استضافت مؤسسة الحوار الانساني بلندن يوم الاربعاء 11 تشرين اول/اكتوبر 2017 الدكتور عادل الموسوي في امسية ثقافية للحديث عن الجوانب النفسية للترابط في المجتمع والارتباط بالوطن حيث تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في وقتنا هذا الذي نرى فيه محاولات دائبة لتفتيت الاوطان والمجتمعات. الدكتور عادل الموسوي استشاري في الطب النفسي واكاديمي يعمل في مستشفيات لندن منذ سنوات. عمل أستاذا زائرا في جامعة هارتفورد شاير وايضاّ كاستشاري في الطب النفسي في مستشفى نورثويك بارك التعليمي في لندن. وهو رئيس عيادة امراض الذاكرة في مدينة هارو وكذلك يرأس فريق الصحة النفسية في جنوب المدينة. له بحوث منشورة في الطب النفسي في المجلات  المتخصصة وكذلك مساهمات في المؤتمرات العلمية.

حاول البروفيسور عادل الموسوي في هذه المحاضرة تسليط الضوء على قضية هامة قد تبدو كما قال في بداية حديثه وكأنها قضية إجتماعية في حين أنَّها تتَّصل بشكل وثيق بقضايا النفس. فأوضح كيف أنَّ العنوان الذي تم إختياره للمحاضرة يثير في النفس عادة معاني الوطنية والحنين الى الوطن والعلاقة بالمجتمع. وهو ما يدعو في رأيه الى محاولة تناول الموضوع بقليل من التفصيل فيما يتعلق بالإنتماء الى المجتمع وقضية الهوية الإجتماعية.

وبدأ بمحاولة استعراض الحاجات النفسية التي تقوم عليها قضية الترابط الإجتماعي وقال بأنَّ الدراسات تُشير الى وجود تسع حاجات نفسية رئيسية يحتاجها الانسان في حياته بالعادة وقال: في تصوري فإنَّ هناك سبعة أمور نفسية تعمل كمحددات لقضية الترابط الإجتماعي وهي التالية:

قضية الحاجة الى الانتماء الى مجتمع.

تحديد هوية اجتماعية. وهو ذلك الجانب النفسي المتعلق بالإنتماء.

النشأة الإجتماعية والتعوُّد.

التعاطف والتفهم النفسي، وهما الأمران الأهم بين جميع هذه العوامل. لذا لا بدَّ               من محاولة تسليط ضوء أكثر عليه والبدء به قبل غيره.

القيم الانسانية الأخلاقية من الناحية النفسية.

الوازع الديني، سيما في منطقتنا الاسلامية.

العامل الآخر هو ما حبَّذ البروفيسور الموسوي ان يطلق عليه عامل خلق التوازن بين الضعفاء والأقوياء.

بعد ذلك بدأ الدكتور بالحديث عن مسألة التعاطف والتفهم النفسي (Empathy)وأوضح أنَّه أمر مختلف عن العطف والشفقة، إذ في قضية التعاطف النفسي يحاول الانسان أن يضع نفسه في موقع الآخر ليتمكن من الشعور بأحاسيسه وتلمّس طريقته في التفكير ومواجهة الواقع في مثل الظروف التي يكون فيها.

وأضاف: بأنَّ انعدام هذا النوع من المشاعر الإنسانية لدى البعض - وهي حالة موجودة ولكن بنسبة ضئيلة - يعكس أولاً حالة من التدهور في الصحة النفسية لأولئك الأفراد الذين قد يكون لهم شأن في مجتمعاتنا.

ثم تعرض الى أنواع التعاطف النفسي وقال بأنَّ هناك خمسة أنواع منه، الأولان هما الأساسيان والبقية كأنَّها فروع ثانوية تتفرع منها وهي:

التعاطف النفسي الوجداني. وهو يعكس حالة من الشعور بما يعاني منه الآخر سواء كان ألماً نفسيا أو معاناة أو ما شابه ذلك.

التفهم النفسي (Intellectual empathy)، وفيه يتفهم الإنسان ما يعاني منه الآخر ولكن بدون التفاعل النفسي العاطفي.

الثالث، وهو نوع أقرب إلى التعاطف العضوي والذي يطلق عليه العملاء المختصون (عدوى الألم) (Pain contagion) وفيه ينتقل الألم بما يُشبه العدوى. فمثلا لو وضع زوجين تحت اختبار وربطت مجسات بجسم الزوج ثم جرى تقريب إبره بالقرب من يد زوجته سيشعر هو بالوخز حتى قبل أن يتم وخزها هي.

الرابع، هو ما يُطلق عليه (تعاطف الرحمة) (Compassion) وهي مجموعة من الصفات التي تتجلى لدى بعض الناس الطيبين الرحيمين غير القادرين على القسوة أو الإعتداء وإلحاق الأذى بالآخر. فهؤلاء الناس يتعاطفون أيضاً مع مشاعر الرحمة وبما قد يصل الى حد البكاء أو فيض الاعين من الدمع كما يصفه القرآن الكريم في الآية (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83المائدة5)).

وقال البروفيسور الموسوي بأنَّه يعتقد بأنَّ هذا النوع من التعاطف قد دخل الثقافة العربية بعد نزول القرآن، فما ينقله التاريخ قد يوحي بأنَّ العرب كانوا يعتبرون الدمع نوعا من الضعف وربما الجبن.

ولفت هنا الى الموروث في الثقافة الإجتماعية من الخلط بين مفهومي الشجاعة والقسوة واعتبار الأخيرة نوعا من الشجاعة، والحال أنَّ هناك فرقاً جوهريَّاً بينهما.

النوع الخامس من أنواع التعاطف هو التمثيل أو تقمص الأدوار، وهي موهبة نفسية قد لا يتمكن منها الإنسان العادي. فهي قد تكون متعبة إذا ما حاول الإنسان غير الموهوب القيام بها تكلفاً. ولكنَّ الممثلين المقتدرين وأولئك الثُلة التي تفوز بجوائز الاوسكار عادةً يوحي لك تصرفهم في تقمص الادوار وكأنَّهم يعانون حقاً وانَّهم لا يمثلون أدوار المعاناة وإنّضما يعيشونها.

والممثل الناجح هو ذلك القادر على أن يعيش الدور ويتلبسه موظِفاً ما لديه من الخزين الفطري الخاص به من التفهُّم والتعاطف.

والبعض قد يصف قدرات بعض الممثلين في هذا الميدان على أنَّها قدرات في مجال التنويم المغناطيسي والتي قد يلمسها الداخل الى دار العرض السينمائي حينما يرى الناس وهي مندمجة بشكل كبير مع المعروض عليهم نتيجة قدرات بعض الممثلين على التقمص ولبس الادوار بشكل عميق.

ولذلك كان للمسرح وللتمثيل والشعر وسرد الحكايات أدوار كبيرة في حياة المجتمعات منذ القدم، واليوم صار الإعلام الممنهج، يعتمد بقسط وافرٍ منه على هذا النوع من التعاطف.

وتاتي عملية صياغة الأخبار في وسائل الإعلام ضمن هذا السياق، فقد تصف وسيلة الإعلام وفاة البعض مقتولين بأنَّهم فقدوا حياتهم أو يذكرهم كرقم مجردٍ من الضحايا اذا كان يهدف الى التخفيف من شدَّة وقع الأمر على المتلقين، بينما اذا اراد إستثارة تعاطفهم فإنَّه يُشير الى موتهم قتلا بطريقة ما، أو يدخل في تفاصيل شخصيات المتعرضين للحادث بأن يلتقي ذويهم أو يعرض عوائلهم وأطفالهم ليزيد من توظيف القدرة البشرية لدى المتلقي على التقمص والتفاعل والتعاطف.

وهذا ما يدفع الى القول بأنَّ على العاملين في ميدان الإعلام أن يكونوا متمكنين من هذا الجانب لما في الاعلام من الحاجة الى التضليل أحياناً.

وعلى هذا الاساس تجد أن هناك نخبة من المتخصصين النفسيين يعملون في بعض وسائل الإعلام الكبرى لبناء الخبر بطريقة معينة تحقق أهداف وسيلة الإعلام ومن يقف ورائها. والبحوث المنشورة حول هذا المجال مذهلة.

وتابع البروفيسور الموسوي الحديث حول هذا الموضوع المتعلق بحياة الناس بشكل جوهري فقال بأنَّ الدراسات والبحوث في مجال التعاطف وأنواعه بدأت منذ سنين قليلة ولكنَّها تطورت بسرعة فائقة وتسارعت بشكل واضح، بحيث أصبح العلماء الآن قادرين على تحديد المناطق أو الشبكات الدماغية العاملة في تكوين هذا التعاطف النفسي.

بعد ذلك طرح البروفيسور الموسوي سؤالاً فقال:

هل يمكن أن يحصل نوع من الإنسداد في التعاطف النفسي لدى الناس؟

وفي معرض الإجابة على هذا السؤال قال: لو بدأنا بالقضايا البيولوجية سنقول نعم يحصل ذلك، فبعض الناس يأتون الى الدنيا هكذا كما في إضطراب التوحُّد التطوري، فالمصابين يعانون من ضعف في قضية التفهم النفسي.

فالطفل المصاب يبدأ شبه طبيعي خلال السنتين الأولى من حياته ثم تبدأ علامات الإنحدار باللغة تظهر عليه، سيما اللغة الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي. والدراسات أظهرت بأنَّ لدى الطفل المصاب بهذا النوع من الإعاقة نقص في طرف معين من التعاطف أو التفهم النفسي.

النوع الآخر من الإصابات هم بعض الناس الموصوفين بالشخصيات المعتلَّة أو الشخصيات (ضد الاجتماعيَّة/ الضد مجتمعيَّة) (Antisocial/Dissocial ) وهذا النوع من الشخصيات تعاني من النقص الشديد في التعاطف النفسي الوجداني الذي أُشير اليه سابقاً مع قدرتهم على التفهّم النفسي، فهم يفهمون المعاناة والألم ويفهمون عدم صحة القسوة على طفل أمام والديه مثلاً ولكنَّ الواحد منهم يكون مستعدا للقيام بذلك من أجل الابتزاز او انتزاع اعتراف او ما شابه.

أو قد يصل الأمر الى حالة انعدام هذا التعاطف بالمرَّة وهو ما يبدو لدى تلك الفئات المصابة بعطب كبير والتي تُدعى بالشخصيات العدائية وهم الشخصيات المصابة بإضطراب الشخصيَّة العدائي:

(Psychopathic personality disorder )

ومن هذه الفئة يكون المجرمون والقتلة، بل ومنهم - وعلى غير ما يتوقع الكثيرون - القادة والسياسيون ورجال الأعمال الناجحون، إذ في العادة يكون القادة في المجتمعات من بين تلك الفئة الا ما ندر.

ثُمَّ عرَّج البروفيسور الموسوي على ذكر أمثلة تطبيقية فاشار إلى أحد مرضاه من الناجحين في حياتهم المهنيَّة بل والمهمين في مجال عملهم والذي كان أهله يشكون من عدم مراعاته لوضع ابنته المصابة بالكآبة..

وحينما سُئل عن ذلك وابتدأ الحديث عن جوانب القضية من وجهة نظره أعرب عن إستغرابه من بعض ما يسمعه من الآخرين وقال بأنَّه لا يشعر بما يصفونه أمامه مما يسمونه (دفء العائلة) او (الشعور بالتعاطف مع الاولاد) وامثال ذلك، إذ نفى أن يكون شعر بإيٍّ من ذلك مطلقاً، وأكَّد بأنَّه يشعر بالإختلاف عن الباقين.

وأوضح الأستاذ عادل، بأنَّ هذا النوع من الإصابة لو تمَّ قياس درجته بالوسائل العلمية فسيشير الى إصابة عالية للغاية بما اطلقنا عليه سابقاً  (إضطراب الشخصيَّة العدائي) (Psychopathic personality disorder )

فهو يفهم المشاعر وما تعنيه ولكنَّه لا يشعر بها في نفسه، وهو قد يُشعركَ بأنَّه إنساني الى أبعد الحدود ووطنيٌّ ومتعاطفٌ مع الفقراء بدرجةٍ كبيرة دون أن يكون لايٍّ من ذلك وجود حقيقي في داخله.

وهذا النوع يكون خطراً للغاية لقدرته على التأثير بالآخرين وتحريك مشاعرهم دون أن يتأثر هو بذلك.

والملفت بأنَّ من هؤلاء فئة قادرة على القيام باعمال توصف بأنَّها لا إنسانية ولكن المجتمع بحاجة لهم أو لهذا النوع من الأعمال، لذا فهم غالباً ما يوصفون بانَّهم الشجعان البسلاء وأصحاب الشهامة بينما هم يفتقدون الى الإنسانية، فمن يقتل إنساناً آخراً بدمٍ بارد لا شك أنَّه يعاني من نقص في إنسانيته.

ورغم حاجة المجتمع أحياناً لبعض من هذه الانواع ولكن ينبغي أن يقوم الأمر على متابعة وتوجيه وتربية لهم بالإستفادة من عامل الإنتماء الإجتماعي أو الهوية الإجتماعيّة التي يمكن أن تكون غير مستندة لدى أمثال هؤلاء على التعاطف وانما على جوانب نفسيَّة أخرى.

عليه يمكن تدريب وتوجيه هؤلاء لأن يكونوا عناصر نافعة للمجتمع كالجندي المخلص او القائد المحنَّك أو ما شابه ذلك، ولكن الخطر يبقى قائما في إمكانية تحوّل هؤلاء الى قتلة ساديين، واذكركم هنا بمجزرة سبايكر مثلا وهي مما لا انصح احدا في مشاهدة المشاهد المسربة عنها.

أو بقضية أجهزة كشف المتفجرات التي استخدمت لفترات طويلة في العراق واكتُشف لاحقا بأنها لا تعمل بالمطلق، فرغم أنَّ الحكومة البريطانية القت القبض على صاحب الشركة التي باعت تلك الاجهزة للعراق وحاكمته وحكمت عليه بعشر سنوات سجن، إلا أنَّ الإجهزة ظلت سنوات بعد ذلك موجودة في نقاط التفتيش.

وهنا يتساءل المرء لو أنَّ التفجيرات التي كانت تحصد أرواح الآلاف نالت من عوائل المتورطين في تلك الصفقة ما كان سيكون شعورهم؟.

ثم قارن الأستاذ الموسوي بين ما يمكن أن يؤدي اليه التقمُّص الضيق الموجود لدى هؤلاء النفر نتيجة امكانية وجود حالة التعاطف الضيق المختص بالعائلة او الاولاد او المقربين وبين المصابين بالتوحّد الذين لا يمتلكون التفهّم النفسي او انَّه موجود لديهم ضعيفا للغاية بينما هم يمتلكون التعاطف.

وهذه القضية تكون ظاهرة بجلاء لدى الاطفال المصابين بالتوحد، فالطفل المصاب بالتوحد والذي يتعرض بالعادة الى تنمُّر الاطفال الآخرين عليه، حينما يُسأل لماذا لا يرد أو يُدافع عن نفسه، فإنَّه يقول ببراءة: لا استطيع فربما يؤدي ذلك الى تعريض الاطفال الآخرين للأذى.

واوضح أنَّ هذا الامر قد اكتُشِفَ حديثاً من قبل علماء النفس والباحثين في هذا المجال فقد ثبت بأن الاطفال المصابين بالتوحد لا يفتقدون جانب التعاطف النفسي الوجداني مع الآخرين، ولكنَّهم يفتقرون الى التفهّم النفسي وهو ما يمكن تسميته بـ (التعاطف النفسي العقلي- Intellectual empathy).

واضاف: قد يحصل نوع من التشابك بين حالتي الاصابة بالإعتلال من جهة والتوحُّد من جهة ثانية، وهو امرٌ اكتُشف مؤخرا أيضا وتمَّ تصنيفه على انَّه عارض وراثي أطلق عليه (Alexithymia) وهو ما يمكن أن نسميه بالعربية (جمود المشاعر) أو (العجز عن وصف المشاعر) وفي مثل هذه الحالة فإنَّ الانسان لا يقدر على التعاطف.

وحاول البروفيسور الموسوي استعراض بعض الأمثلة لفهم كيف تؤدي الإصابات المشار اليها إلى اضعاف الترابط الإجتماعي.

وبدأ بمثال من العاملين في مجال الرعاية الصحيَّة لأهميتها، كالاطباء مثلاً وذكر تجربة إحدى الصحفيات التي عاشت فترات متفاوتة في كردستان وسائر محافظات العراق والتقت بكثير من الاطباء المشاركين في بعض المؤتمرات والورشات الطبية في مختلف البلدان.

وتعرضت في تقريرها الى الكثير من الظواهر السلبية في ممارسات الاطباء العراقيين.

واشار الى أحدى الظواهر التي تحدث بكثيرة في العراق وهي قيام الاطباء سيَّما  الإختصاصيين بإدخال أكثر من مريض للمعاينة في المرَّة الواحدة وهذا يحدث حتى بالنسبة لأمراض المسالك البولية او الامراض النسائية.

وقال بأنَّه تعرض لذكر هذا الموضوع أمام عدد من الاطباء العراقيين الذين ردوا عليه بالقول بأنَّه عاطفي أو أنَّه يحاول التفلسف في هذا الأمر، وهو ما يعني - برأيه - القول: انَّك ساذج وغير دقيق.

والحال ان القضية تبقى مستهجنة وغير صحيحة باعتبار أنَّ المريض يعرض أمورا غاية في الخصوصية امام الطبيب.

وربما لا يقبل أي طبيب من هؤلاء بان يتم التعامل مع ذويه او اهل بيته بنفس هذه الطريقة من قبل طبيب آخر.

هذه الممارسة تتوقف حينما تدخل العلاقات الاجتماعية في البين، وبمجرد ان يعرف الطبيب الشخص القادم مرافقا للمريض على أنَّه طبيب مثله مثلاً فإنَّه يمنع من دخول آخرين.

فما هو السبب في هذه الممارسة ياترى؟

ذكر الاستاذ عادل الموسوي إحتمالين:

الاول: ان يكون الاطباء يعانون من نقص نفسيٍّ معين، وهم ربما يفسرون الأمر على انَّه نتيجة طبيعية لقلة عدد الأطباء مع ضغط المراجعين الشديد، ولكنَّ الامر في الحقيقة ينجم عن حالة من التعود نتيجة تكرار الأمر حتى يُصبح امرا عاديا.

وقال إنَّ سؤال السمكة عن الماء قد يلقى جواباً ملؤه التعجب والإستغراب لأن السمكة منذ ان فتحت عينيها وهي تعيش في هذا المحيط المائي فهو لا يلفت نظرها بالمرَّة.

واضاف: في الحقيقة إنَّ هذا التعوَّد على الافق المحيطي هو الذي يجعل المجددين والمصلحين والانبياء موضعا للسخرية والإتهام بالسحر، كونهم يقدمون رؤية جديدة مختلفة عما هو سائد في المجتمع من مألوفات وأعراف.

الثاني: هو عدم إهتمام أو قلَّة تدريب.

واشار الى البرامج التي يتم تطبيقها على الاطباء في بريطانيا وسائر الدول المتقدمة مثل كندا التي عمل فيها البروفيسور عادل استاذا في احدى الجامعات، وفي امريكا والمانيا.

فبرامج التدريب على عملية (التفكُّر النفسي) تبدأ مع طالب كلية الطب من الصف الاول أو الثاني وتستمر معه لحين تخرجه وعمله كمتدرب.

فالهيئات المختصَّة تحاول تدريب الطبيب على عملية التقمص والتعاطف النفسي، في مسعى لتثبيت وتعزيز هذا الجانب لديه. بل حتى لدى الكوادر المختلفة التي تعمل في المجال الصحي.

وهذا النوع من التدريب يعتبر من الانواع الإلزاميَّة المفروضة على الطبيب أو ما يسمى (Mandatory training).

وهذا ما يؤكد بأنَّ هذا الامر يمكن تطويره في النفس الإنسانية إن كان في مستويات متدنيَّة.

فالغالبية تمتلك هذا التعاطف بشكل طبيعي رغم انَّ البعض - وهم قلَّة - لا يمتلكونه مطلقاً.

في جانبٍ آخر من الموضوع، أشار البروفيسور الموسوي إلى أنَّ هذا التعاطف ومثل ما يمكن تنميته وتطويره فإنَّ من الممكن كبحه وتقليصه وتعريضه للإنسداد نتيجة بعض التأثيرات الإجتماعية والمحيطية سيَّما عملية التعود الناتجة عن التكرار.

فالأطباء في العراق وربما في أماكن أخرى يقعون في سقطات تعتبر كارثية في بعض الأحيان، من قبيل التفكُّه أو تناول معلومات وشؤون المرضى أمام الآخرين أو في وسائل التواصل الاجتماعي.. والأمر قد يمتد الى ذكر تصرفات وسلوكات ذوي الاحتياجات الخاصة والمعاقين والمتخلفين عقلياً او المصابين بامراض نفسية.

وهذا نوع من التخلف الحضاري والخُلُقي، ولو أنَّنا نظرنا في القرآن الكريم ترى أنَّه يُشير الى تكريم ذوي الاحتياجات الخاصة وحث المجتمع على تقديمهم ورفع الحرج عنهم كما في قوله (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61النور24)).

والحال ان مجتمعاتنا في الواقع الحالي قد تعاير المعاق او المريض بعاهته او عوقهِ وهو أمرٌ يؤدي بالانسان الى السجن لو أنَّه فعله في المجتمعات المتحضرة المتقدمة بتكرار واصرار مثلاً.

فالمجتمع في الغرب لديه معايير ومقاييس تحول دون ذلك وتعتبر هذا التصرف نوعا من اللا إنسانية واللا أخلاقية، فترفضهُ وتضع القوانين الخاصة والصارمة لحماية تلك الفئة من المجتمع.

فالنظرة الانسانية الى ذوي الاحتياجات الخاصة تبقى لازمة وضرورية لوضعهم في مرتبة واحدة مع سائر البشر فهم بالنتيجة اناس لهم حقوقهم في الحياة وينبغي حمايتهم.

وختم الموضوع بالقول: بأنَّ هذه الممارسات تبيِّن كيف يحصل الإنسداد في قضية التفهُّم والتعاطف النفسي لدى الناس وهو ما يستشعره ذوي وأهالي المعاقين وذوي الإحتياجات الخاصة فهم أقدر الناس على رؤية الممارسات اللاحضارية واللا إنسانية التي يتعرض لها أفراد منهم من ذوي الاحتياجات الخاصة.

ولاكمال الفكرة ورؤية القدر الكبير الذي تمثله شريحة المصابين أو المرضى الذين قد يواجهون من قبل البعض بالاستهزاء والتفكُّه وما شابه ذلك، أورد الدكتور عادل إحصائيات رسمية عن نسبة عدد المصابين بأمراض نفسية الى إجمالي عدد السكان، فطرح اولا السؤال الذي قال انه يطرحه على الطلاب او اعضاء الكوادر الصحية المتدربين لديه وهو:

ما هي نسبة المصابين بالامراض النفسية في تصوركم؟ وهل تعتقدون انَّها أقل أو أكثر من نسبة المصابين بمرض البول السكري الذي يمثل نسبة قد تصل الى 15% ؟ او: هل تعتقدون بأنَّ الامراض النفسية اكثر نسبيا او أمراض الربو؟

وقال ان الاغلبية تجيب على هذا السؤال بالقول: بأنَّ الامراض النفسية هي الاقل في مختلف تلك الحالات.

والحال أنَّ الأمراض النفسية هي الأكثر! فهي تمثّل نسبة الخُمس أو الربع من السكان في أغلب المجتمعات! بل أن دراسات امريكية ونيوزلندية حديثه تشير الى أنَّ النسبة هي اعلى حتى من نسبة الربع.

واعرب الموسوي عن اعتقاده بأنَّ المرجَّح ان تكون النسبة اعلى في مجتمعاتنا، ولكن عدم وجود دراسات واحصائيات علمية تجعلنا لا ندري عن النسبة الحقيقية لهذه الاصابات.

في العموم فإنَّ عدم التفهم والسخرية والتفكُّه حول ذوي الإحتياجات الخاصة تدلل على:

قلَّة أو عدم معرفة أو نقص خبرة، سواءاً بالحياة عموما او مهنيَّاً.

ضعف نفسي في قابلية التعاطف النفسي مع اولئك الفئة من ذوي الاحتياجات الخاصة وذويهم.

بعد ذلك انتقل الدكتور الموسوي للحديث عن امور اخرى تؤدي إلى تضعيف التعاطف النفسي، وقال:

من الامور الاخرى التي تؤدي الى إضعاف التعاطف النفسي هو الضغط النفسي والصدمات.

فطريقة ومنهجية التعامل مع ضغوط الحياة والصدمات تعتبر قضية مركزية في شخصية الانسان وقدرته على مواصلة الحياة.

واغلب الضغط النفسي يأتي من الآخرين وهو ما يعبر عنه القرآن الكريم بأنَّه (فتنة)، فالانسان إجتماعي بالطبع ولا يتمكن من العيش منفرداً ولكن الحياة مع الجماعة قد تكون مهمة صعبة للغاية.

فالإنسان الذي يحمل قلقاً (Worry) حول أمرٍ ما ولديه توتر نفسي أو لديه وجس (Anxiety)، هذا الانسان يصعب عليه التعاطف مع شخص آخر، فالامر بحاجة الى قوة نفسية ورباطة جأش وتماسك للقيام به.

كذلك الامر مع الصدمات النفسية، فالمعروف انَّها تسبب خللاً في التعاطف النفسي أو تضعفهُ، فالمصاب بالصدمة النفسية عادة ما يحاول بمرور السنين أن يسد المنافذ أمام الألم في نفسه فيشيح بنفسه عن الذكريات أو الاشخاص او الاماكن ما سيؤدي الى عزلة ثُم إلى خلل في التعاطف النفسي.

واعرب الاستاذ عادل عن اعتقاده بان المجتمعات التي تمر بأزمات طاحنة كالمجتمع العراقي، وما شهده من سحق وتهشيم للنفوس، قد تُصاب بشكل عام بحالة (جمود العواطف المكتسب).

فأمثال هذه الصدمات لها ثمن باهظ، تجعل قضية التعاطف مع الآخرين أمراً صعباً على المتعرضين لأمثال هذه الصدمات، والامر اشبة بوجودك في سفينة تغرق بشكل تدريجي وتتناوشك المشاعر المتضاربة بين ان تنقذ نفسك او تفكر في انقاذ آخرين، او الترجيح بين انقاذ إبنك او طفل آخر هو اقرب اليك وهكذا! وهذا ما يُطلق عليه علمياً بـ (متلازمة السفينة الغارقة).

والمجتمع العراقي يعيش هذا الظرف منذ سنين سيَّما وهو تعرض إلى عامل مهم آخر من عوامل تهشيم النفسية الاجتماعية وهو (الاستبداد) الذي يؤدي الى تقليل الترابط الإجتماعي نتيجة الحد من أثر التعاطف النفسي.

فقضية كتابة التقارير التي شهدها العراق في فترة الحكم الاستبدادي هي من مصاديق هذا الأثر فهي تؤدي الى ما نصطلح عليه في العراق بعملية (كسر رقبة) وهو مصطلح مناسب فالعملية قد تؤدي الى إنهاء حياة انسان.

بذا فإن الطغيان والاستبداد ومرور السنين يؤدي الى اضعاف هذا الجانب النفسي لدى الناس وهذا اخطر نتائج الاستبداد.

ونقل قصة الحكيم الصيني الذي اراد تعليم تلامذته درساً في الاخلاق فاخذهم الى خارج المدينة حيث وجدوا امراة تبكي وجنبها عظام بشرية.

وطلب من طلابه ان يسألوا المراة عما اصابها هنا فاجابت بان هذه العظام تعود لزوجها وابنها اللذين تعرضها لهجوم الضواري.

فكان السؤال الطبيعي الآخر: اذا كان الامر كذلك فلماذا انت باقية هنا؟

فاجابت: بانها باقية هنا لعدم وجود حكام مستبدين او ظلمة في هذه المنطقة!.

فقال الحكيم: تذكروا هذا واحفظوه جيداً وهو: ان الحكام الظلمة او المستبدين هم شرٌّ من الوحوش الضارية.

وعلَّق الاستاذ عادل بالقول: والامر صحيح جدا لأن الدمار الذي تخلفه الحكومات المستبدة الظالمة من الصعب إحصاؤه او ترميمه او تعويض الناس عنه. والنتيجة الحتمية هو انَّه يفتت المجتمع.

من العوامل الاخرى التي تؤدي الى اشغال الانسان بنفسه وتحول بينه وبين التعاطف النفسي مع الآخرين هي عملية التخويف المستمر ما يدفعه الى التفكير بمحاولة البقاء على قيد الحياة هو اطفاله وعياله والاكتفاء بالانشغال بذلك فقط.

ومن العوامل الاخرى: التعرض للخيانة والغدر، وذكر في هذا السياق كلمة للفيلسوف الفرنسي الجزائري مالك بن نبي التي يقول فيها: ان الاستعمار يجعل المجتمع خائنا للفرد والفرد خائنا للمجتمع.

وقال البروفيسور عادل بأنَّه شخصياً يرجح ان يستبدل لفظة (الاستعمار) بلفظة (الاستبداد) لتكون العبارة شاملة لقطاع اوسع. وتابع القول بأنَّ (الفساد المالي والاداري) في المجتمع هو نوع من انواع الخيانة والغدر.

ثم انتقل للحديث عن (الكراهية) وقال: تسود مجتمعاتنا حالياً انواع مختلفة من الكراهية، واخطر انواعها السائدة الآن هي الكراهية المبنية على اساس سياسي أو مذهبي او عرقي او طائفي او مزيج منها.

هذه الكراهية لها اساس نفسي وآخر فكري يدير شبكة من الاخبار والتمثيليات والافلام والمسرحيات التي تعزز هذا النوع من الكراهية والتفريق الطائفي او المذهبي ويدق اسفيناً في المجتمع.

وأوضح بأنَّ اتعس ما في هذا النوع من الكراهية هو أنَّها تخلخل ميزان العدالة في النفس.

فقضية القيم في الحقيقة هي قضية وجدانية، فكل انسان يمتلك ميزاناً للعدالة يكون هو الاساس لأغلب القيم الاخلاقية، فرجحان الصدق على الكذب والانصاف على غير الانصاف وغير ذلك كلها متعلقة بميزان العدالة الموجود في النفس.

كذلك فإنَّ قضية الانتماء والهوية الاجتماعية لا تقوم فقط على مشتركات مبنية على التشابهات في اللغة او في المظهر او في الجغرافية وإنَّما تقوم أيضا على قضية القيم.

وقضية الكراهية تُخلخل هذا الميزان وتحول بين الانسان وبين إنصاف الآخر. وهذا اصعب واخطر ما فيها، والخطورة ستكون اكبر اذا دخل العامل الديني في الامر، وهو اقوى من العامل السياسي الذي يشمل الحكم وعملية الولاء للحاكم وربما الانتماء للوطن وما شابه ذلك.

ذلك لأنَّ دخول العامل الديني في بناء الكراهية يحولها الى قضية دينية مقدسة، فتجعل في كراهية الآخر نوعاً من الثواب، وكثير من الادبيات لدينا تحمل هذا الطابع.

والحقيقة ان الامر غير مقبول سيَّما وان القرآن لا يُشير الى مثل هكذا امور ولا يقبل بها.

القرآن يشير إلى اربعة انواع من الكراهية، فيشير مثلاً الى نوع منها وهو (الشنئان) فيقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8المائدة5)) فيدعو الى الانصاف والى محاولة تجنب عدم انصاف الآخرين نتيجة هذا النوع من الكراهية.

الامر الآخر الذي اراد الاستاذ الموسوي الاشارة اليه كعامل من العوامل التي تؤثر في قضية التعاطف هو قضية (التشفّي) أو (الشماتة).

واوضح بالقول: ان التقسيمات الموجودة في مجتمعاتنا تقوم على اساس القيم والانتماء، وهي قضية نفسية ايضاً لأنَّها تتعلق بالهوية الإجتماعية، والموازنة بينهما، ويحدث احيانا ان تؤدي هذه التقسيمات الى أن يطغى جانب الهوية على جانب التعاطف، خاصة بعد مرور الزمن على تلك الممارسة.

لذلك فإنَّ على الانسان حينما يوغل في سلوك معين ان ينتبه الى امكانية ان يؤدي سلوكه ذاك الى تدمير ميزان القيم النفسية القائم على اساس العدل في داخله.

فتارةً وحينما يسمع بعضنا بكارثة حلت بقومٍ ما، يتبادر الى ذهنه أنَّ هؤلاء القوم ليسوا من قومه او جماعته! وقد يشعر بداخله بالتشفي اذا كانت الاوضاع السياسية ليست لصالح اولئك القوم نسبياً.

وقال: هنا لا بدَّ لي من الإشارة الى قضية مهمة في هذا الاطار فالانسان عليه ان يراقب نفسه ازاء ظهور هكذا علامات في نفسه .. فاذا شعر ايّ منا بأنَّه لم يتمكن من التعاطف مع قضية انسانية واضحة كقضية الطفل السوري الذي رماه الموج على الشاطئ والذي حرك مشاعر الملايين حول الكرة الارضية، او قضية التونسي الذي اضرم النار ببدنه او ذلك الشاب الذي القى بنفسه في حاوية القمامة .. مثل هذه الاحداث اذا لم تحرك الانسان او أنَّها أشعرته بدلا من ذلك بسؤال عن طائفة هذا الشخص وهل هو من قومه او لا؟ او أنَّه شعر بنوع من التشفي.. فهذا مؤشر خطير يؤشر الى وجود خلل ينبغي على الانسان ان يبادر الى معالجته.

لأنَّ ذلك يُشير الى نقص في قضية انسانية اساسية هي قضية التعاطف والفهم النفسي.

وختم الاستاذ عادل حديثه بالاشارة الى قضية (الأخلاق) التي قال ان الدراسات النفسية عكفت على دراستها منذ مائة عام تقريباً وشهدت تلك الدراسات اوج تطورها خلال العقدين الماضيين.

وقال: كيف يمكن أن يتوضح للإنسان أنَّ قضية الاخلاق هي قضية نفسية؟ فأجاب بالقول: دعونا نأخذ مثالا على ذلك من الواقع وهي قضية النهب (الفرهود) التي تحصل في بعض المناسبات في مختلفا لمجتمعات، أو ما يسمى بـ (الشراء الهلعي).

فقد لاحظ العلماء بأنّه وحينما تقع بعض الكوارث فإنَّ الميل للشراء الهلعي او النهب يقع مباشرة بعد تلك الكوارث، ولاحظوا ايضا أن الذي يبادر اليه هم فئة معينة من الناس ثم أن الامر يزداد ويتسع.

وقال بأنَّ الناس تنقسم ازاء النهب الى عدَّة فئات قياساً الى القيم الاخلاقية ومدى التمسك بها:

الفئة الاولى هم المجرمون الذين يوقفهم القانون: فالفرد من هؤلاء هو سارق بطبيعته ويلجأ الى السرقة ما لم يجد قيداً او حاجزا قانونيا يحول بينه وبين السرقة. هؤلاء هم اول ناس يبدأون بالنهب ولو تصورنا رسما توضيحيا فإنَّهم يقعون مثلاً على يسار الرسمة.

الفئة الثانية هم الذين لا يفكرون بالنهب ابداً وهم يقعون على الجهة المقابلة لأولئك المنتمين الى الفئة الاولى - اي على يمين الرسمة - وهم المتمسكون بالأخلاق بقوة والذين لا يساومون على مبادئهم. وهؤلاء هم الذين لا يمكن شراؤهم تحت ظل ايَّةِ ظروف كانت، والذين لا يلجأون الى السرقة حتى وإن أمِنوا جانب القانون.

بقية الناس هم الموجودون بالوسط بين الفئتين الأولى والثانية.

ولكن كيف تبدأ عملية النهب بالتصاعد؟

قال الاستاذ الموسوي مجيباً: في الحقيقة ان هناك قاعدة في قضية الاخلاق وهي أنَّ الانسان غالبا ما يقارن نفسه بالآخرين في القضية الإخلاقية، فاذا أجاز العرف قضية معينة فإنَّ الغالبية من الناس تمارسها بدون حرج.

فقضية العرف هنا تعمل كطاقية الاخفاء فهي تخفى سوءات كثيرة. وكثير من الممارسات الشائنة تخفيها الثقافة المجتمعية، وكثيرون لا يرونها شائنة الا ان ياتي شخص من خارج تلك الثقافة او يمتاز عنهم بأنَّه يتملك عين ثاقبة وثقافة اخرى أرقى ويشير اليها وينبههم عليها.

عليه فالانسان في الغالب ينظر الى السلوك الاجتماعي ويقارن نفسه معه، فاذا شاهد بونا بينهما حاول التقرب من السلوك الإجتماعي، وبذا فان الناس الاقرب الى الفئة الاولى يبدأون بالاقتراب منهم وممارسة نفس الدور بالنهب، بينما يعاني الاقرب بقيمهم الى الفئة الثانية، كثيرا قبل ان يدخلوا في المجموعة وبذا فالمعيار هو القرب من إحدى الفئتين وهو الذي سيحدد سلوك الافراد.

وهكذا كلما مارس الانسان الخطأ تحول لديه الى سجية وكلما مارس السلوك الصحيح تحول لديه الى (مَلَكَة) كما يقول العرفاء الذين يتعرضون في المجمل الى قضايا الاخلاق والسلوك الاخلاقي.

والنظر اليوم في بعض الممارسات التي اصبحت طبيعية في مجتمعاتنا يكشف عن عمق الخلل الذي اصاب المجتمع ومدى التدهور في التركيبة النفسية للافراد.

والامثلة على ذلك كثيرة، كحفلات الاعدام الجماعي للعشرات او المئات من الناس لمجرد انهم خالفوا سلطة او رفضوا برامج معينة للسلطة او خالفوا عقائد معينة او ما شابه ذلك.

واعرب الاستاذ عادل عن استغرابه انه كان يرى مثل هذه الامور يجري تداولها بين بعض المتعلمين والاطباء تداول الحكاوي والقصص دون الاحساس بانها مخالفات اخلاقية كبرى، والسبب في ذلك على ما يبدو هو تأثير الجماعة والعقل الجمعي على نفسية الانسان.


أضف تعليق


كود امني
تحديث