لهذا الحسم يحيّد (أو يؤجل) الصراعات التي يمكن أن تنشأ على هذه المناطق وتربك البناءَ الكردي الداخلي.

وبموازاة هذا، كانت هناك سياسة "قوة ناعمة" كردية بطيئة وطويلة النفس، عملت على هذه المناطق، لإقناع أهلها بالنموذج الكردي مقارنة بنموذج بغداد: إدارة كفوءة في كردستان، ودولة فاشلة في بغداد، دولة تحمي الحريات الشخصية والأقليات الدينية في كردستان، ودولة عاجزة عن فعل ذلك في بغداد. ومع أن النموذج الذي تقتبسه كردستان هذا لا يحفل ولا يعير اهتماما بالحريات المدنية والسياسية، وقد تكون بغداد أكثرَ تقدما في هذا المجال، إلا إن هذا النموذج بات رائجا في المشرق، ومغريا للأقليات الدينية والإثنية، حيث تستبدل الدولةُ بالحريات المدنية والسياسية الحرياتِ الشخصية (وكذلك الدينية والثقافية)، وتتعهد بحمايتها. هذا النموذج، الذي يُسوَّقبديلًا لفشل الانتقال الديمقراطي، الذي فرّط بالدولة ولم يُنجز الديمقراطية، تقتبسه كردستان ليكون أحدَ مصادر قوتها الناعمة، على المكونات الدينية والإثنية المنتشرة في المناطق المتنازع عليها.

ومن مظاهر البراغماتية الكردية، كذلك، تحالف الساسة الكرد مع الإسلام السياسي الشيعي، الذي تصدر إلى حكم العراق ما بعد 2003. ومع أن إحدى الحجج التي تُستعمل كرديًا، الآن، لتبرير الاستفتاء هي أن العراق، من حيث هو مشروع دولة ديمقراطية أُطلق في حقبة ما بعد الاستبداد، فشل ولم يتحقق، وتحول ـ على النقيض من ذلك ـ إلى دولة طائفية، فإن قراءة مسار التطورات منذ نيسان/ أبريل2003 تكشف أن المفاصل الأساسية في هذا المسار صنعها تحالفُ أحزاب الإسلام السياسي الشيعي والحزبين الكرديين الرئيسين، وأن الكرد لم يقفوا لردع النزعة التسلطية النامية، التي تبلورت خلال حقبة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، في حين وقفت أطراف شيعية، ومن داخل الإسلام السياسي الشيعي (مقتدى الصدر، مثلا)، في مواجهة هذه التسلطية، منادِيةً بإطلاق مشروع إصلاحي جذري لمسار الدولة العراقية المتعثر. وحتى خلاف الكرد (رئاسة الإقليم والحزب الديمقراطي الكردستاني تحديدا) مع المالكي في سنوات حكمه الأخيرة، لم يكن بسبب الموقف من الديمقراطية، أو علمانية الدولة، أو الحكم الرشيد، أو حال الحريات المدنية، بل بسبب قواعد توزيع الثروة في عراق ما بعد 2003، ومنها قانون النفط والغاز، وقيام إقليم كردستان بالاستثمار في القطاع النفطي وإنتاج النفط وتصديره، وحصة الإقليم من الموازنة العامة، وما إلى ذلك مما يدور في هذه الدائرة.

كانت القوى العلمانية الديمقراطية في العراق تأمل بأن تكون الأحزابُ الكردية حليفًا لها، إلا إنها أيقنت بأن هذه الأحزاب تركز على امتيازات الإقليم وحقوقه أكثر مما تركز على المفاصل الديمقراطية للنظام. طبعا، ينبغي التأكيد، هنا، على أن النظام السياسي لكردستان لا يمكن وصفه بأي حال من الأحوال، بأنه ديمقراطي، فهو يعاني من سائر أمراض الأنظمة السياسية في المشرق: القرابية، تغول السلطة التنفيذية، الريعية، عدم احترام الفصل بين السلطات، النزعة التسلطية، الفساد، . .. كان أملُ الأحزاب العلمانية الديمقراطية هذا ينطلق من كون الأحزاب الكردية أحزابًا علمانية (بما أنها أحزاب قومية، وكسائر الأحزاب القومية في العالم)، يمكن أن تواجه الأحزابَ الدينية الصاعدة في بغداد، ولم يتنبه الأملُ العلماني الديمقراطي على أن الأحزاب الكردية ليست أحزابا ديمقراطية، وإن رفعت شعارَ واسمَ الديمقراطية (كان شعار "الديمقراطية للعراق" من الشعارات الأساسية التي رفعتها حركة التحرير الكردية منذ ثورة أيلول/ سبتمبر 1961)، ومن ثم، فإن "فاقد الشيء لا يعطيه"، على نحو ما يرد في القول المأثور.

يمكننا إيراد الكثير من الأمثلة على فاعلية وحيوية البراغماتية الكردية ما قبل قرار الاستفتاء. أقول: ما قبل قرار الاستفتاء، لأنني أتصور أن القرار بالمضي في الاستفتاء لم يُنهِ فقط تعطيلَ مبدأ الاستقلال، بل أعاد السياسةَ الكردية إلى المبادئ، لا المصالح والممكنات، بغض النظر عن الاعتبارات السياسية المحيطة ومدى إمكانية تحقق هذه المبادئ.

وبكلمة: يضع الساسة الكرد، مع قرارهم المضيَّ بالاستفتاء على استقلال كردستان الآن، حدًّا لنزوعهم وسياستهم البراغماتية.

ولكن، لماذا الآن؟ ما الذي حدث بحيث قرّر الساسةُ الكرد المضيَّ إلى الاستفتاء الآن، أيًّا كان الثمن؟ هل لذلك علاقة بمرحلة ما بعد داعش وقرب تسوية الأزمة السورية، ما أوحى للكرد (ولغيرهم، بكل تأكيد) أن خريطة سياسية جديدة ستُرسَم في المنطقة، أو أنها يمكن أن تتقبل خريطة سياسية جديدة؟

لا أحد يبدو مقتنعا بالحجة التي يستعملها الخطابُ الكردي لتبرير الاستقلال، وهي أن العراق تحوّل إلى دولة طائفية فاشلة، لا فقط لأن هذه الحجة لا تبرّر التاريخ (تاريخ تنظيم الاستفتاء)، أي لماذا تنبه الكرد على فشل الدولة العراقية وطائفيتها في 2017، وليس في 2016، مثلا، أو 2015، أو 2014، أو 2013، ولكن لأن الكرد كانوا أحد عوامل صناعة هذه الدولة الفاشلة، فهم ـ منذ 1991 ـ عاشوا وضعا خاصا منفصلا عن السلطة المركزية في بغداد، ومن ثم، لم يستطيعوا أن يتقبلوا عودة سيادة بغداد على المناطق الكردية. ولذلك، كان النظامُ الذي عملوا على تصميمه في دستور 2005 نظاما يتجاوز الفيدرالية المعيارية (كان يُوصَف في الأدبيات الكردية بأنه "فيدرالية موسّعة")، يميل إلى إعطاء الصلاحيات لسلطات الإقليم، على حساب السلطات الاتحادية. وعلى الأرض، كانت كردستان تعيش في انعزال (إداري) شبه تام عن بغداد، ولم تكن لبغداد أية صلاحيات تُذَكَر في الإقليم، سوى ما يمكن أن يناله الإقليم وأبناؤه من سمات بوصفهم "مواطنين عراقيين"، من نسبة من الموازنة العامة للدولة، أو بعض الأمور التنظيمية التي يضطر فيها الإقليم إلى العودة إلى بغداد، لأن النظام الدولي لم يعترف بعد بكردستان دولة مستقلة، من قبيل العملة وما يستتبعها من سياسة نقدية، وإصدار جوازات السفر والبطاقات الوطنية، وتنظيم حركة الملاحة الجوية، والرموز الدولية في الاتصالات والبريد، وما إلى ذلك.

أنا أتحدث هنا بشيء من العمومية في توصيف الحدود الفعلية للسلطات الاتحادية في النظام الفيدرالي العراقي. وفي كل الأحوال، أرى أن من المهم أن تتصدى دراسة ما لمتابعة تفصيلات النظام الفيدرالي في العراق، على نحو ما مورس (لا كما وُصف وقُنّن في الدستور، لأن الواقع لم يكن تجسيدا أو تنفيذا للتصور الدستوري)، وما هي حدود صلاحيات المركز في الإقليم، إن كانت هناك صلاحيات، ولماذا سُمح بهذه الصلاحيات دون غيرها، ثم كيف تشكل نظام على هذه الشاكلة، وُصف بأنه "نظام فيدرالي".

يلاحظ هشام دَاوُد أن الكرد لم يريدوا من النظام الفيدرالي في العراق تقاسما للسلطة، بقدر ما أرادوا تقاسمَ السيادة، ومن ثم، نشأ نظام هو أعلى من الفيدرالية، ودون الدولة المستقلة. وفي تقديري، أن هذه الأزمة هي التي حملت الكردَ على مشروع توصيف طبيعة الاتحاد مع الحكومة المركزية في بغداد بأنه "اتحاد كونفدرالي"، وليس "فيدراليا"، مع كل ما يحيق بهذا التوصيف من التباسات، ذلك أن الاتحاد الكونفدرالي هو اتحاد بين دول مستقلة ذات سيادة (الاتحاد الأوربي، مثلا)، وليس نظاما للعلاقة بين المركز والإقليم داخل دولة واحدة. نعم، يصف بعض الباحثين درجة استقلالية الوحدات المكوِّنة للنظام الفيدرالي في بعض الدول (بلجيكا، مثلا) بأنها قريبة من نمط العلاقة في الاتحادات الكونفدرالية. ولعل هذا هو ما أراده الكرد حين طرحوا مشروع الكونفدرالية، ولكنني أتصور أن الأمر أبعد من ذلك، فـ "اللاشعور السياسي" الكردي كان يريد للكونفدرالية أن تقنّن تقاسمَ السيادة، أي أن تُفهَم العلاقة بين كردستان والحكومة المركزية في بغداد ـ من ثم ـ بأنها أشبه بالعلاقة بين الدول المستقلة ذات السيادة. وهكذا، لم يكن مشروع الكونفدرالية الكردي ليريد أكثر من تعديل الدستور ليطابق الواقع، في حين كان تعبير "الدولة الكونفدرالية"، الذي استعمله القوميون الفلمنغ في بلجيكا، مثلا، يطمح ـ بالفعل ـ إلى توسيع استقلالية الوحدات الفيدرالية إلى أقصى حد. 

مرة أخرى، يُرجع كثير من الباحثين المختصين بالمسألة الكردية قرارَ الاستفتاء وتوقيته إلى الظروف الإقليمية وما يمكن أن تشهده من تحولات ما بعد داعش، ما جعل الساسة الكرد يدفعون بمشروع الدولة الكردية، لتكون جزءا من الخريطة الجديدة.

ومع ذلك، أرى من الضروري التوقف عند عاملين:

الأول، وهو أمر يُتداوَل كثيرا في الأوساط الداخلية الكردية، تلميحا، وتصريحا بدرجة أقل، وقد سمعته من قياديين وباحثين كرد معروفين، ولن آتي بجديد حين أورده هنا، وهو أن قرار الاستفتاء مرتبط بالأزمة السياسية الداخلية في كردستان، وطبيعة العلاقة بين الأحزاب الرئيسة، التي قادت إلى إيقاف الحياة البرلمانية، وشرعية رئاسة مسعود بارزاني. ومن ثم، تُنهي الدولةُ الكردية إقليمَ كردستان، بأزماته واختناقات شرعية زعاماته، لتشكل بداية جديدة، وإطار شرعية جديدا، هذا فضلا عن الرصيد المضاف للشرعية التاريخية التي تملكها الزعاماتُ الكردية الحالية، حين تكون قائدةَ مشروع الاستقلال.

ولذلك، لا نجاوب الصواب إذا قلنا (وأنا، هنا، أستعير من سياسي كردي بارز): إن تحديد الاستفتاء وتوقيته هو مشروع الحزب الديمقراطي الكردستاني، والبارزاني تحديدا، وهو مرتبط بالأزمة السياسية الداخلية أكثر من أي شيء آخر.

نعم، انخرطت أحزاب وتنظيمات سياسية كردية عدة وكثيرة في المشروع، لأنها ـ في هذه اللحظة التاريخية ـ لا تستطيع أن تقف بوجه هذا الحلم، ولا تستطيع أن تتعفف في التنافس على الشرعية التاريخية التي سيُكسِبها الاستقلالُ للساعين إليه. ولكن هذه الأحزاب، في الوقت نفسه، تعارض محاولةَ الحزب الديمقراطي الكردستاني القبضَ على مقاليد الحياة السياسية الكردية. ومن ثم، هي تؤجل قليلا هذه المعارضة، ولكنها ستطلقها في اليوم التالي للاستقلال، بكل تأكيد. وبكلمة، لا تعني الموافقةُ على الاستقلال الموافقةَ على الزعامة وشكل نظام الحكم ما بعد الاستقلال.

وفي الحقيقة، ليست ثمة وحدة كردية. والانقساماتُ الكردية ليست جديدة وطارئة، بل هي قديمة كذلك، وهي انقسامات ذات طابع جهوي ولغوي، غير أنها ظلت تتحكم بالديناميكيات السياسية الكردية. وحتى عندما نشأت القوميةُ الكردية، أواخرَ القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، فإنها كانت نتاج تكوين سوسيولوجي محدّد، غير أنها حاولت أن تفرض نمطها السياسي وأهدافها على سائر الجغرافية والتكوينات الديموغرافية الكردية، وعملت على إعادة تعريف "الكردية السياسية"، إن صحّ التعبير. في عمل سابق، حاولتُ أن أوضّح كيف استبعد الخطابُ القومي الكردي الكردَ الذين عملوا في إطار الدولة العراقية الناشئة سنة 1921 بوصفه خيارا كرديا، وحصرَ مشروعَ "الكردية السياسية" بالاستقلال، أو الوضع الخاص.

وهكذا، يتأثر الانقسامُ على مشروع الاستفتاء الراهن على الاستقلال بالانقسامات الكردية، التي هي أبعد وأوسع من اللحظة الراهنة.

العامل الآخر هو أن الأزمة الداخلية التي قادت إلى الاستفتاء رافقها (وجعلها ممكنة) تفكير رغبوي كردي بأن الأطراف الإقليمية والدولية ستتقبل، في النهاية، الدولةَ الكردية. 

وتحديدا، هناك قراءة في أوساط الحزب الديمقراطي الكردستاني بأن موقف تركيا سيكون إيجابيًا. وهذه القراءة تستند إلى العلاقة اللافتة التي ربطت أربيل بأنقرة وبحكومة حزب العدالة والتنمية خلال السنوات العشر الماضية1. وأيا كانت الظروف أو الأسباب التي نمت خلالها هذه العلاقةُ (سواء محاولة تركيا جعلَ كردستان العراق منصةَ لنفوذها، أو في سياق مبادرة حكومة العدالة والتنمية بحل المسألة الكردية في تركيا، التي أطلقتها سنة 2009، وتتضمن ـ في جزء منها ـ تقديم نموذج كردستان العراق بديلا لحزب العمال الكردستاني، أو في سياق العداء المتصاعد بين تركيا وحكومة المالكي، أو في البحث عن نافذة استثمارية، بحيث أصبح إقليم كردستان العراق في مرتبة متقدمة في قائمة الوجهات التي تتجه إليها الصادرات التركية، أو ما إلى ذلك من عوامل)، فإن الأتراك، ما قبل الربيع العربي وتورطهم بالأزمة السورية، قد يكونون اقتنعوا (أو كانوا على استعداد لأن يقبلوا) بدولة كردية في شمال العراق2. قد يكون الموقف التركي، آنئذ، كان على هذا النحو، ولكن الأكيد هو أن الكرد فهموه وتعاملوا معه على هذا الأساس.

في ذلك الوقت، وفي ذروة طرح الكرد لمشروع الكونفدرالية، همس في أذني أحد أصدقائي من المثقفين الكرد بأن اتحاد كردستان الكونفدرالي لن يكون ـ بالضرورة ـ مع العراق، بل قد يكون مع تركيا، التي ستكون بوابة كردستان نحو أوربا والغرب.

ومن ثم، كان قرار الاستفتاء يستند إلى عقد كامل من العلاقات الإيجابية، بين أربيل وأنقرة، والإيحاءات (التي قد تكون إيجابية)، التي أرسلتها تركيا إلى كردستان، والفهم (أو سوء الفهم) الكردي لموقف تركيا من مسألة الاستقلال.

وبكل تأكيد، ومع أن الساسة الكرد يدركون أن قرار استقلال كردستان ليس قرارًا كرديًا خالصا، بل هو قرار إقليمي ودولي، لم يكونوا يتوقعون أن يكون ردُّ الفعل الإقليمي والدولي على إعلان الاستفتاء أعلى حدة بكثير مما كانوا يتوقعون، ليس فقط الموقف التركي، الذي قد يكون الساسة الكردُ عدّوه خذلانًا لهم، بل الموقف الإيراني، الذي هدد ـ تقريبا ـ بإعلان الحرب، وبحصار كردستان وقطع المياه عنها.

وحتى الموقف الأمريكي بدا للكرد أعلى حدة، فمع أن السياسة الأمريكية ما بعد 2003 كانت ترفض باستمرار أي إيحاء كردي بالاستقلال، وكانت تكرر أنها تتعامل مع الكرد بوصفهم جزءًا من الدولة العراقية الواحدة، هذا فضلا عن الدعم الأمريكي المستمر للحكومة المركزية في بغداد (وآخرُه دعم حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي)، إلا إن واقع الحال يثبت أن لكردستان حظوة ما في التفكير الأمريكي، لا يدل عليه فقط أن حرب الولايات المتحدة على داعش لم تبدأ إلا حين اقترب التنظيم من أربيل في آب/ أغسطس 2014، بل ـ كذلك ـ لأن الكرد هم الطرف العراقي الوحيد الذي كان على علاقة ود وصداقة دائمين مع الولايات المتحدة.

وأظن أن ما لم يقدّره الكرد أن هذه المواقف، ولا سيما الموقف الأمريكي، لم تكن مناهِضة لأساس أو مبدأ الدولة الكردية، بل خشية من أن إعلان انفصال كردستان عن العراق سيطلق ديناميكية انفصالات (أو رغبات بالانفصال)، لا يمكن ضبطها، في سياق إقليمي ملتهب وعنيف، ولا سيما إن هذه المنطقة تخضع لتأثيرات داخلية كبيرة بينها. ولعل أحد أهم أمثلتها هنا، لا فقط أن شابّا في إحدى مدن جنوب تونس أحرق نفسه محتجا في أواخر 2010، أسهم في سقوط نظم استبداد عتيدة وراسخة، وأطلق ثورات وحركات احتجاج في أقصى بقعة في المشرق، ومنها كردستان، بل المثل الأهم هو أن نموذج الفيدرالية والإقليم ذي الحكم الذاتي، الذي بنته كردستان في إطار العراق، أشعل النموذجَ اللامركزي في سائر المنطقة. وهل يبعد أبناءُ شرق ليبيا، حين دعوا إلى إقليم برقة، أو اليمنيون الذين شرّعوا لنظام فيدرالي ما بعد ثورة 2011، هل يبعدون عن النموذج الملهم الذي أطلقته كردستان العراق؟ فكيف إذا نشأت الدولة الكردية المستقلة.

لذلك، أنا أعتقد، وبخلاف كل ما يقال عن "مؤامرة دولية" لتقسيم المنطقة، أن الموقف الدولي كان ممانعا لأكثر حالات القابلية للاستقلال نضجا، وهي كردستان العراق.

يتضمن الموقف الإقليمي والدولي الرافض للاستفتاء، كذلك، خشية على العراق، الذي لم يخرج بعد من الحرب على داعش، وها هو مهدد بحرب جديدة، عربية كردية، ولا سيما إن الأطراف المتنازعة لم تتفق بعد على حدود كردستان.

وفي تقديري، أن عموم المجتمع العربي في العراق لا يمانع في استقلال كردستان، ولكن، ما هي "كردستان" هنا؟ ما حدود كردستان التي ستنفصل؟ هل ستأخذ معها كركوك وسهل نينوى والمناطق المتنازع عليها، أم ستكتفي بالمحافظات الثلاث؟ ومَن سيقرر مصير كركوك، العقدة الجوهرية في هذه المسألة؟ الكرد لوحدهم؟ وهم ليسوا الأغلبية في المحافظة، بل المجموعة السكانية الكبرى؟ كيف يقبل الكرد، الذين تمتعوا ـ في "قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية" ودستور 2005 ـ بحق النقض، الذي تفيد منه ـ في العادة ـ الأقلياتُ في النظم التوافقية، حتى لا تفرض عليها الأغلبيةُ ما لا تريد، كيف يقبلون بأن يحرموا المجموعات الإثنية في كركوك (التركمان، والعرب، والمسيحيين)، من حق النقض، ليفرضوا عليها ما لا تريد؟ لماذا دافع الكرد عن التوافق لتقرير مصير العراق، ولا يعملون على أن يتحدد مصيرُ كركوك من خلال التوافق، بل تحدده المجموعة السكانية الكبرى، رغما عن الآخرين؟

لقد قادت مغادرةُ الكرد السياسةَ البراغماتية بشكل متعجل والارتجالُ في إدارة ملف الاستفتاء، قادتهم إلى المضي من دون بناء تفاهمات وتوافقات، داخلية وإقليمية ودولية، على كل هذه التفصيلات المعقدة، والتي تقع أبعدَ من مبدأ حق تقرير المصير.

الأسئلة جدية ومعقدة. وقد بدأت لغةُ الحرب تتصاعد في خطابات قوميات كركوك منذ الآن.

الخطابُ السياسي الكردي يبدو أنه سيتمسك بالمبدأ، على الرغم من كل ما يمكن أن يحيق به من أضرار. وليس أمامه، من ثم، وقد وضع جمهوره أمام هذه الأزمة، وباتت مصداقيتُه على محك الشك، إلا استعادة دور الضحية، واستعادة الخطاب عن أن العالم يتوحد ـ مجددا ـ ضد الكرد، ليحرمهم من الدولة، التي لن تتحقق إلا بالدم.

وفي النهاية، يأتي حلم الاستقلال، الذي رافق الكردَ لعقود، بشكل غير الذي توقعوه، ليس فقط في الإدارة الارتجالية والمضطربة لملف الاستفتاء، بل في إحساس شريحة كبيرة من الكرد بأن هذا الملف حرّكته مصالحُ حزبية، ببراهين ضعيفة، وفي غياب إجماع كردي. وبالأحرى، وُضع المبدأ الصحيح، بالطريقة الخطأ، وفي التوقيت الخطأ.

ولذلك، لم يكن غريبا أن تطلق جماعات سياسية ومدنية كردية وازنة حملة معارِضة لتنظيم الاستفتاء على الاستقلال، الحلم الذي رافق كل كردي، هذا فضلا عن المخاوف الجدية من أن يكون ثمة عزوف عن المشاركة في الاستفتاء، ما يقدح بشرعية النتيجة، كيفما كانت.

يحدثني كثير من أصدقائي الكرد عن تخوفاتهم من اليوم التالي للاستقلال، حيث كل شيء متوقع، الحرب، والحصار، والنزاع الأهلي. والأكثر قسوة هنا هو إحساس هذه الشريحة بأن الساسة الكرد يغامرون بالشعب الكردي.

السياسة الكردية، إذن، غادرت براغماتيتها، التي طبعتها لعقود، ومعها ستغادر أشياء كثيرة.

وبالتأكيد، لن تكون نهاية البراغماتية الكردية نهاية واحدة، فريدة، بل حزمة نهايات.

 
 
 

أضف تعليق


كود امني
تحديث